القرآن لا يحدد الزمان والمكان والأشخاص لنأخذ العبرة من القصة ولا نتشاغل بالأشياء الأخرى
باب الريان
03 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)}
السورة مكية.
{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}:
بدأت هذه السورة بهذه الأقسام الأربعة من الله تبارك وتعالى: بالسماء ذات البروج. واليوم الموعود. وشاهد ومشهود.
أول ما أقسم الله به هنا هو السماء التي تعلونا وتظلنا كما يظل السقف ما تحته. كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:32]. و(أل) حرف التعريف في السماء. هو للجنس أو للعهد. وتشمل كل السماوات السبع. كما يسميها القرآن.
والبروج قد اختلف في تعيينها المفسرون. فقال ابن عباس كما في محرر ابن عطية: الْبُرُوج: النجوم؛ لأنها تتبرج بنورها، والتبرج: التظاهر والتبدي. اهـ، وجاءت عن ابن عباس وعن غيره أقوال أخرى.
والبروج في كلام العرب: هي القصور والحصون. كما قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:87].
والذي يظهر لي هنا أنها: النجوم؛ فإنها أعظم ما في السماء وأظهر دلائلها. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك:5]. وقال: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر:16-18].
قال العلامة ابن كثير: يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها، وما زينها به من الكواكب الثواقب، لمن تأملها، وكرر النظر فيها، يرى فيها من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه. ولهذا قال مجاهد وقتادة: البروج هنا هي: الكواكب. اهـ. وهذا كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]. والسراج هنا يعني به الشمس، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} [النبأ:13]. وقال نوح لقومه: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح:15-16].
فالسماء إذن تحوي النجوم والشمس والقمر. كما قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:12].
وما جاء عن بعض مفسري السلف: أنها منازل الشمس والقمر.لا يمثل الحقيقة كلها، فالشمس والقمر بالنسبة لنجوم السماء شيء قليل ضئيل جدا. وقد قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة:75-7].
وما ذكر أنها البروج الاثنا عشر المعروفة عند الفلكيين ومن سار على دربهم. فأظن أنه يبعد أن يخاطب به الإنسان العادي. فأولى ما يفسر به البروج هو: النجوم، لأنها أبنية رفيعة هائلة ضخمة عظيمة كما دلت على ذلك آيات القرآن. فيصح إطلاق البروج عليها، تشبيها لها بما يبنى من القصور العالية. والحصون المنيعة في الأرض.
{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ}
أقسم الله بالسماء. وهي مكان عظيم. ثم أقسم باليوم الموعود. وهو زمان عظيم. بل هو أعظم أيام الزمان. وهو القسم الثاني في السورة.
والمراد: الموعود به. والذي وعد به وبضرورة إتيانه هو الله تبارك وتعالى: وهو يوم القيامة. من غير خلاف بين أهل التأويل فيه. قال ابن عباس: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:4-5]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود:103]. {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار:13-19].
هذا هو اليوم الآخر. الذي أخره الله ليبعثهم فيه ويحشرهم ويحاسب فيه العباد ويجزيهم على أعمالهم. إن خيرا فخير. وإن شرا فشر. {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7-8].
فهذا من الغيب الذي وعد الله به. ولن يخلف الله وعده. وما وعد به سيتحقق لا محالة ولا ريب {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [النحل:111].
{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}
نكرهما للإبهام في الوصف. أي وشاهد ومشهود لا يُكتَنه وصفهما. أو للمبالغة في الكثرة.
وهذان هما القسمان الثالث والرابع في السورة. وقد أقسم الله أولا بالسماء وهي من عالم الشهادة وباليوم الموعود، يوم القيامة. وهو من عالم الغيب. ثم أقسم بالشاهد والمشهود. وهما يشملان كل شيء بعد ذلك، لأنه كل ما في الوجود إما شاهد. وإما مشهود. والشاهد إما يشهد بالحس وإما يشهد بالعقل، أو يشهد باللسان، أو يشهد بالدلالة. وكلها شهادات معتبرة.
والمشهود: ما يشهد بإحدى الحواس. بالبصر أو بالسمع أو بالذوق أو باللمس.
وقد يشهد بالعقل. كما يشهد بأن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب.
وكما يشهد العقل على أن القرآن الكريم يحتوي على آيات باهرات. يعجز البشر بأن يأتوا بمثلها.
ويشهد العقل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم، قد ظهرت على يديه آيات حسية وعقلية كثيرة متواترة ومتوافرة تؤكد أنه رسول الله حقا.
وما روي عن السلف في هذا من تحديد يوم معين، كيوم الجمعة أو يوم التروية أو يوم عرفة أو يوم النحر، من أنه شاهد أو مشهود، فهو من باب التمثيل وليس حقيقة التفسير.
وهذا التمثيل يدخل فيه كثيرون وكثيرات من الأشياء والمعاني والأشخاص. وبعض الألفاظ القرآنية تدل عليه.
وما أجمل ما قاله الإمام القرطبي هنا: (قلت: وعلى هذا اختلفت أقوال العلماء في الشاهد، فقيل: الله تعالى، عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير.
بيانه: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء:79]، {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام:19].
وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس أيضا والحسين بن علي، وقرأ ابن عباس: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء:41]، وقرأ الحسين: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب:45].
قلت: وأقرأ أنا: { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].
وقيل: الأنبياء يشهدون على أممهم؛ لقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النساء:41]. وقيل: آدم. وقيل: عيسى ابن مريم، لقوله: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة:117]. والمشهود: أمته.
وعن ابن عباس أيضا ومحمد بن كعب: الشاهد الإنسان.
دليله: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14].
وقال مقاتل: أعضاؤه.
بيانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24].
وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم.
بيانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143].
وقيل: الشاهد: الحفظة، والمشهود: بنو آدم.
وقيل: الليالي والأيام. وقد بيناه.
قلت: وقد يشهد المال على صاحبه، والأرض بما عمل عليها، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل -أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدا يوم القيامة».
وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة:4] قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة، بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا: كذا وكذا. قال: فهذه أخبارها». قال حديث حسن غريب صحيح.
وقيل: الشاهد الخلق، شهدوا لله عز وجل بالوحدانية. والمشهود له بالتوحيد هو الله تعالى.
وقيل: المشهود يوم الجمعة، كما روى أبو الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة..». وذكر الحديث. خرجه ابن ماجه وغيره.
قلت: فعلى هذا يوم عرفة مشهود؛ لأن الملائكة تشهده، وتنزل فيه بالرحمة. وكذا يوم النحر إن شاء الله.
وقال أبو بكر العطار: الشاهد الحجر الأسود، يشهد لمن لمسه بصدق وإخلاص ويقين. والمشهود الحاج. وقيل: الشاهد الأنبياء، والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم.
بيانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} إلى قوله تعالى: {وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران:81].
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}
قتل: معناه: فعل الله بهم ذلك لأنهم أهل له. فهو على جهة الدعاء بحسب البشر. لا أن الله يدعو على أحد.
وقيل -عن ابن عباس- معناه: لعن. وهذا تفسير بالمعنى. قال ابن عباس: كل شيء في القرآن (قتل) فهو (لعن).
وهذه الجملة هي جواب القسم في قول الفراء. واللام فيه مضمرة كقوله: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس:1]. ثم قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس:9]. أي: لقد أفلح. كما في تفسير القرطبي. والتقدير: لقد قتل. وقيل: محذوف لعلم السامع به. وأيا ما كان فالجملة خبرية. والأظهر أنها دعائية. دالة على الجواب. كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إنهم -أي كفار مكة- مقتولون أو ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود.
كما أن السورة نزلت لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذية الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان. وصبرهم على ذلك. حتى يأنسوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء عند الله بمنزلة أولئك المعذبين.
والأخدود. من الخد. وهو الشق في الأرض. وهؤلاء الكفرة الملعونون شقوا في الأرض شقوقا. وخدوا فيها أخدودا أو أخاديد. وملأوها بالنيران المستعرة. وألقوا فيها كل مؤمن مصرِّ على عقيدته. لا يتراجع عنها. ولا يساوم على شيء منها. ولذا فسر الأخدود بقوله:
{النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}
ما الأخدود؟ هو النار ذات الوقود. وهو ليس شيئا إلا هذه النار المتأججة المستعرة. فهي بدل اشتمال من الأخدود. وقوله: ذات الوقود: وصف بغاية العظم. وارتفاع اللهب. وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس.
{إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}
أي لعنة الله ونقمته عليهم. أو:هؤلاء الكفار الجبابرة المتسلطون على المؤمنين. وهم الذين خدوا هذه الأخاديد. على هذه النار. أي عندها وبالقرب منها قعود. (إذ) ظرف (قتل) أي: لعنوا حين لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها. في مكان مشرف عليها. من حافات الأخاديد.
{وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}
الشهود هنا: إما من الشهادة بمعنى أن بعضهم يشهد لبعض عند الحاكم الجبار، الذي سلطهم على إيذاء المؤمنين: أن أحدا لم يقصر فيما أمر أو كلف به.
أو أنهم يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة, {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24].
وإما من الشهود بمعنى الحضور, وتكون (على) هنا بمعنى(مع). والمعنى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب- حضور لا يرق لهم قلب, ولا تدمع لهم عين, لقسوة قلوبهم كأنها الحجارة أو أشد قسوة, فقد كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين, فمن أبى ألقوه في النار, وفي ذلك وصفهم بالقسوة ثم بالجد في ذلك.
وهذا الذي يستدعيه النظم الكريم، تنطق به الروايات المشهورة, التي وردت بها الآثار.
وقد اختلف المفسرون من قديم في المراد بهؤلاء الجبابرة الملعونين, إذ القرآن الكريم لم يحدد إلا وصفهم الإجمالي, ولم يعلمنا من هم؟ على طريقة القرآن في ربط العقل المسلم بالموضوع والمعنى, دون اهتمام بتحديد الزمان والمكان والأشخاص والأسماء، فنُعنى بأخذ العبرة من القصة ولا نتشاغل بالأشياء الأخرى, التي ربما كان كثرة الاهتمام بها ملهيا عن الالتفات إلى جوهرها.
ولهذا قال من قال: إنهم أناس بالشام, وقال آخرون: بل هم بنجران, أو باليمن. وقال غيرهم: بل هم بفارس. وقال قوم: هم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين. وكل هذا ممكن, تحتمله الآيات.
قال القرطبي: (وقد اختلفت الرواية في حديثهم, والمعنى متقارب، ففي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر.
فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس.
فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي.
وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك؟ فآمن بالله فشفاه الله.
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله.
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني! أقد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟! قال: أنا لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه.
ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه.
ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا.
وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله.
فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خُذْ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت، تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخُدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها- أو قيل له اقتحم- ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال، لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق) .
مسألة- قال علماؤنا: أعلمَ الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية، ما كان يلقاه من وَحَّد قبلهم من الشدائد، يؤنسهم بذلك. وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام، ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام، والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام، في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظم صبره. وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار. وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم.
قال ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، حسب ما تقدم بيانه في سورة (النحل).
قال القرطبي: ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى، قال الله تعالى مخبرا عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]: وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» خرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وروى ابن سنجر (محمد بن سنجر) عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أوضئ النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل، فقال: أوصني. فقال: «لا تشرك بالله شيئا، وإن قطعت أو حرقت بالنار...) الحديث.
قال علماؤنا: ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شي من ذلك، ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما، وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق، وغير ذلك، وقد مضى في (النحل) أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك، فتأمله هناك) .