عزاب يتحدثون عن قسوة العيد بعيداً عن أهلهم

alarab
منوعات 03 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
مر العيد ثقيلا على عزاب ومغتربين، اختلطت فيه مشاعر كثيرة عليهم، بيد أن أكثرهم لم يروا فيه إلا مناسبة لتفجر الحنين إلى الأهل والأحبة، والتذكير بمرارة الاغتراب. أطل عيد هذا العام، على آخرين، وانقضى وقد اختلطت فيه رائحة الموت في بلدانهم، برائحة «حلويات» العيد في ذاكرتهم. على أنه ليست الغربة وحدها هي ما نغص على محمد السعيد فرحته بالعيد، ولا البعد عن الأهل وذوي القربى. ما يؤلم أكثر من ذلك تتابع مشاهد الموت، والحناجر المقطعة وصور التعذيب، تقذف بها شاشات الفضائيات يوميا من بلده سوريا، ويقول محمد: منذ بدء الأحداث، في سوريا، وأنا أجد نفسي أسير متابعة الأحداث، أتنقل من فضائية إلى أخرى، إضافة إلى متابعة الصحف والإنترنت، لمواكبة ما يجري هناك. ويضيف: ما إن أسمع باقتراب قوات الأمن من المدينة التي تسكنها العائلة، حتى يبدأ القلق الليلي والنهاري بالنسبة لي، فما أريده ألا يصيب أيا من عائلتي مكروه لا سمح الله، لكن المشهد المؤذي بالنسبة له هو مشاهد جثث الشهداء، وصور التعذيب التي تنقلها التلفزيونات والفضائيات، لمسلسل الرعب الذي يجتاح سوريا. على أن السعيد يرى، رغم سوء المشهد الذي يكتنف «بلده الحبيب»، نهاية سعيدة في آخر النفق المظلم الذي تعيشه سوريا منذ أشهر طويلة، وفي الأثناء يعيش قسوة أيامه هنا موزعا إياها ما بين استحقاقات العمل، والهروب إلى المقاهي، ولقاء الأصدقاء، وما بين هذا وذاك يحاول البقاء قريبا من أهله والاتصال بهم ومتابعة الأحداث عن كثب، وفي حين أنه لا يفصح عن سيناريو يريده شخصيا لنهاية الدراما الدموية هناك، فإنه يرجو من الله أن يتحقق لشعبه حريته وكرامته والاقتصاص من ظالميه. فرحة مصرية وإذا كان العيد قد انقضى بثقله وفظاظته الشديدة على السعيد، فإنه العيد الأول الذي يتنسم فيه محمود عبده (مصر) نسائم الحرية في بلاده، لافتا إلى أنه جاء مختلفا عن غيره، أما مشاعر عبده بعيد الفطر السعيد هنا في الدوحة، فهي المناسبة الأكثر فرحا بالنسبة له فهي قد أطلت عليه هذا العام وهو أكثر فرحا من أي عيد آخر مر عليه قبل هذا العيد، و –حسبه- فقد تحررت مصر وشعبها من ثلاثين عاما من العبودية والقهر على يد نظامها البائد ورئيسه. لكن عبده لا يخفي حنينه، مستذكرا أيام العيد وطقوسه في القاهرة، يصحو مبكرا، على صيحات والده لتأدية صلاة العيد، في المصلى الكبير، وبعد أداء الصلاة يلتقي أهل الحي، يسلمون على بعضهم، لتبدأ بعدها رحلة عبده الطويلة لكنها الجميلة والمحببة إليه أيضاً في صلة رحمه وتأدية واجبه نحو شقيقاته المتزوجات، وكذلك المعايدة على أقاربه الذين يكبرونه سنا. على أن الحنين الجارف لطقوس العيد في القاهرة، كما هي في ذاكرة عبده، تحمل معها أمانيه الخاصة أيضاً بقضاء عطلة بقضاء عيد الأضحى المبارك وهو الأول، أيضاً ما بعد الثورة المصرية المظفرة في 25 يناير، والتي أطاحت بالنظام البائد بعد ثلاثين عاما من القهر والقمع. ويقول إن للتسكع على كوبري النيل الآن متعة أخرى، والأماسي في مقاهيها وتذوق «المعسِّل» هناك له طعم آخر، بيد أن عبده لا يرى أن الواقع المصري يتغير بعد الثورة بوتيرة عالية، فالمشاكل التي كانت تطحنه هو وملايين الشباب المصري معه أيضاً ما تزال تلقي بعبئها على كاهل الشباب هناك، وشبح الفقر والبطالة لا يزال يخيم، لكنه لا يتنازل عن حلمه ومعه ملايين الشباب هناك من أن الشعب الذي كسر قيوده وقاد ثورة عظيمة، قادر أيضاً على أن يتجاوز التحديات والأزمات الراهنة، وتحقيق آماله في بناء دولته العظيمة. عيدان معاً وبينما عبده ورفاقه عاشوا فرحة العيد بتحقق وعدهم ونجاح الثورة، فإن خالد بركات، من (ليبيا) قد أنهى أشهرا طويلة من الانتظار، والقلق، وجاء عيد الفطر السعيد –بحسبه- ليحمل فرحتين، فرحة الثورة ونجاحها، وفرحة، قدوم عيد الفطر السعيد. ومنذ اليوم الأول، الذي تفجرت فيه ثورة 17 فبراير في ليبيا، كان يلازم بركات (موظف) الفضائيات وما تبثه من أخبار عن الثورة المتصاعدة هناك، وفي الأثناء كان على تواصل دائم مع عائلته في طرابلس، وللمفارقة فإن الأيام الأولى على طولها في الثورة المتصاعدة في ليبيا كانت لا تحمل مثل القلق الذي حملته الأيام الأخيرة من معركة طرابلس وإنهاء حكم القذافي، فالعائلة مقيمة هناك. وطوال شهر رمضان الفضيل كان خالد يدعو الله أن تكلل الثورة نضالاتها، ودماء شهدائها، وتضحيات جرحاها، بالانتصار على «الطاغية».»هذا عيد جديد وسعيد».. يقول بركات الذي يحدوه الأمل في العودة نهائيا إلى طرابلس للعمل هناك، فليبيا ليست دولة فقيرة، ويمكننا أن نستفيد من الخيرات النفطية الوفيرة والتنوع الاقتصادي فيها من بناء بلد عظيم، يتمتع فيه الليبيون بكرامة إنسانية وحرية، ورفاه اقتصادي، مؤملا أن يحمل المستقبل استقرار الوضع في بلاده من جهة، والبدء ببناء ليبيا الغد. عيد في الذاكرة هنا قضى ياسر الطحان عيده وحيدا، مكتفيا بإلقاء التحية على الزملاء الذين يشاركونه العمل، وعن طقوسه في العيد المنقضي، يقول الطحان: أعود إلى البيت وحيدا أسلي نفسي بمشاهدة الفضائيات. ويضيف: عندما أمل من وحدتي «أفر» إلى مقهى قريب، وعندما أشعر أن رأسي لم يعد يحملني من تدخين الشيشة والضوضاء التي يبعثها المقهى، أعود مجددا إلى البيت وأسلم نفسي في ساعة متأخرة إلى النوم. لا يذكر ياسر الطحان من طقوس العيد في فلسطين إلا تلك التي تختزنها ذاكرة العائلة، ففي غزة التي هجرها الوالد في خمسينيات القرن الماضي، كانت طقوس العيد تبدأ مبكرا وفي الأيام الأخيرة في رمضان المبارك، تقيم العائلات ورشات عمل خاصة لعمل كعك العيد والمعمول. ويقول ياسر إن أجواء القرية في الأيام الأخيرة تعبق برائحة الكعك، والمعمول والغريبة، وتتنافس النسوة في العيد بعمل الحلوى التي لا بد منها لكي تكون فطور المعيدين في رمضان المبارك. هنا الأيام تشبه بعضها، والعيد لا يختلف عن غيره بالنسبة للعزاب إلا أنه يومٌ فارق في أجندة ياسر باعتباره مناسبة دينية، ومناسبة أخرى لتفجر الحنين، إلى الأهل والعائلة، والشعور بالغربة أكثر.