نشوء الكون

alarab
باب الريان 03 أغسطس 2011 , 12:00ص
د. راسم محمد عبد الكريم •
قال تبارك وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، كقوله تعالى: {... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}، وكقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل شيء بقدر حتى العجز والكَيْس أو الكَيْس والعجز)، أي بتقدير سابق أو مقدراً محكماً، أي بتقدير سابق ونظام محكم. قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ...}، أي مرة واحدة (كلمحٍ بالبصر)؛ أي: قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر، واللمح سرعة إبصار الشيء أو النظر بالعجلة، أي كلمة واحدة هي (كن) كناية عن سرعة الإيجاد بأسرع مما يدركه وهمنا. يقول العلم الحديث إن نظرية الانفجار العظيم هي النظرية السائدة والمسلم بها لدى علماء الفلك الفيزيائيين في كيفية بداية الكون إلى درجة أنها تكاد تكون من قوتها العلمية قطعية، وبذلك قضت هذه النظرية على أزلية الكون (كون الكون قديما أي أزلياً). تقول هذه النظرية: إن كوننا الحالي الهائل ولد قبل 20 مليار سنة على أكثر تقدير. وقد عُرِف ذلك من عملية الإشعاع فإنه خير وسيلة لإلقاء الأضواء على العهود الموغلة في القدم بحسابٍ خاصٍ معروف لدى علماء الفلك الفيزيائيين، ومما يؤيد بأن الكون مخلوق ليس أزلياً هو القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي يقرر بأن الحرارة تنتقل من الجسم الساخن إلى البارد حتى يتعادل المستويان فيتوقف التبادل الحراري، ولو كان الكون أبدياً أزلياً بدون ابتداء لكان التبادل الحراري قد توقف في تلك الآباد الطويلة المتاحة، وبالتالي لتوقفت كل صور الحياة وانتهى كل شيء. يقول العالم الأميركي فرانك ألن -عالم الطبيعة البيولوجية: «لا مناص من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الزمن، أما الشمس المستعرة والنجوم المتوهجة والأرض الغنية بأنواع الحياة، فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذاً حدث من الأحداث... ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية، عليم محيط بكل شيء، قوي ليس لقدرته حدود، ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه». إن كل شيء في هذا الكون يدل دلالة واضحة لكل من له عقل على أنه من تقدير عليم حكيم قدير رحيم خلق كل شيء وقدره تقديراً بحكمة بالغة ودقة متناهية. هذه القدرة المبدعة العظيمة اللامتناهية قد خططت لكوننا الذي لم تستطع أكبر التلسكوبات الراديوية كشف حدوده، فوضعت هذا الكون الهائل في ذرة عملاقة تحتوي على 7910 من النيوترونات فقط، ثم فجرت هذه الذرة العملاقة فبلغت درجة حرارتها مليارات الدرجات المئوية وكانت تبعث إشعاعات بالغة القوة، وقد حصل هذا الانفجار الكبير الهائل في الكون، وعند ولادة الكون ولد معه المكان والزمان. وهكذا فإن الوجود من العدم قد حصل في ذلك الانفجار وفي لحظة من الزمن قدرت بواحد من 100000 جزء من الثانية الأولى، أو بتعبير آخر كلمح البصر، وقد صدق المبدع الخالق العظيم تبارك وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}. في سنة 1989 أرسلت وكالة الفضاء الأميركية ناسا قمرها الاصطناعي، والذي أرسل بعد ثلاث سنوات معلومات دقيقة تؤكد نظرية الانفجار الكبير، وفي سنة 1986، أرسلت المحطات الفضائية السوفيتية معلومات تؤيد نظرية الانفجار الكبير. وهكذا قضت هذه النظرية التي أصبحت كالحقيقة العلمية على ادعاءات الفلاسفة الملحدين الذين ادعوا بأن الكون لا يحتاج إلى خالق لأن المادة أزلية، أي كانوا يضيفون إلى المادة إحدى صفات الخالق وهي صفة الأزلية. ومن الجدير بالذكر ومما يفرح المسلمين أن حجة الإسلام الإمام أبا حامد الغزالي (ت 505هـ) الصوفي الكبير والعالم الأصولي الشهير -رحمه الله تعالى- كان أول من حلَّ مشكلة قدم العالم، وأجاب على جميع المشاكل المثارة حول مدة الترك، أي الفرق الزماني بين الأزل وبين بدء خلق الكون، فقال -رحمه الله تعالى-: «بأن الكون حادث وأنه لم يكن قبله زمان، أي إن الزمان والمكان بدأ بعد خلق الكون، لأن الزمن مرتبط بالحركة، ولو تصورنا أن كل شيء في الكون قد سكن وتوقف إذاً لتوقف الزمن أي لم يعد هناك زمان، وهكذا فمن الخطأ توهم وجود زمان قبل خلق الكون». و{... اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ...}، {... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}، {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...}. dr_Rasimmuhammad@yahoo.com •