«أم الفضل» فقيهة أنجبت حبر الأمة

alarab
باب الريان 03 أغسطس 2012 , 12:00ص
رقية الشرباصي
قال الشاعر: نعم الإله على العباد كثيرة.. وأتمهن نجابة الأبناء، فالحلم الذي يراود كل أم هو أن يصبح لأبنائها شأن ومكانة، فتظل تطرق كل درب ينتهي بها لهذه الغاية، لكنا وحتى الآن لن نجد امرأة أكرمها الله في أبنائها كما حدث «لأم الفضل» بنت الحارث الهلالية أخت كل من أم المؤمنين ميمونة، وأسماء بنت عميس، وخالة خالد بن الوليد، ولا توجد في الصحابيات من تكنى بأم الفضل سواها، قال عنها الذهبي رحمه الله: الحرة الجليلة زوجة العباس عم النبي –صلى الله عليه وسلم- وأم أولاده الرجال الستة النجباء. قال فيها عبدالله بن يزيد الهلالي: ما ولدت نجيبة من فحل بجبل نعلمه وسهل كسته من بطن أم الفضل أكرم بها من كهلة وكهل عم النبي المصطفى ذي الفضل وخاتم الرسل وخير الرسل أم الرجال النجباء وقال عنها الإمام النووي– رحمه الله: كانت أم الفضل من المنجبات، ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم وهم: الفضل، وعبدالله، ومعبد، وعبيد الله، وقثم، وعبدالرحمن، وولدت له بنتا اسمها أم حبيب. أول من أسلمت من النساء بعد خديجة –رضي الله عنها– زوج الرسول، حتى إنها سبقت زوجها إلى الإسلام، حملت بعبد الله حين كان الرسول محاصرا في الشعب مع بني هاشم، وعلم الرسول، فدعا لها ولزوجها قائلا: «لعل الله يقر أعينكم»، وحين وضعت عبدالله، أتوا به لرسول الله فحنكه بريقه الشريف، وقال الإمام المجاهد رحمه الله في هذا: فلا نعلم أحدا حنكه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بريقه غير بن عباس. فماذا أصبح هذا الوليد الذي دعا له رسول الله وحنكه بريقه؟ أصبح حبر الأمة، وفقيه عصره، وإمام التفسير حتى كان يسمى البحر لكثرة علمه وكرمه رضي الله عنه. يروي عنها أبو رافع مولى رسول الله –صلى الله عليه وسلم– ما يدل على شجاعتها وشهامتها ونبل مشاعرها، وكيف أنها لا تحتمل رؤية مظلوم دون أن تنصره، غير مبالية بكونها امرأة، فيقول أبو رافع: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان أبو لهب عدو الله– قد تخلف عن بدر، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، أذله الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا. وكنت رجلا ضعيفا أعمل القداح أنحتها في حجر زمزم، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاء من نصر الله للمسلمين، فجاء أبو لهب، ولم يصدق أنباء النصر، وحضر أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فسأله أبو لهب: إلي يا بن أخي، ما خبر الناس؟ فقال: ما هو إلا أن لقينا رجال حتى منحناهم أكتافنا، ولقينا رجال على خيل بلق بين السماء والأرض. فقلت: تلك الملائكة، فلطمني أبو لهب لطمة شديدة، وطفق يضربني، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فشجت رأسه شجة منكرة، وقالت تستضعفه أن غاب عنه سيده. فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتله. «لأم الفضل» مكانة خاصة في قلب النبي، ذلك أنها كانت صوامة قوامة، فقد قال عنها ابن الجوزي -رحمه الله- كانت تصوم الاثنين والخميس، كما أن النبي كان يزورها في بيتها، فأخبرته ذات مرة بحلم رأته فقالت: يا رسول الله، رأيت كأن عضوا من أعضائك في بيتي، فقال النبي: «خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما وترضعيه بلبان ابنك قثم» فولدت فاطمة الحسين وأرضعتهما أم الفضل، وكان قثم أخا الحسين من الرضاعة، وكان يشبه النبي- صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان حلم أم الفضل بمثابة رؤيا فهو إذن شهادة بصلاحها وتقواها، فالرؤيا لا تؤتى إلا للصالحين. «أم الفضل» امرأة فقيهة، حكيمة واسعة الإدراك، استطاعت بذكائها وفقهها أن تفصل في أمر اختلف فيه المسلمون، فقد ثبت في الصحيح من حديثها أن أناسا تماروا -أي شكوا واختلفوا- يوم عرفة في صيام رسول الله –صلى الله عليه وسلم– فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم ليس بصائم، فأرسلت أم الفضل للرسول بقدح فيه لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه، وتصرف أم الفضل إنما يدل على سعة فهم وإدراك وحسن تصرف. روت «أم الفضل» عن النبي –صلى الله عليه وسلم– عددا كبيرا من الأحاديث بلغ ثلاثين حديثا، كما حكت عنه قائلة: خرج إلينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم– عاصبا رأسه في مرضه فصلى المغرب، فقرأ بالمرسلات قالت: فما صلاها بعد حتى لقي الله. رحم الله الصحابية الجليلة الفقيهة أم النجباء، «أم الفضل» تلك المرأة الصوامة القوامة التي ملكت رجاحة العقل وسعة الفهم وشهامة الرجال.