أصدقاء وزملاء علي الجابر: خير عزاء لنا في الشهيد سقوط نظام القذافي

alarab
منوعات 03 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - عمر عبداللطيف
لم تكن علاقتهم مع الشهيد علي حسن الجابر علاقة عمل فقط، إنها علاقة إنسانية اجتماعية، مع إنسان طالما وصف بالشهامة والنخوة وحب الخير للآخرين. هكذا يصف أصدقاء علي الجابر وزملاؤه علاقتهم معه، فكل منهم له قصة مع الراحل، راحوا يتذكرونه اليوم بالتزامن مع فرحة الليبيين بانهيار وسقوط نظام العقيد معمر القذافي. سعدية عبدالحليم مديرة شركة "إمج" للإنتاج الفني، تعرفت الشهيد علي حسن الجابر منذ سنوات طويلة، منذ أن كانت تعمل في أستوديو علاء الدين لإنتاج المسلسلات والصور المتحركة، حيث كان رحمه الله يزور الشركة كونه مصورا ويعمل في مجال الإعلام. ومنذ تلك السنوات «رأيت فيه الروح المرحة وجدية العمل ومساعدة الناس»، واستمرت علاقة العمل أثناء إدارته لقناة «cnbc» العربية، حيث كانت تحتاج القناة إلى تقارير إخبارية، ونحن كشركة متخصصة في هذا النوع من العمل الإعلامي ننتج التقارير لمحطات أخرى «دائما كان هناك تعاون مع علي الجابر، على مستوى العمل وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية والإنسانية». يحب الخير ومساعدة الآخرين كان الجابر لا يبخل بتقديم المعونة الفنية لأي شخص، كما تقول عبدالحليم، حتى أن الشباب كانوا يطلبون مساعدته عندما تصادفهم أي مشكلة، خاصة في التصوير، وهو بدوره لا يبخل في تقديم المشورة والدعم حتى في التصوير، كان يدخل إلى المكتب كصديق كذلك، والشباب العاملون في الشركة ينادونه «عمي» وليس «أستاذ»، كونه بمثابة والدهم. وعندما تحتاج الشركة أي مشورة، كانت ترجع للراحل علي الجابر، وعندما يكون مسافرا خارج قطر، تطلب منه الشركة بعض إكسسوارات التصوير وأجهزة المونتاج، فيقول لمديرة الشركة مرحبا: «لو احتجتم أي خدمة اكتبوا لي»، فكان يشتريها ويوصلها بنفسه إلى المكتب. حتى أن بعض الأغراض مثل أشرطة التصوير ما زالت على «حطة يده، وأنا تركتها كما هي، تخيل! فقط افتح الصندوق الذي في الأعلى». تبكي السيدة سعدية متذكرة اللحظات الأخيرة التي جمعتها مع الراحل، ثم توضح أنها طلب منه قبل سفرته الأخيرة أن يأتي إلى المكتب لتصفية بعض الحسابات. و «فعلا وقتها مر على المكتب وصفينا حساباتنا... كان خبر استشهاده صدمة كبيرة، كان الجابر يسافر كثيرا، دائما على حافة الخطر، لكنه لا يكترث لذلك». وأضافت عبدالحليم أن كاميرا علي الجابر ما زالت موجودة في شركة «إمج»، فقد كان يفضل الراحل أن يصور في كاميراته الخاصة عند العمل «طلبت من أهله أن يأخذوها، وقالوا لي لا بأس في ذلك». أخ وصديق يندر وجوده أما على المستوى الإنساني، فالشهيد كان أخا وصديقا يندر وجوده «أعرفه على المستوى الأسري، أعرف عائلته، نلتقي في المسجد» هكذا تشرح عبدالحليم مشيرة إلى أن الجابر من أسرة طيبة وكريمة، ومن أهم صفاته أنه أينما حل يحل المرح، ولذلك «أنا كتبت على موقعه الذي افتتح بعيد استشهاده: كيف طالت هذه الرصاصة روحك المرحة الفياضة. نهنئ أهله بأنه أخذ مرتبة عظيمة باستشهاده عند برب العالمين»، وفي النهاية نفتقد إلى الوجود الإنساني لعلي الجابر. ويتوافق الحديث عن الشهيد علي الجابر مع سقوط نظام القذافي وتحرير ليبيا، وهنا تقول عبدالحليم: «لقد قلتها سابقا، نحن لنا ثأر عند القذافي» هذا المجرم، لقد خشينا منه على ثورة مصر أيضا منه. ولكن كما قال الليبيون «دم الشهداء ما يجيش هباء» لا في تونس ولا في مصر ولا في ليبيا وسوريا «إرادة رب العالمين أقوى. نحن أيضا لنا سطر في تاريخ تحرير ليبيا، أنا شخصيا بمصريتي وباستشهاد علي الجابر لي سطر أو صحفة في تاريخ لبيبا، كلنا عرفنا الشهيد وتعاملنا معه». شهادته اختيار إلهي الإعلامي في قناة الجزيرة حاتم غندير، عمل مع الجابر في قناة «cnbc» وقناة الجزيرة، وفي القناتين تعامل مع الراحل علي الجابر، وهنا يشير إلى تجربته بقوله إن جماهيرية القذافي سقطت، وهذا أمر غير مستغرب فالدماء الليبية التي سالت كان يجب أن تتوج بهذا الانتصار العظيم «الله سبحانه وتعالى اختار الشهيد الجابر، كي يستشهد على الأراضي الليبية وقرب ضريح الشهيد عمر المختار». منوها بأن هذا بكل تأكيد «اختيار رباني للشهيد علي الجابر»، وهو زيادة في سمعة قطر الطيبة ومهنية الجزيرة. ويقول غندير إنه في هذه اللحظات التاريخية مع دخول الثوار باب العزيزية وإسقاط نظام الديكتاتور المجرم، نستذكر الأخ الشهيد الجابر، وندعو له بالرحمة والمغفرة في هذا الشهر الفضيل، ونستذكر معه زملائنا الذين اعتقلوا أو عذبوا، وبعض الزملاء ما زال مصيره مجهولا. ويؤكد غندير أن «الأخ الجابر استحق هذه الشهادة، وهذا اختيار إلهي وليس بشريا»، فقد أصر على الذهاب بنفسه رغم كبر سنه، ورغم أنه رئيس قسم التصوير، ويوجد مصورون غيره. إنه رجل يحب الخير والصدقات، يعمل للناس ويهتم بقضايا المسلمين، سافر كثيرا إلى بلدان إسلامية عانت الفقر والاضطهاد، وقد ختم رسالته الإعلامية بالشهادة، وهو ليس مجرد موظف أو مصور بل إنسان له مهمة ورسالة يقوم بها بما أوتي من علم وخبرة، «عملت معه سابقا في قناة سي إن بي سي، وفي الجزيرة كان الرجل يتصف بصفات مهنية عالية، ويهتم بكل الزملاء وكل الأصدقاء، كان يحب الخير للآخرين، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يكتب له الله الشهادة على الأراضي الليبية». دم «عمي علي» لم يضع هباء أما الإعلامي قصي الناصر الذي يعمل في شركة «إمج» أيضا، فهو يرى أن من محاسن الصدف الحديث عن علي الجابر والثوار في ليبيا يحتفلون بسقوط القذافي. وهذا حقيقة «ما يثلج صدري، إذ إني أعرف أن دم عمي علي لم يضع هباء ولم يذهب رخيصا». لقصي قصص كثيرة مع علي حسن الجابر الإنسان، فهم كمصورون شباب استفادوا من خبرة الجابر باعتباره صديق مقرب من صاحب الشركة ومديرها أيضا، فهو كان متبرعا لتعليم الشباب الكثير عن الكاميرا التلفزيونية وطريق أخذ اللقطة وأنواع اللقطات، حيث يعتبر الجابر مصورا محترفا ذو خبرة طويلة، وأيضا أكاديمي في هذا التخصص، كان يمتلك حب المعرفة، ويعرف عن برامج المونتاج الإلكتروني الكثير، كان يعلم الشباب، وأحيانا يسألهم عن أشياء يرغب أن يتعلمها، فيدور بينهم وبينه نقاش الأصدقاء، رغم فارق السن، «فنحن في عمر أولاده، كنت أفرح كثيرا عندما كان يمتدح تصويري وأصغي إلى ملاحظاته، وكان يعاملنا كأبناء وأصدقاء له، وقد دعانا إلى حفلة زفاف ابنه عبدالله، ليستقبلنا هناك بفرحة عارمة، مازحنا في تلك الليلة وتصور معنا»، يقول قصي. صاحب روح مرحة ويحظى بشعبية كبيرة كان الجابر صاحب روح مرحة ونكتة يحب المزاح كثيرا، حسب قصي الذي يشير إلى أن الجابر كان يمتلك شعبية واسعة بين صفوف المغتربين، خاصة الإعلاميين المقيمين في الدوحة. لقد كانت الفرحة والبهجة تدب في أرجاء الشركة متى وطئت أقدام الجابر بابها، والكل يتسارع لاستقباله والترحيب به «كنا نناديه بالعم علي، وكان يفرح كثيرا بهذه المناداة، ويرد بروحه المرحة باللهجة السورية: أهلين بالعمو، ويرد على زملائي المصريين: إزيك يا عمي»، حسب قصي الذي ينوه بأن الجابر كان صاحب دين ودنيا، فبعد المزاح ينادينا إلى الصلاة لنصطف خلفه، ويؤمنا هو في كل مرة كان يزورنا فيها. كان لعلي الجابر مكانة غالية في قلب قصي، يتصل به دائما، رغم أنه كان رحمه الله كثير السفر، فمرة يتصل به ليجده في غزة، ومرة يتصل به ليجده في إيران «مرة اتصلت به وكان في السعودية لأداء فريضة الحج وفي مهمة تصوير، وكل مرة أتصل به يكون لي حاجة عنده أرغب في قضائها لي، لم يكن يتردد أبدا، دائما يخدمني». ويشير قصي إلى أن الجابر كان يلومه على قلة اتصالاته به «في كل مرة يقول لي، شلونك ياعمو، إزيك يا مشمش، وعندما ينهي الاتصال يقول لي: أحبك». وينوه قصي بأن جهاز المونتاج الذي يعمل عليه تعطل في إحدى المرات، فرغب في إصلاحه دون علم مديره الشركة بذلك، فاتصل بالشهيد الجابر وشرح له الموقف، وكانت الساعة العاشرة مساء، فقال له الجابر إنه في مهمة تصوير، وإنه في الصباح الباكر سيمر لأخذ الجهاز لإصلاحه، وفعلا في اليوم التالي الساعة السابعة صباحا اتصل بقصي حيث «كان يحترم المواعيد كثيرا، وكان رحمة الله عليه نشيطا ذا همة عالية يستيقظ صباحا، أخذ الجهاز مني وسألني ما بك أراك تعبانا، قلت له نعم، قالي لي منذ متى؟ قلت منذ 10 أيام، فاخرج هاتفه واتصل بأحد أصدقائه الأطباء ورتب لي موعدا عنده». كما يشير الناصر إلى أن الشهيد كان يأتي أحيانا ليصطحبهم بسيارته الخاصة إلى أحد المطاعم، وكان رحمة الله يرغب في شراء الأغذية البسيطة التي تلقى قبولا من معظم الناس، وكان يصر على دفع الحساب، فضلا عن إصراره على توصيلهم إلى منازلهم، في جو من المزاح والمرح، «كان يسألنا دائما هل تحتاجون أي شيء إذا لزمكم تكلموا لا تخجلوا». المواقف الإنسانية كثيرة مع علي الجابر كما يقول قصي «لكننا نستشف من معظمها الجانب الإنساني في تعامله مع الآخرين، وأيضا الصدق والاحترام والالتزام بالموعد»، إضافة إلى أن المرحوم كان يمتلك شعبية واسعة في صفوف المغتربين «كان خبر وفاة علي حسن الجابر كالصاعقة بالنسبة لنا، عشنا جوا من الحزن الشديد على رحيله، لكن ما كان يعزينا أنه شهيد، كم كنا نقتفي أثره في المكان، هرعنا إلى تنظيف الكاميرات الخاصة به، وتلك التي وضعها أمانة في مكتبنا»، أحد الأصدقاء راح ينظف الكاميرا ودموعه تتساقط عليها، علي الجابر رحل وترك في نفوسنا ذكرى الأب والأخ والصديق والإنسان. هكذا يختم قصي. سقوط القذافي خير عزاء لنا عبدالله محمد مصيلحي مخرج تلفزيوني في قناة «cnbc»، يوضح أن «خير عزاء لنا في الشهيد علي الجابر والشهداء الذي سقطوا في ليبيا، هو سقوط نظام القذافي الذي يجب أن يحاسب من قبل الشعب، فهو يستحق الإعدام». علي الجابر كان يجد سعادته في إسعاد الآخرين، فالله خلقه من أجل إسعاد الناس، كما يقول مصيلحي «الشهيد كان يبذل كل جهد، سواء طلب منه أو لا، ليسعد الناس، فهو حريص على الخير جدا وبشكل كبير»، كما أنه كان حريصا على أداء الصلوات في وقتها وفي أشد الأوقات ازدحاما في العمل «كثير الابتسام في وجه الآخرين، متفائل دائما، كريم الأخلاق، يحب المزاح». وإذا وجد أي إنسان محتاج أو لديه مشكلة ما كان الراحل يحاول أن يخفف عنه المشكلة ويهون عليه محاولا مساعدته، «أعرف الجابر منذ عام 2003 وعاشرته في تلك السنوات، كان يحب الخير للآخرين أكثر مما يحبه لنفسه، وقد صدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخية ما يحب لنفسه». ويؤكد مصيلحي أن علي الجابر يحتاج إلى كلام كثير، ولكن هذا الكلام حقيقة وغير مبالغ فيه.