ظهور الاستبداد السياسي والعوامل التي أدت لانتشاره
باب الريان
03 أغسطس 2013 , 12:00ص
هناء محمد وحيد الدين الغايش
لقد فُرِضَ الاستبداد على الأمّة في أغلب مراحل تاريخها، رغم مخالفته لنصوص الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة. واستمرّ استحواذ الحكام المستبدين على السلطة والثروة بحكم فردي مشرب بالروح القبلية والعائلية والتوريث. لقد أصبح الفراغ التنظيمي والفقهي في مسألة إدارة الشورى وإدارة الاختلافات السياسية يشكل على الدوام سببا لتحكم منطق القوة والغلبة بكل ما يعنيه ذلك من فتن وصراعات وتصفيات دموية.
أولا: العوامل التي أدت إلى ظهور الاستبداد السياسي
1) تراجع الفاعلية السياسية بين المسلمين: أوضحت الدكتورة بتول أحمد جندية في بحثها حول علل الانحطاط وأزمة الفاعلية في الأمة أنه جرت العادة على تبسيط مشكلة ضعف الفاعلية السياسية في العالم الإسلامي، بإلقاء اللوم على الدولة العثمانية، وما انتهت إليه من مظاهر من الظلم والفساد والاستبداد، حيث عُرف عن العثمانيين أنهم رجال حرب لا فكر، وجهاد لا دعوة، شعارهم المميز «إما غاز وإما شهيد»، ولذلك فإنهم لم يرفدوا فتوحاتهم العسكرية بنشاط دعوي مكافئ يسعى إلى ترسيخ الفكرة الإسلامية في البلاد المفتوحة، فتحولت تلك البلاد في مرحلة ضعف الدولة العثمانية إلى بؤر توتر وثورة. وفي مقابل هذه الرؤية التبسيطية، ظهرت تحليلات حاولت أن توغل وراء المشكلة إلى جذورها العميقة عندما سلب الأمويون الخلافة وتم تحويلها إلى وِراثة وملك عضوض. بعد أن كانت شورى على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم- كما أوضحنا سابقًا.
2) الابتعاد عن قواعد الحكم الرشيد: لقد تحققت مقاصد الشريعة في الفكر السياسي على أرض الواقع -كما سبق وأوضحنا- في مراحل محدودة من التاريخ، فكانت التأسيس لنموذج الشورى والعدل، يستلهم منه المسلمون المفاهيم والمناهج والرّوح والمقاصد. وقد أشار الدكتور أحمد الريسوني في «كتابه الشورى في معركة البناء» إلى أن هذه المراحل مثلت نماذج راقية تجلت فيها القيم الإسلامية وتلاحمت فيها النصوص بالواقع ولكن حصل الارتداد سريعا ولم تتطوّر الأنماط والأشكال بل تضاءلت مساحات الشورى والعدالة لتنتهي إلى ملك عضوض لا يعتمد على إرادة الشعب، وإنما يعصف بفلسفة الإسلام ومقاصده في الحكم ويفتح المجال للوراثة والشورى الشكلية والإكراه في البيعة والتشريع للاستيلاء والغلبة والاستبداد والتنظير لإمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار مقابل إمارة الاختيار.
3) اجتياح المغول وسقوط الدولة العباسية: إن الاجتياح المغولي -على قصر مدته ورغم احتواء الحضارة الإسلامية للمغول وانتصارها عليهم ثقافيا- كان هو المنعطف الفاصل المؤدي إلى انحطاط الحضارة الإسلامية؛ لأن جائحة المغول جمعت على المسلمين عجزا روحيا فوق العجز المادي الذي أنزلته بهم، وقد تمثل العجز الروحي في إحساس طاغ بالذل سرى في الناس سريان رعب المغول في نفوسهم، علمهم الخور وحقَنَ اليأس في النفوس التي رضيت أن تستكين، فسلب منها إرادتها وقدرتها على مقاومة التحديات.
4) الانقطاع الحضاري للمسلمين: أدى الاجتياح المغولي إلى الدخول في حالة انقطاع حضاري وتاريخي مفاجئ نتج عن تدمير البنى العلمية والعمرانية والاقتصادية، والتصفية الجسدية لرجال العلم أو تشتيتهم؛ حيث تفنى المعرفة بموت رجالها أو ضياع مصادرها وفقدان وسائلها. إن تاريخ الأمة هو معرفتها، ومعرفتها هي فكرتها التي قامت عليها، وطاقتها التي أطلقتها، ومحركها للفعل والتأثير، فإذا انقطعت صلتها بها خسرت طاقتها وتقلصت فاعليتها، وفقدت بوصلتها الموجهة، وتحولت مُثُلها إلى مفاهيم غائمة مشوهة لا تُحرك إلا إلى الخمول ولا تنتج إلا الخراب. إن الانقطاع الحضاري هو الداء الذي انتفخ بكرّ الأيام وصار سرطانًا يتغلغل في مناحي الحياة كلها، ويشد الأمة إلى قاع الانحطاط.
5) عودة المفاهيم القبلية بين المسلمين: عادت الأمة إلى تقاليد وأعراف ساندت الروح الجماعية المنسحبة، وضمنت بصرامتها الاحتفاظ بتنظيمات جماعية داخلية صلبة، ذات زعامات محلية موقرة، أسهمت في إدارة الصراع، وتحقيق التوازنات، وتحمّل مهام الدفاع؛ كالرابطة القبلية، والرابطة الدينية، والرابطة الحرفية، ورابطة الأحياء، والرابطة الأسرية المتينة. داخل هذه التنظيمات كان التماسك قويا والتعاون على أشده والولاء خالصا للجماعة، أما خارجها فشكلت هذه التنظيمات بؤر صراع وتوتر دائمين.. ولكن ضمن هذا التشكيل الهرمي والسلطوي للمجتمع والقيم، لم تخلُ الأمة من قادة وزعماء ومصلحين ومتنفذين أصحاب ضمائر حية، تعلمت الأمة أن تحترمهم وتتحرك بتوجيههم وتلتجئ إليهم في الضائقات.
ثانيا: محاولات التخلص من الاستبداد السياسي
أدى انتشار الاستعمار الأوروبي إلى حدوث صدمة في العالم الإسلامي، بدأ على إثرها المسلمون يفكرون في طرق للتخلص من هذا الاستعمار، وتوصل كثير منهم إلى أن الاستبداد السياسي تسبب في ضعف مجمتعاتهم وجعلها مستباحة من القوى الغربية، فظهرت محاولات عدة للتخلص من هذا الاستبداد كما يلي:-
1) انبعاث الصحوة الإسلامية: أوضح الدكتور يوسف القرضاوي أن خضوع كثير من البلدان الإسلامية للاستعمار الغربي في أواخر القرن التاسع عشر، قد أدى إلى ظهور خلاف حول العلاقة بين الدين والسياسة بين الإسلاميين والعلمانيين، فالإسلاميون يرون ضرورة الارتباط بين الدين والسياسة، لأدلة شرعية وتاريخية لديهم، منها فكرة شمول الإسلام، والعلمانيون يرون ضرورة الفصل بينهما، ويرتبون على ذلك نتائج وآثار مهمة، قد تضر بالمجتمع والأمة؛ ولذا بدأت محاولات لإحياء الفاعلية السياسية عند المسلمين لمواجهة خطر الذوبان في المحتل. وكان من رواد هذا الاتجاه كل من الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في مصر، ثم خرج في أعقابهم الشيخ حسن البنا ليؤسس جماعة الإخوان المسلمين، ثم جاء الشيخ تقي الدين النبهاني في الأردن ليؤسس حزب التحرير، والشيخ راشد الغنوشي في تونس حيث أسس حركة النهضة وعدنان سعد الدين في سوريا. ثم تطورت الصحوة الإسلامية نحو ما بات يعرف باسم الإسلام السياسي.
2) المطالبة أن يكون الإسلام دينا ودولة: بين الدكتور حامد ربيع أن طبيعة الإسلام تُجب أن تكون له دولة، فكل أمر في القرآن والسنة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية، لأن تنفيذه كما يجب غير مأمون إلا في ظل حكم إسلامي خالص، ودولة إسلامية تقوم على أمر الله. وقيام الإسلام نفسه في الحدود التي رسمها الله وبينها الرسول يقتضي قيام دوله إسلامية تقيم الإسلام في حدوده المرسومة. وأكثر ما جاء به الإسلام لا يدخل تنفيذه في اختصاص الأفراد وإنما هو من اختصاص الحكومات، وهذا وحده يقطع بأن الحكم من طبيعة الإسلام ومقتضياته وأن الإسلام دين ودولة؛ ولذا أكدت حركات الإسلام السياسي على أن السياسة جزء من الدين، وأن الممارسات الإنسانية في كافة جوانبها يجب أن تخضع للمعايير العقيدية، حيث يعتبر الإسلام من الناحية التأريخية الدين الوحيد الذي استطاع في عهد انتشاره الأول تكوين نواة لمؤسسات اجتماعية وخدمية وسياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي، على عكس الديانات الأخرى التي لم يتمكن مؤسسوها من تشكيل بدايات دولة. ولذا يرى أنصار حركات الإسلام السياسي أن الإسلام ليس دينًا فحسب، وإنما هو دين ودولة.
3) المطالبة بالإصلاحات السياسية: وفي الجانب السياسي، نجد الدكتور جابر الأنصاري يبين في كتابه «التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام» أنه ساد الانطباع عام 1948 أن المسؤولية الأساسية في الهزيمة تقع على عاتق الأنظمة السياسية التقليدية القائمة حينئذ والمتهادنة مع الأجنبي المستعمر، وأنه لو تم تغيير تلك الأنظمة لعرف الشعب طريقه. وتوالت التغيرات والانقلابات، وسقطت كثير من الأنظمة التقليدية وخرج الحاكم الأجنبي من الأقطار العربية، ووصل إلى قمة السلطة ومراتبها وأجهزتها ومؤسساتها كافة، مواطنون وعناصر أهلية عربية من مختلف الفئات والطبقات والتشكيلات الاجتماعية الشعبية في المجتمعات العربية، سواء عن طريق الصعود السياسي الحزبي أو عن طريق التدرج الوظيفي، وفي بعض الحالات وصلت إلى أعلى هرمية السلطة فئات شعبية من أعماق الشعب. غير أن هذا التغيير الجذري في النوعية البشرية للهيئات الحاكمة لم يؤد إلى تغير مماثل أو تحسن نسبي في المسلكية السياسية وفي مستوى الأداء السياسي والإداري والإنساني والحضاري للحكم الوطني الشعبي العربي سواء على مستوى الالتزام بأمانة الحكم والحق العام، أو في نوعية التعامل مع المواطنين ديمقراطيا أو حتى أخويا وإنسانيا، أو في كيفية التعاطي مع الحكومات والشعوب العربية الشقيقة الأخرى، انتهاء بطريقة التصرف على الصعيد الخارجي الدولي: تهاونا أحيانا وتهورا أحيانا أخرى، بما يؤدي في النهاية إلى النتيجة ذاتها: وهي إلحاق المزيد من الكوارث والتراجعات بالمصير العربي.
والخلاصة مما سبق: هناك كثير من الأدلة في القرآن الكريم والسنة المشرفة تثبت أن المنهج والتشريع الإسلامي يشمل كل مناحي الحياة الدنيوية والأخروية: كالعبادات والأخلاق والمعاملات، كما أنه يشمل الشريعة والقانون، وتثبت أن الإسلام دين شامل ينظم شؤون الحياة جميعها سواء سياسة، أو اقتصاد، أو تعليم، أو أسرة، أو غيرها، وكذلك ينظم شؤون الدولة والحكم والشورى. ولقد أدى الابتعاد عن المنهج الإلهي في الحكم إلى ظهور الاستبداد السياسي وما تبعه من ضعف وتراجع في الأمة.