الجنة عرض السماء والأرض وطولها لا يعلمه إلا الله عزَّ وجل

alarab
باب الريان 03 أغسطس 2011 , 12:00ص
سرُّ تقديم الخبر في قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} هذا المُلْك بِعُلْوِيِّه وسُفْليِّه؛ لله. وكلمة (له) مُقدَّمة هنا – الذين يعرفون اللغة العربية وأسرارها يقولون: لماذا قدَّم له؟ لماذا قدَّم الخبر (له) في قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} ولم يقل: (ما في السماوات وما في الأرض له)؟ وذلك ليفيد الحصر، أي: له لا لغيره {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} له حَصْراً، لا لأحدٍ ممَّن أشركوا به من دون الله، ليس لِمَنَاة، ولا للات، ولا لعُزّى، ولا لهُبل، ولا لآلهة اليونان، ولا لآلهة الرومان، ولا لآلهة البوذيين، أو الهندوسيين، أو الوثنيين في أنحاء الأرض، ليس لهذه الآلهة المُزيَّفة شبر ولا فتْر ولا سنتيمتر واحدٌ لا في السماوات ولا في الأرض، كلُّ ما في السماوات وما في الأرض لله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سـبأ:22]. لا يملكون مثقال ذرَّة، ولا حتى بالشِّراكة يشتركون فيه، وليس له- جل وعلا- ظهيرٌ ولا معينٌ في هذا. المِلْك والمُلك كلُّه لله، له ما في السموات وما في الأرض مِلْكاً ومُلْكاً، المِلْك له، والْمُلك له؛ قد تملك الشيء، ولا تملك التَّصرُّف فيه، فله المِلْك، ولكن ليس له المُلْك، بينما مَن له المِلْك وله المُلْك هو الله سبحانه وتعالى، {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة:107]. السماوات والأرض في القرآن الكريم: السماوات والأرض تكرَّرت في القرآن: مئة وتسعين مرّة، ذُكرت الأرض أحياناً وحدها، وذُكرت السماء أحيانًا وحدها، إنَّما السماوات بهذا الجمع والأرض ذكرت: مئة وتسعين مرَّة، ودائما السماوات مجموعة والأرض مفردة. لم يذكر في القرآن أنَّ الأرض سبع؛ كما في قوله عزَّ وجل: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [المؤمنون:86]. وفي قوله: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك:3]. حتى إنَّ سيدنا نوحاً عليه السلام قال لقومه: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً} [نوح: 15-16]. المراد بالمثليَّة في قوله تعالى: { وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ }: فالسماوات ذكرت في القرآن أنها سبعا، أما الأرض، فلم يأت في القرآن إلا آية واحدة في آخر سورة الطلاق تقول: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ} [الطلاق:12]. مثلهنَّ في ماذا؟ في العدد؟ في التكوير مثلاً؟ في انطباق القوانين الكونيَّة عليهما؟ لم يقل لنا، ولم يأت حديثٌ صحيح يقول: إنَّ الأرض سَبعٌ إلا حديث ضعيف: «اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين السبع وما أقْللن». وأما الحديث الآخر: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوَّقه الله إيَّاه يوم القيامة من سبع أرضين» لا يدلُّ على أنَّ الأرضين التي خلقها الله سبعا. هناك بعض علماء الجيولوجيا يقولون: إنَّ للأرض سبعَ طباق، فهذا يمكن، إذا كان معنى الطباق: طبقةً بعد طبقة بعد طبقة. ما السماوات السبع؟ إنما السماوات هذه التي تعلونا ولا نَرَ منها إلا هذا اللون الأزرق، ولا نعرف ماذا فيها، أو ماذا وراءها، نعم فيها الشمس والقمر الذي يستمدُّ نوره من الشمس، وفيها الكواكب السيَّارة: زُحَل، وعَطَارد، والمُشْتَرى، والمريخ، والزهرة... وهذه الكواكب في هذه السماء الدنيا، وحتى بعض العلماء مثل الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله تعالى – يقول : كلُّ ما نرى من النجوم التي يأتي إلينا ضوؤها بعد ملايين من السنين الضوئيَّة – كما يقول علماء الفلك – كلُّ هذه في السماء الدنيا، واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك:5] أي: بالنّجوم، فكلُّ هذه النجوم، وكلُّ هذه الأجرام، وكلُّ هذه الكواكب في السماء الدنيا، ولكن ماذا بعد السماء الدنيا؟ لا نعرف عنها شيئا، هذا ملك واسعٌ، الله أعلم به. جاء في دعاء الرفع من الركوع: «اللهمَّ ربَّنا لك الحمد، ملءَ السماوات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد» فهناك أشياء بعد السماوات والأرض الله أعلم بها، كما جاء في القرآن: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133]. وفي آية أخرى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد:21]، فإذا كان عرض الجنة عرض السماء والأرض فما هو طولها؟ ماذا يكون؟ لا يعلمه إلا الله عزَّ وجل. هذا الكونُ الواسعُ الكبير الذي يَتَصرَّف فيه ويحكمُه، ويحكمُ كلَّ ذرَّةٍ فيه هو الله { الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وهذا يدُّلنا على تعظيم أمر الكتاب:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، فالعزيزُ الحميدُ، هو الذي أنزل الكتاب ليهديَ به الناس، وليُخْرجهم من الظلمات إلى النور على يديك يا محمد. معنى كلمة (الوَيْل) في القرآن: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} الوَيْل: دعاءٌ بالهلاك والعذاب. هناك بعض المفسِّرين يذكر عند كلمة (وَيْل): أنها وادٍ في جهنَّم. وهذا ليس تفسيرا للفظ؛ كلمة (وَيْل) كلمة معروفة في اللغة العربية، يعرفها المشركون ويعرفها المسلمون، قبل أن ينزل القرآن وقبل أن يعرفوا جهنَّم، المعروف بالويل هو: الهلاك والعذاب. وَيْلٌ لهم بمعنى: يا وَيْلَهم، إنَّما الذين يقولون: واد في جهنم، هذا ليس تفسيرا، وإنما هو تمثيلٌ لبعض مفردات الويْل، أنَّ لهم واديا في جهنَّم - إذا صحَّت الأحاديث، وما أظنُّها صحيحة في هذا المعنى. والعذاب للكافرين الجاحدين، الذين لم يهتدوا بالكتاب المنزَّل، لم يُخرجهم هذا الكتاب من الظلمات إلى النور، لم يهتدوا إلى صِراطِ العزيز الحميد، بل كفروا به. معنى الكفر: ومعنى الكفر هو السَّتْر والتَّغْطية، إنهم غَطَّوا على الحقيقة، طمسوا على الحقيقة باتِّباع أهوائهم، لم ينظروا إلى النُّور، ولكنهم غَشَّوا أعينهم فلم يروا هذا النور، الكفر هو التغطية، حتى كلمة (كَفَر) في اللغات الإنجليزية وغيرها تفيد معنى التغطية، يغطُّون ويسترون الحقيقة ولا يرونها وهي واضحة أمامهم: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} مقابلة الكفر بالشكر: الكفر أحياناً يقابل بالشكر، وأحياناً يقابل بالإيمان، فالكافرون هنا يعني: هم الذين كفروا النِّعمة ولم يشكروا نِعْمَةَ الله، أو الذين كفروا بالمُنْعِم عزَّ وجل. فالكفر في القرآن يأتي على وجهين: أحيانا الكفر يقابل الشكر كما في قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 3]. وكما في سورة إبراهيم نفسها بعد آيات قليلة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]. فقابل بين الشُّكر والكفر. مقابلة الكفر بالإيمان: وأحيانًا يقابل بين الإيمان والكفر، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} [البقرة:253]. وكما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن:2]. دلالة كلمة الكفر عند الإطْلاق: فالكافرون هنا: هل هم الكافرون بنعمة القرآن وإنزال القرآن؟ أم الكافرون بالمُنْعِم، بالله عزَّ وجل؟ الظاهر أنَّ كلمة الكافرين إذا أُطلقت في القرآن تعني الكفر المقابل للإيمان، هذا هو الأظهر، فهؤلاء كفروا كفرا لأنهم لم يؤمنوا بالله، ولم يؤمنوا بكتابه، ولم يؤمنوا برسوله، فحُقَّ عليهم العذاب. العذاب الشديد للكفار في الآخرة: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} الويل – كما سبق - عذاب وهلاك، وَيْلٌ لهم من عذاب شديد، فإنَّ لهم عند الله عزَّ وجل عذابا شديدا يوم القيامة، فقد لا يُعذَّبون في الدنيا، فكثيرٌ من الكافرين ينجون من عذاب الدنيا، يُمهلهم الله إلى الآخرة، فمن شأن الله تعالى أن يُمْهل ولا يُهْمل، كما قال جلَّ وعلا: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 182-183]. قد يؤخِّرهم إلى الآخرة. كما قال تعالى في هذه السورة: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]. العذاب الحسِّي والمعنوي: فالعذابُ المقصودُ هنا هو عذابُ الآخرة، وهو أخْزَى وأشد وأنكى من عذاب الدنيا بمرَّات ومرَّات، فالعذاب في الآخرة هو عذاب النار التي أعدَّها الله، ومعه عذاب الخزي والهوان كما قال سبحانه: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] وهذا نوعٌ من العذاب المعنوي بجوار العذاب الحسِّي. اختلاف وَصْف عذاب النار في القرآن: عذاب النار عذابٌ شديدٌ، وعذابٌ غليظٌ، وعذابٌ أليمٌ، حسب تعبيرات القرآن وَفْقَ المقامات المختلِفة، هنا قال: {عَذَابٍ شَدِيدٍ} وأيُّ: عذاب أشدّ من عذاب النار؟ وليست أيِّ نار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» إننا لا نتحَّمل لسعة من هذه النار كما قال الشاعر: جسمي على الشمس ليس يَقْوى ولا على أهـْون الحَـرارة فكيف يَقْـوى علـــى جـحيم وَقَودُهـَــا النَّاسُ والحجــارة جاء في الحديث الصحيح، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤْتَى بأنْعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة - الذي عاش في النعيم والرفاهيَّة والطيِّبات، وما لذَّ وطاب من الطعام والشراب والنِّساء والخدم والحشم.- فيُصْبغ في النار صَبغة - يغمس في النار غمسة واحدة- ثم يقال: يا بن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب. غمسةٌ واحدةٌ تُنَسيه كلَّ ملذَّات الدنيا، كل ما أصابه من شهوات، كل ما جمعه من أموال، كل ما بناه من قصور، بغمسة واحدة في النار ينسى كلَّ لذات الدنيا وطِّيباتها. أسباب الضلال استحبابُ الحياةِ الدنيا على الآخرة: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} من هم هؤلاء الكافرون؟ {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} ما الذي جعل هؤلاء الكافرين يَعْمَوْنَ عن النُّور وهو واضحٌ أمامهم، عن الحقِّ وأدلته، وهي كالشَّمس في رابعة النهار؟! ما الذي جعلهم يسيرونَ وراء الطاغوت ويكفرون بالله ويكفرون برسالاته؟! سرُّ هذا أنهم اسْتحبُّوا الحياةَ الدنيا على الآخرة، كانت الدنيا أكبرَ همِّهم، ومَبْلغَ علمهم، فاستحبُّوها على الآخرة، جَعَلوا حُبَّها فوق حُبِّ الآخرة، آثروا الدنيا على الآخرة، وهذه هي مشكلة البشر إيثار الأُولى على الآخرة: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى:16]، {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى* وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعـات:34، 39]، {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} [القيامة:21،20]. ما موقف الناس في هذه الحالة؟ هما موقفان وهما صنفان لا ثالث لهما: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعـات: 34-41]. المعضلة هي إيثارُ الدنيا على الآخرة، الذين اسْتَحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، كانت الدنيا فوق كلِّ شيء عندهم. سبب جحود هِرَقْل لرسالة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: من قرأ صحيح البخاري وجد في أحاديثه الأولى - بعد حديث: (إنما الأعمال بالنيات) - حديث هِرَقل الذي وَصَلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه فيها إلى الإسلام قائلاً له: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تَسْلَم يُؤْتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت فإنَّ عليك إثم الأريسيين. -ودعاه إلى آية في سورة آل عمران -: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}» [آل عمران: 64]. كان هِرَقل رجلاً عاقلاً، أحبَّ أن يستوثق من صدق الرسالة التي بعث بها إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: هاتوا لي ناساً من العرب، فجاؤوا له بأبي سفيان، وكان في رحلة تجارية في ذلك الوقت. جاؤوا به، فظلَّ يسأله عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أسئلةً في غاية الدقة، وأبو سفيان يجيب، ويخشى أن يكذب فَيُؤْثر عنه الكذب. فقال هرقل: هذا هو النبيُّ الذي بشَّرنا به المسيح، ولو خَلَصْتُ إليه لغسلت عن قدميه، ثم عَرَضَ الأمر على رجال الدين القسس والرهبان، فهاجوا عليه، فقال لهم: أنا أردت أن أختبر حفظكم على دينكم، وبعد أن اقتنع أنَّ محمدا رسول الله غلَّب الدنيا، غلَّب حُبَّ مُلْكِهِ على الدخول في الإسلام، وبقي يحارب الإسلام، ثم هزمه الإسلام بعد ذلك، والحمد لله. موانع الإيمان واتِّباع الحق: الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش، كانوا يعلمون أنه على حقّ، ولكنه الكِبْر من ناحية، والحَسَد من ناحية، والتقليد الأعمى لآبائهم من ناحية أخرى. اليهود الذين وقفوا ضدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الحَسد وحُبُّ الدنيا وراء ذلك؛ قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [البقرة:109]. الصَّدُّ عن سبيل الله عزَّ وجل: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} لم يكتفوا بأن يكفروا في أنفسهم، بل ظلُّوا يصُدُّون غيرهم عن سبيل الله، صدٌّ عن سبيل الله بمعنى: منع الناس عن الدخول في دين الله، صَرْف الناس عن الدخول في الإسلام؛ كالذي يقف في الطريق يمنع الناس من السير فيه، كقطَّاع الطريق الذين يقفون يمنعون الناس إلا إذا دفعت لهم إتاوة أو ما عندك أو غير ذلك، فهذا صدٌّ عن سبيل الله. كما قال سيدنا شعيب: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} [الأعراف:86]. وكما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} [آل عمران: 99]. هؤلاء يَصُدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً. يقول بعض المُفسِّرين: يَصُدُّون أنفسهم ويَصُدُّون غيرَهم. ولكن يَصُدُّون أنفسهم يكفي أنهم كفروا، إنما المعنى هنا يصدُّون عن سبيل الله. فِعْلُ صَدَّ: يأتي في اللغة لازماً أو قاصراً ومتعدياً، صدَّ بمعنى أعرض، كما قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} [النساء:61]. فهذا صَدٌّ قاصرٌ لازمٌ، وصدَّ أي: أعرض. هناك صدٌّ بمعنى منع الغير، يعني يريد منع الناس من الدخول في الإسلام، وإذا دخلوا في دين الله يفتنهم ويؤذيهم ويعذِّبهم، كما فعل مشركو مكة بالمستضعفين، عذَّبوا عمَّار بن ياسر وأباه ياسراً وأمه سميَّة، ومات أبوه ياسر وأمه سميَّة تحت العذاب، عذَّبوا بلالاً وغيره من المسلمين، فهؤلاء المشركون يصدون عن سبيل الله. سبيل الله عز َّوجل: سبيلُ الله هي الطريق المُوصلة إلى الله، أي: إلى رضوان الله، إلى مثوبة الله، إلى جنَّة الله، ثم سبيل الله لأنَّ الله هو غايته، إنه يوصل إلى الله وإلى رضوان الله، ولأنَّ الله هو الذي شرع هذه السبيل، وهو الذي دعا إليها، وهو الذي هدى إليها، ولذلك نُسِبَ إليه، فسبيلُ الله هي صِراطُ الله كما قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى:52 - 53]. هؤلاء يصدُّون عن سبيل الله، عن الطريق الموصلة إلى الله، وقفوا قطَّاعاً للطريق، يصدُّون عن سبيل الله. ابتغاء العوج لسبيل الله سبحانه: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} يريدونها سبيلاً عوجاء غير مستقيمة، والله جعل هذه السبيل سبيلاً مستقيمة لا عوج فيها ولا أمْتاً، لا تميل إلى اليمين ولا إلى الشمال. الصِّراط المستقيم هو أقرب طريق إلى الهدف، الله جلَّ وعلا يريدها مستقيمة وهم يريدونها عِوَجاً. قال: {وَيَبْغُونَهَا}، لأنَّ السبيل تُذكَّر وتؤنَّث، فأحياناً تذكَّر كما في قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} [الحجر:76]. وأحياناً تؤنَّث كما في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } [يوسف: 108]. فهؤلاء يريدون هذه السبيل عوجاء. الضلال البعيد: {أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} هؤلاء الكافرون المستحبُّون للدنيا على الآخرة، الصَّادُّون عن سبيل الله الذين يريدونها سبيلاً عوجاء {أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ}. كأنَّ هناك ضلالاً قريباً وضلالاً بعيداً. ما معنى الضلال؟ الضلال هو: الغياب والذهاب عن الحقِّ والصواب، ضلَّ أي: ذهب، كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة:10]. أي: أإذا غبنا في الأرض وأصبحنا عظاماً ورُفاتا واختلطنا بالتراب وانتهى الأمر؛ أإنا لمبعوثون؟! الضلال الدنيويّ والدينيّ: هنالك ضلال دنيويّ وضلال دينيّ فالضلال الدنيويّ: في أمور الدنيا كما قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [يوسف:30]. أي: أساءت التَّصرُّف، تترك العزيز، وتحب الخادم الذي يخدمها ويعمل عندها! ومثل ذلك ما قال أبناء يعقوب: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 8]؛ لأنه أحبَّ أخوينا الصغيرَيْن ونحن عُصْبة: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، ولما قال لهم: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94] قالوا له: {تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95]. فهذا ضلالٌ دنيويٌ. لو أرادوا الضلال الديني لكفروا، كيف يصفون أباهم وهو نبيُّ ابن نبيّ ابن نبي، الكريم بن الكريم أنه في ضلال ديني؟! لا.. فمعنى الضلال هنا: {إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} أي: إنَّ رأيك غير سليم. وهناك الضلال الدينيّ: والقرآن حين يذكر كلمة ضلال يراد به في الأكثر الضلال الدينيّ، الضلال عن الحق وعن الهدى، فهؤلاء: {فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74]، ضلال ظاهر، لأنَّ الحق ظاهر أمامهم وضلُّوا عنه، وضلُّوا عن الطريق عن الاتجاه. إذا كان الضلال عن الاتِّجاه الأساسي، فالإنسان كلما مشى في الطريق أوْغَلَ في البُعد. الطريق شرق وهو يذهب إلى الغرب، كلما مشى كيلومترا بَعُد عن الهدف، وكلَّما مشى عشرة كيلومترات صار أبعد عن الهدف، كلما مشى يزداد بُعدًا، هذا هو الضلال البعيد، الله تعالى يقول: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} [النساء: 116]. ويقول: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} [النساء: 136]. ضلال الكفار البعيد: فضلال هؤلاء الكفَّار الذين لم يهتدوا بهُدى الله، ولم يهتدوا بالكتاب المُنزل، ولم يُخْرجهم من الظلمات إلى النُّور، ولم يهتدوا إلى صراط العزيز الحميد، واستحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، وَصَدُّوا عن سبيل الله، وبَغَوْها عِوَجا؛ هؤلاء في ضلالٍ بعيد، لا يُرْجى لهم منه عودة إلا أنْ يأذن اللهُ عزَّ وجل ويهديَهُم إلى صراطه المستقيم. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تيسير أسباب الهداية تعنُّت قريش في طلب نزول القرآن بالأعجميَّة: كأنَّ قريشا قالت: لولا أُنزل على محمد الوحي بلغةٍ غير اللغة العربية، وهذا من تَعَنُّتهم، يقولون هذا عن محمد صلى الله عليه وسلم وهو العربيّ، والمبعوث إلى العرب أساسا، كيف ينزل عليه كتاب بغير لغته؟ لا يفهمه هو ولا يفهمه قومه. إنما هو التَّعنُّت الذي أوصلهم إلى أن يقولوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. هل هذا عقل؟ من المفترض أن يقولوا: (اللهم إن كان هذا هو الحق اهد