

في الوقت الذي تشهد فيه الجامعات والمراكز البحثية العربية نموًا متواصلًا في الإنتاج العلمي، تشير دراسات حديثة إلى أن مساهمة الدول العربية في النشر العلمي العالمي تجاوزت 2.3 إلى 2.4 بالمائة من إجمالي المنشورات العلمية العالمية، مع تسجيل نمو ملحوظ خلال العقدين الأخيرين في عدد الأبحاث المحكمة المنشورة دوليًا، ولا سيما في دول الخليج ومصر والمغرب العربي. ورغم هذا التطور، لا يزال حضور الكتاب العلمي العربي في معارض الكتب والأسواق الثقافية أقل من حجم النشاط البحثي الذي تشهده المؤسسات الأكاديمية في المنطقة.
ويؤكد مختصون أن الفجوة لا تكمن في غياب الإنتاج العلمي أو ضعف البحث الأكاديمي، بل في محدودية تحويل مخرجات هذا الإنتاج إلى كتب وإصدارات معرفية موجهة إلى الجمهور العام. ففي الوقت الذي تنتج فيه الجامعات العربية آلاف الدراسات والأوراق العلمية سنويًا، يبقى جزء كبير منها متداولًا داخل الدوائر الأكاديمية والمجلات العلمية المتخصصة، دون أن يجد طريقه إلى القارئ العادي أو إلى رفوف معارض الكتب العربية، الأمر الذي يحد من انتشار المعرفة العلمية ويقلص أثرها المجتمعي.
وفي هذا السياق، أكد ناشرون وباحثون ومهتمون بصناعة الكتاب، في تصريحات لـ«العرب» على هامش معرض الدوحة الدولي للكتاب الذي اختتم مؤخرا، أن الكتاب العلمي يختلف بطبيعته عن الكتب الأدبية والتاريخية والروايات من حيث الجمهور المستهدف وآليات النشر والتسويق، مشيرين إلى أن هذا النوع من الكتب يخاطب شريحة متخصصة، ما يجعل حضوره في معارض الكتب العامة أقل مقارنة بالكتب الجماهيرية، رغم ما يمثله من أهمية في بناء المعرفة وتعزيز ثقافة البحث والابتكار.

د. عائشة الكواري: الأبحاث العلمية لا يجب أن تبقى بالأدراج
أكدت الدكتورة عائشة جاسم الكواري، الرئيس التنفيذي لدار روزا للنشر والتوزيع ورئيس لجنة العلاقات العربية في اتحاد الناشرين العرب، أن غياب الكتاب العلمي عن معارض الكتب العربية لا يرتبط بضعف الإنتاج العلمي العربي، بقدر ما يعود إلى محدودية إتاحته للنشر والتداول خارج المؤسسات الأكاديمية.
وأوضحت أن الجامعات العربية اليوم تضم مراكز بحثية نشطة وتنتج دراسات وبحوثًا علمية ذات قيمة كبيرة، إلا أن جزءًا واسعًا من هذه الأبحاث يبقى حبيس الأدراج والمكتبات الجامعية بسبب القيود المتعلقة بالنشر أو اقتصار تداولها داخل الأوساط الأكاديمية، معتبرة أن من واجب الجامعات منح الباحثين مساحة أوسع لنشر أعمالهم وإتاحتها للجمهور والمهتمين.
وأضافت أن البحث العلمي لا يحقق أثره الحقيقي بمجرد وجوده على رفوف المكتبات، وإنما من خلال وصوله إلى الباحثين والقراء وإمكانية البناء عليه وتطويره، مشيرة إلى أن كل دراسة علمية تمثل مشروعًا معرفيًا مفتوحًا للمستقبل، يمكن أن يشكل منطلقًا لأبحاث ودراسات لاحقة.
وفيما يتعلق بضعف الإقبال على الكتاب العلمي مقارنة بالكتب الأدبية، شددت الكواري على أهمية تبسيط الدراسات والأبحاث العلمية وتقديمها بأسلوب أكثر قربًا من القارئ العام، موضحة أن بعض الدراسات العميقة يمكن إعادة صياغتها بلغة مبسطة دون الإخلال بقيمتها العلمية، بما يتيح وصولها إلى شريحة أوسع من القراء.
كما أكدت أهمية الدور الذي يمكن أن يقوم به اتحاد الناشرين العرب في هذا الجانب، عبر إطلاق مبادرات لدعم نشر وتبسيط البحوث العلمية، وعقد شراكات مع الجامعات والمراكز البحثية، بما يسهم في تعزيز حضور الكتاب العلمي داخل معارض الكتب العربية، وخلق بيئة ثقافية أكثر ارتباطًا بالإنتاج المعرفي والبحثي. وأشارت إلى أن الاتحاد، من خلال لجانه وأعضائه، يعمل على بناء جسور تواصل بين الناشرين العرب والمؤسسات الأكاديمية والثقافية، معربة عن أملها في تكثيف هذه الجهود خلال المرحلة المقبلة بما يدعم نشر المعرفة العلمية وتوسيع حضورها في المشهد الثقافي العربي.

هاني الدوسري: يتحرك ضمن مسارات أكاديمية أكثر من المعارض
أكد الباحث الأكاديمي في الشؤون العلمية هاني الدوسري ( من المملكة العربية السعودية ) أن الكتاب العلمي يختلف بطبيعته عن الروايات والكتب الأدبية والتاريخية، من حيث الجمهور المستهدف وآليات النشر والتسويق، مشيراً إلى أن هذا النوع من الكتب يخاطب شريحة متخصصة، ما يجعل حضوره في معارض الكتب العامة أقل مقارنة بالإصدارات الجماهيرية.
وقال:إن قراءة الكتاب العلمي “ليست سهلة للعامة”، لأنه يعتمد على مراجع وأبحاث ودراسات متخصصة، بخلاف الروايات والقصص التي تحضر في معارض الكتب بصورة أكثر جاذبية وتسويقاً، سواء من حيث التصميم أو سهولة التلقي.
وأوضح الدوسري، أن الكتاب العلمي غالباً ما يُقتنى مباشرة من قبل الفئة الأكاديمية أو المتخصصة فور صدوره، دون انتظار طرحه في معارض الكتب، لافتاً إلى أن هذا النوع من الإصدارات يرتبط بالجامعات والمؤسسات البحثية التي توفره للدارسين والباحثين بالكميات المطلوبة.
وأشار إلى أن أغلب الكتب العلمية تصدر باللغة الإنجليزية، ما يحد من انتشارها ضمن جمهور معارض الكتب العربية، مقترحاً إقامة معارض متخصصة بالكتب العلمية على مستوى المنطقة، تستقطب الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالمجالات العلمية المختلفة.
وبيّن الدوسري أن المنطقة العربية تشهد خلال السنوات الأخيرة طفرة علمية ومعرفية ملحوظة، مدفوعة ببرامج الابتعاث والتعليم والتأهيل الأكاديمي، الأمر الذي انعكس على مستوى الوعي والثقافة العلمية لدى الأجيال الجديدة.
وأضاف الباحث في الشؤون العلمية أن التحدي لا يتمثل في غياب الاهتمام العلمي، بل في آليات توفير الكتب العلمية والوصول إليها.
بتول ياسين: أغلب الجهود العلمية لم تتحول إلى مشاريع نشر
أوضحت بتول ياسين من دار الآفاق العلمية للنشر والتوزيع، أن الاعتماد الأكبر لا يزال منصبًّا على الكتب الأجنبية في المجالات العلمية، في مقابل حضور محدود للكتاب العربي المتخصص. وأشارت إلى أن كثيرًا من الأكاديميين والباحثين نادرًا ما يتجهون إلى تأليف كتب علمية موجهة للنشر العام، لافتة إلى أن الكتاب العلمي العربي لا يحظى عادةً بالانتشار والرواج اللذين تحققهما الإصدارات الأجنبية، الأمر الذي يقلل من حماس المؤلفين لخوض هذه التجربة. وأضافت أن معظم الجهود العلمية تبقى محصورة في الجانب التدريسي والبحثي داخل الجامعات، دون أن تتحول إلى مشاريع نشر موجهة إلى القارئ العربي. وفي حديثها عن سبل تعزيز حضور الكتاب العلمي، أكدت بتول ياسين أنها لم تتلقَّ تقريبًا مخطوطات علمية عربية للنشر، موضحة أن دور النشر لا تتردد في تبني الأعمال العلمية الجادة متى ما توفرت، حتى وإن كانت تمثل مغامرة من الناحية التجارية.
محمد الخلف: جذب القراء نحو الكتاب العلمي يتطلب البساطة والتشويق
أكد محمد الخلف، ممثل دار سامح للنشر بالسويد، أن غياب الكتاب العلمي عن معارض الكتب العربية يعود بالدرجة الأولى إلى معادلة “العرض والطلب”، مشيراً إلى أن الإقبال الأكبر يذهب نحو الكتب الأدبية بمختلف أشكالها، من روايات وشعر ونصوص، في حين لا يحظى المحتوى العلمي بالاهتمام الكافي من دور النشر أو القراء.
وقال: إن دور النشر العربية مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر تجاه نشر المعرفة العلمية، مضيفاً: “الروايات موجودة بكثرة، وهذا أمر مهم، لكن الكتب العلمية أيضاً لها أهمية كبيرة، ويجب أن يكون هناك تركيز أكبر عليها”. وأوضح أن جذب القراء نحو الكتاب العلمي يتطلب تغيير طريقة تقديم المعلومة العلمية، بحيث تكون مبسطة وسلسة ومعاصرة، بعيداً عن الأساليب التقليدية التي تجعل بعض الكتب تبدو “مملة” سواء من حيث المحتوى أو التصميم الخارجي.
وأشار إلى أهمية أن تكون الكتب العلمية مواكبة للتطورات الحديثة، وأن تُقدَّم بطريقة مشوقة تشد القارئ، سواء عبر اختيار الموضوعات أو تصميم الأغلفة والإخراج الفني.
بشار شبارو: النشر العلمي من أكثر المجالات تكلفة وصعوبة
قال السيد بشار شبارو، مدير دار جامعة حمد للنشر والتوزيع، إن الكتاب العلمي يواجه تحديات متزايدة في سوق النشر العربي، في ظل التسارع الكبير الذي يشهده العالم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، موضحًا أن سرعة تطور المعرفة تجعل كثيرًا من الكتب العلمية عرضة للتقادم قبل صدورها مترجمة إلى اللغة العربية.
وأشار إلى أن غالبية المراجع العلمية الحديثة باتت تصدر باللغة الإنجليزية، لافتًا إلى أن عملية ترجمة الكتب العلمية تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، بينما تشهد المجالات العلمية تطورات متلاحقة قد تجعل بعض المعلومات بحاجة إلى تحديث مستمر، الأمر الذي يشكل تحديًا حقيقيًا أمام دور النشر العربية.
وأضاف أن الكتاب العلمي، بخلاف الكتب الأدبية والثقافية العامة، يستهدف شريحة متخصصة من القراء، وهو ما ينعكس على حجم الإقبال عليه داخل معارض الكتب والأسواق الثقافية العربية، معتبرا أن النشر العلمي يُعد من أكثر مجالات النشر تكلفة وصعوبة من حيث الإنتاج والتسويق.