باب الريان
03 أغسطس 2013 , 12:00ص
أجاب عن هذه الأسئلة مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية
إعطاء طالب المساعدة أو رده
* السؤال ما حكم رد السائل؛ لقوله تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) [سورة الضحى آية: 10] مشكلتي أني لا أردهم بخلا وأنانية، ولكن لأن بعضهم يقتربون بشكل لافت وأصوات دعائهم عالية لافتين للانتباه، وأنا امرأة بلغ بي الحياء درجة كبيرة ولا أحب أن يراني أحد أتصدق، بطبعي أحب فعل الخير خفية على قدر استطاعتي، ولكن أخاف أن يعاقبني الله لردي لهم؟
- الإجابة: زادك الله حرصا على الخير ورغبة فيه، ثم اعلمي وفقك الله أنه لا يجب إعطاء كل سائل، ولا يأثم المكلف برد السائل ما دام يؤدي ما عليه في ماله من الحق، وإن كان إعطاء السائل من محاسن الأخلاق ومكارم الشيم، وإذا رد الإنسان سائلا فليكن رده رفيقا لينا بغير نهر ولا زجر، وهذا معنى الآية الكريمة، فالآية لا توجب إعطاء السائل ما سأله, وإنما تنهى عن زجره ونهره.
قال ابن كثير: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) أَيْ فَلا تَكُنْ جَبَّارًا وَلا مُتَكَبِّرًا وَلا فَحَّاشًا وَلا فَظًّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رُدَّ الْمِسْكِينَ برحمة ولين. انتهى.
والذي ينبغي لك إن علمت أو غلب على ظنك صدق السائل وأنه محتاج أن تعطيه ولو شيئا يسيرا، وإن علمت أو غلب على ظنك عدم حاجته فلا تعطيه, بل انصحيه إن لم يكن في نصحه مفسدة، وبيني أن السؤال مع الغنى من موجبات غضب الرب تعالى، ولا يمنعك الحياء من الإعطاء في محله فإنك تفوتين على نفسك بذلك خيرا.
وقد وجه إلى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى هذا السؤال: هناك حديث نبوي نصه: (للسائل حق ولو أتى على فرس) في مسند أحمد. فهل معنى الحديث: أن السائل إذا أتى ولو كان ظاهره عدم الفقر لا بد أن يعطى؟ فأجاب بقوله: أولاً هذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا شك أن الإنسان من كرمه أنه إذا سئل لا يرد سائلاً ما لم يسأل محرماً. لقول الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج:24-25] وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً عن الإسلام. فمن الأخلاق الفاضلة ألا ترد سائلاً, لكن إذا علمت أن هذا السائل يستكثر بسؤاله فانصحه وذكره بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر). انتهى.
وما ذكرته من الأسباب الأخرى لا شك في أن بعضه حق، فقد كثر في زماننا الخداع وانتشر من يسألون الناس مع غناهم، ومن ثم كان التثبت في الإعطاء أمرا حسنا, وأن يعطي الإنسان من يعلم أو يغلب على ظنه صدقه.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: لكن بلاءنا في الحقيقة في رد السائل هو أن كثيراً من السائلين كاذبون: يسأل وهو أغنى من المسؤول، وكم من إنسان سأل ويسأل الناس ويلح في المسألة فإذا مات وجدت عنده دراهم الفضة والذهب الأحمر والأوراق الكثيرة من النقود! وهذا هو الذي يجعل الإنسان لا يتشجع على إعطاء كل سائل، من أجل الكذب والخداع؛ حيث يظهرون بمظهر العجزة وبمظهر المعتوهين والفقراء وهم كاذبون. انتهى.
والمرد في الإعطاء والمنع بحسب العلم أو غلبة الظن كما بينا.
امتناع الزوج عن وطء امرأته
لسوء سلوكها
*السؤال: هل يجوز هجر الزوجة (الامتناع عن العلاقة الجنسية معها) كنوع من العقاب لها على سوء تصرفها مع أهل الزوج رغم نصحها؟
- الإجابة: لم يبن السائل لنا حقيقة ما أسماه سوء تصرف زوجته مع أهله، هل وصل إلى درجة الإيذاء ظلما، أم أنه مجرد عدم رضاهم عنها لأسباب أخرى غير أذيتهم؟
فإن كان مقصوده أنها تتطاول عليهم بالسب والشتم والبذاء، فيجوز أن يهجرها في المضطجع إذا لم يفد نصحها.
جاء في حاشية الجمل على شرح المنهج: وللزوج تعزير زوجته لحقه كنشوز... وكبذاءة اللسان على نحو الجيران".
أما إذا كانت إساءتها مجرد خشونة في الكلام ونحو ذلك، من غير شتم أو سب أو بذاءة، فالظاهر -والله أعلم- أنّ الزوج في هذه الحال له وعظها، وليس له هجرها في المضطجع، فقد ذكر الفقهاء أن الزوجة إذا أغلظت لزوجها في الكلام -من غير سب أو شتم- فليس له هجرها أو ضربها.
قال النووي: فَلِتَعَدِّي الْمَرْأَة ثَلَاثُ مَرَاتِبَ. إِحْدَاهَا: أَنْ يُوجَدَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، بِأَنْ تُجِيبَهُ بِكَلَامٍ خَشِنٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَيِّنًا، أَوْ يَجِدَ مِنْهَا إِعْرَاضًا وَعُبُوسًا بَعْدَ طَلَاقَة وَلُطْفٍ، فَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَة يَعِظُهَا وَلَا يَضْرِبُهَا وَلَا يَهْجُرُهَا. "روضة الطالبين وعمدة المفتين".
فإذا لم يجز له هجرها بسبب هذا النوع من التعامل معه هو، فأولى ألا يجوز له هجرها بسبب تعاملها الخشن مع غيره.
وننبه إلى أن من محاسن أخلاق الزوجة وطيب عشرتها لزوجها إحسانها إلى أهله وتجاوزها عن زلاتهم، وإعانته على بر والديه وصلة رحمه، كما ننبه إلى أن الأصل في علاقة الزوجين التواد والتراحم والتفاهم ومراعاة كل منهما ظروف الآخر.
الستر على المسلم بين الاستحباب والوجوب
*السؤال: قيل إن ستر المسلم سُنة، فكيف يكون سُنة وليس بواجب إذا كان كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وأيضا عرضه، وليس هناك أصح من القرآن، حيث يقول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ"، وإذا كان الله سيفضح من فضح مسلما يوم القيامة على رؤوس الأشهاد؟ لأنه لو كان هذا الكلام صحيحا لكان معنى ذلك أن الله لا يهدي الإنسان بشرعه لما هو خير له؟
-الإجابة: الفقهاء لم يتفقوا على القول باستحباب الستر، بل منهم من قال بوجوبه، وإن لم يكن هذا قول أكثرهم، جاء في الموسوعة الفقهية: وَمِنَ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا: أَنَّ السَّتْرَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ لِمَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالأْذَى وَالْفَسَادِ، فَقَدْ قَال النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَل يَوْمَ الْقِيَامَة، قَال فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا السَّتْرُ فِي غَيْرِ الْمُشْتَهِرِينَ، وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِذَا رَأَيْتَ إِنْسَانًا عَلَى مَعْصِيَة فَعِظْهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَلاَ تَفْضَحْهُ. انتهى.
وفيها أيضا: وَكَوْنُ التَّرْكِ -أي ترك الرفع إلى الحاكم- مَنْدُوبًا هُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّة، وَفِي الْمَوَّاقِ: سَتْرُ الإْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَاجِبٌ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَرْكُ الرَّفْعِ وَاجِبًا، وَقَال صَاحِبُ الطَّرِيقَة الْمُحَمَّدِيَّة مِنَ الْحَنَفِيَّة: مَا وَقَعَ فِي مَجْلِسٍ مِمَّا يُكْرَهُ إِفْشَاؤُهُ إِنْ لَمْ يُخَالِفِ الشَّرْعَ يَجِبُ كِتْمَانُهُ، وَإِنْ خَالَفَ الشَّرْعَ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَالْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِي فَلَكَ الْخِيَارُ، وَالسَّتْرُ أَفْضَل كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ ضَرَرٌ لأِحَدٍ مَالِي أو بَدَنِيٌّ، أَو حُكْمٌ شَرْعِي كَالْقِصَاصِ وَالتَّضْمِينِ، فَعَلَيْكَ الإْعْلاَمُ إِنْ جَهِل، وَالشَّهَادَة إِنْ طَلَبَ، وَإِلاَّ فَالْكَتْمُ. انتهى.
إلا أن القائلين بالاستحباب اعتمدوا فيما قرروه على أدلة شرعية من تصرف الصحابة -رضي الله عنهم- ولا يرد عليهم ما ورد في السؤال، لأن العاصي هو الذي سلط على عرضه بارتكاب المعصية، وليس رفع أمره للحاكم ليقيم الحد عليه من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا إذا كان المقصد زجر العاصي وردع من يهم بمثل معصيته، والآية نزلت فيمن قذفوا أم المؤمنين ورموها بما برأها الله منه، كما هو معلوم، فمثل هذا هو الذي يستحق هذا الوعيد وهو من يقذف المسلمين بما برأهم الله منه, أو يفعل مثل فعله مما يدل على حبه لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، قال القاسمي رحمه الله: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ" أي تنتشر الخصلة المفرطة في القبح، وهي الفرية والرمي بالزنى ونحوه كاللواط وما عظم فحشه "فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا"، أي من الحد وغيره، مما يتفق من البلايا الدنيوية "وَالْآخِرَة" أي من عذاب النار "وَاللَّهُ يَعْلَمُ" أي ما في القلوب من الأسرار والضمائر "وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" يعني أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها. انتهى.
وقال في المبدع ذاكرا وجه القول بالاستحباب وإن الوجوب قول بعض الحنابلة: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَة فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أُبِيحَ إِقَامَتُهَا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى، لِأَنَّ أَبَا بَكْرَة وَأَصْحَابَهُ وَالْجَارُودَ وَأَبَا هُرَيْرَة، أَقَامُوا الشَّهَادَة عَلَى قُدَامَة بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَمْ تُسْتَحَبَّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو الْفَرَجِ وَالتَّرْغِيبُ كَالْمُؤَلِّفِ، تَرَكَهُ لِلتَّرْغِيبِ فِي السَّتْرِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي آخِرِ الرِّعَايَة مِنْ وُجُوبِ الْإِغْضَاءِ عَمَّنْ سَتَرَ الْمَعْصِيَة، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخَلَّالِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيمَنْ عُرِفَ بِالشَّرِّ وَالْفَسَادِ لَا يُسْتَرُ عَلَيْهِ. انتهى.
فالمسألة إذا محل بحث وخلاف للعلماء، وللقول بالوجوب حظه من النظر، لكن القول بالاستحباب ليس قولا منكرا، بل القائلون به من أعيان علماء الإسلام وأعلمهم بمقاصد الشريعة، فلا ينبغي التهجم على إنكار مذاهب العلماء بالرأي المجرد، فهذه المسألة لا تحتمل هذا التهويل وإطلاق هذه العبارات الشديدة، كما ننبه أن محل مشروعية الستر ما لم يتعلق الذنب بحق مسلم تعرض لظلم، قال أبو محمد ابن حزم في المحلى: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِإِبَاحَة السَّتْرِ عَلَى مُسْلِمٍ فِي ظُلْمٍ ظَلَمَ بِهِ مُسْلِمًا كَمَنْ أَخَذَ مَالَ مُسْلِمٍ بِحِرَابَة وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، أَوْ غَصَبَهُ امْرَأَتَهُ، أَوْ سَرَقَ حُرًّا، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَهَذَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يَرُدَّ الظُّلَامَاتِ إلَى أَهْلِهَا؟ انتهى.
كما أن المجاهر بالمعصية الذي لا يردعه إلا رفع أمره للحاكم وعقوبته بالعقوبة اللائقة بمثله المشروع رفع أمره وعدم ستره كما مر ذكره تحقيقا للمصلحة العامة، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: فالستر قد يكون مأموراً به محموداً، وقد يكون حراماً، فإذا رأينا شخصاً على معصية، وهو رجلٌ شرير منهمك في المعاصي، لا يزيده الستر إلا طغياناً، فإننا لا نستره، بل نبلغ عنه حتى يُردع ردعاً يحصل به المقصود.
الشفاعة لمن لا يستحق ليأخذ
ما ليس له بحق
*السؤال كثرت في زمننا هذا الواسطة والمصلحة في جميع المجالات من الوظيفة حتى الطلاب فما حكمها؟
-الإجابة: لا ريب في خطر تفشي هذه الظواهر السيئة في مجتمعات المسلمين، ومن شفع لمن لا يستحق فأخذ ما ليس له بحق فهذه شفاعة سيئة يأثم بها صاحبها كما قال تعالى: "وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا"(النساء:85).
وفي هذا غش للمسلمين وإضاعة للأمانة بتوسيد الأمر إلى غير أهله واعتداء على حقوق المستحقين، ومفاسد هذه الوساطات السيئة لا تخفى على البصير.
فليتق الله المسلمون وليحذروا غضبه وعقابه، ولا يطلبن امرؤ ما ليس له بحق، ولا يتوسطن ذو جاه لمن ليس بمستحق, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأما من حصل على شهادة بالغش أو الشفاعات المحرمة ثم عمل بهذه الشهادة فلا يلزمه إعادة دراسته، وإنما إن كان متقنا للعمل المنوط به يؤديه على وجهه فليستمر فيه, وليستغفر الله تعالى, وإلا وجب عليه تركه للمستحق والبحث عن عمل يحسنه.
خيار الأئمة وشرارهم
*السؤال: هل هناك حديث صحيح مضمونه أن شر الناس عند الله إمام يبغضه الناس؟
الإجابة: وردت عدة أحاديث بهذا المعنى منها ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم... الحديث. قال العلماء: ومعنى تصلون عليهم تدعون لهم.
ومنها ما رواه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون. حسنه الألباني.
قال العلماء: وهذه الأحاديث في أئمة الجور والفجور والظلم، وهي تعني بالدرجة الأولى الولاة والحكام، ويدخل معهم بالتبعية أئمة الصلاة ومن ولي شيئا من أمر المسلمين ولم يرفق بهم، وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا النوع من الأئمة فقال: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به. رواه مسلم.
ومما ورد في أئمة الجور والظلم ما رواه البخاري وغيره أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار -رضي الله عنه- في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة.
علاج الزوجة على نفقة الزوج
* أحد منكري السنة يطعن في الفقهاء من خلال عدم إيجابهم نفقة علاج الزوجة على الزوج، فكيف نرد عليه؟ قال أحد منكري السنة الذي اعتاد الظهور على الفضائيات ليطعن في الفقهاء ويسبهم: فقهاؤكم لا يوجبون نفقة علاج الزوجة على الزوج، تبقى المرأة تكدح في البيت من أجل الزوج وأولاده وهو يستمتع بها، ثم لما تمرض يقول لها لا أعرفك، هذا كلامه بالمعنى.
- لا شك أن الطعن في السنة وإنكار حجيتها جهل عظيم وضلال مبين.
ومن المغالطة الظاهرة أن يُطعن في السنة بناء على أقوال الفقهاء التي صدرت عن اجتهادهم لا عن نصوص صريحة من السنة، فأقوال الفقهاء ليست وحيا معصوما، بل هي أثر جهد بشري يصيب ويخطئ، فلا تحاكم السنة إلى كلام الفقهاء, وإنما يحاكم كلام الفقهاء إلى نصوص الوحي، ومع ذلك فلا بد من التنبيه إلى أن التراث الفقهي الذي خلفه الأئمة المجتهدون من أهل السنة لا غنى عنه لمن أراد فهم الشريعة فهما صحيحا، وهذا التراث مفخرة لهذه الأمة وركيزة من ركائز حضارتها, وشاهد على بلوغ هؤلاء الفقهاء مبلغا عظيما من العلم ودقة الفهم مع الورع والإنصاف وصدق الاتباع للحق، ولا ينكر ذلك إلا مكابر حاقد أو جاهل بتراثهم وسيرهم وأخلاقهم.
أما بخصوص عدم إيجاب نفقة علاج الزوجة على زوجها فالظاهر أن قول الفقهاء المتقدمين في هذه المسألة كان مراعيا لظروف عصرهم وعرفهم وعاداتهم، يقول الدكتور وهبة الزحيلي: ويظهر لدي أن المداواة لم تكن في الماضي حاجة أساسية، فلا يحتاج الإنسان غالباً إلى العلاج، لأنه يلتزم قواعد الصحة والوقاية، فاجتهاد الفقهاء مبني على عرف قائم في عصرهم، أما الآن فقد أصبحت الحاجة إلى العلاج كالحاجة إلى الطعام والغذاء، بل أهم.
ومن المعلوم أن الفتاوى تتغير بتغير الأحوال، قال ابن القيم رحمه الله: فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله. ولذلك، فإن أكثر الفقهاء المتقدمين كانوا يقولون بعدم وجوب التداوي أصلا، والظاهر -والله أعلم- أن ذلك راجع إلى حال الطب في زمانهم فلم تكن علومه قد بلغت مبلغاً كبيرا فكانت إفادة التداوي مجرد احتمال وليس قطعا أو ظنا غالبا، أما وقد وصلت علوم الطب في زماننا هذا المبلغ، فالقول بوجوب التداوي, حيث يغلب على الظن نفعه ويتحقق الضرر بتركه هو الراجح حينئذ، وهذا قول كثير من العلماء المعاصرين، قال ابن عثيمين في حكم التداوي: فالأقرب أن يقال ما يلي: إن ما عُلم، أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه، فهو واجب.
ثم اعلم أن مسألة عدم إيجاب نفقة علاج الزوجة ليست من مسائل الاتفاق بين الفقهاء المتقدمين، فقد قال بعض الفقهاء بوجوبها، جاء في منح الجليل شرح مختصر خليل, فقه مالكي: عن ابن عبدالحكم: عليه أجر الطبيب والمداواة.
وقال الشوكاني: وأما إيجاب الدواء فوجهه أن وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها، والدواء من جملة ما يحفظ به صحتها.
ونحن نرجح هذا القول.