كلُّ ما في الأرض مائدة مبسوطة مفتوحة أمام الناس

تنفرد «العرب» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
الرياح يرسلها الله مبشرات، فتسوق السحاب، وتلقّح النبات؛ وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِي وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:19-22].
خلق الله تعالى الأرض وما في الأرض للناس كل الناس، إنَّ الله لا ينتفع بشيء مما خلقه، وإنَّما هو مخلوق لكم، ولكم كلكم، ليس لفئة دون فئة، ولا لجنس دون جنس، كلُّ ما في الأرض مائدة مبسوطة مفتوحة لكلِّ الناس.
حِلِّيّة كل ما في الأرض إلّا ما حرّمه بالدليل الخاص من الكتاب أو السنّة
أخذ العلماء الأصوليون من هذه الآية أنَّ الأصلَ في الأشياء الإباحة، ما كان الله ليخلق الأشياء للناس، ثمَّ يَحْرُمُهم منها ويُحرِّمُها عليهم! {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، فالأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنصٍّ صحيح صريح من كتاب الله تعالى، أو سنَّة رسوله صلي الله عليه وآله وسلم، أو إجماع ثابت متيقن، فإذا لم يرد نص ولا إجماع، أو ورد نص صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء، لم يؤثِّر ذلك في حِلِّه، وبقي في دائرة العفو الواسعة، قال تعالى: {وَقَدُ فَصلَ لَكم مَا حَرَمَ عَلَيُكمُ إِلَا مَا اضُطرِرُتمُ إِلَيُهِ} [الأنعام:119].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً»، ثم تلا: {وَمَا كَانَ رَبكَ نَسِيَاَ} [مريم:64]».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها».
ما في الأرض مخلوق لكم، أمَّا أنتم مخلوقون لله عزَّ وجلَّ، كلُّ ما في الأرض مخلوق للإنسان، أمَّا الإنسان ذاته فهو مخلوق لله سبحانه وتعالى، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}، استوى: قصد إليها، أو علا وارتفع، علا وارتفع إلى السماء بلا تكيفٍ ولا تمثيلٍ، ولا تحديدٍ ولا تعطيلٍ، ولا داعي لأن ندخل معركة في معنى استوى، وكما قال إمام دار الهجرة مالك ابن أنس -رحمه الله- وقد سُئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}، ما هي السماوات؟ لم يحدد القرآن ماهية هذه الأشياء، ولو كان فيها نفع لنا في ديننا ودنيانا لحدَّدها، إنَّ السماء هي تلك الأجرام العلوية التي لا نعرف عنها إلا القليل، زيَّن الله السماء الدُّنيا منها بمصابيح، بالكواكب، بالنجوم، أمَّا ما عدا ذلك فعلمه عند الله عزَّ وجلَّ، هذه الأجرام العظيمة سوَّاها الله سبحانه وتعالى، وأحسن صنعها، سوَّاها كما خلق الأرض وسوَّ الجميع، وهيأه للناس وبارك فيه، في ستة أيام وما مسَّه من لغوب، لم يتعب كما زعم اليهود أنَّه تعب ثمَّ استراح في اليوم السابع، لا، ما مسَّه من لغوب ولا تعب، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [ق:38-39].
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ولهذا فهو يسويه عن علم وعن خبرة، من هنا يظهر صنع الله متقنًا، {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]، لأنَّه صنع العليم الحكيم، {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك:3]، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء.
الرياح يرسلها الله مبشرات، فتسوق السحاب، وتلقّح النبات؛ وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِي وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:19-22].
خلق الله تعالى الأرض وما في الأرض للناس كل الناس، إنَّ الله لا ينتفع بشيء مما خلقه، وإنَّما هو مخلوق لكم، ولكم كلكم، ليس لفئة دون فئة، ولا لجنس دون جنس، كلُّ ما في الأرض مائدة مبسوطة مفتوحة لكلِّ الناس.
حِلِّيّة كل ما في الأرض إلّا ما حرّمه بالدليل الخاص من الكتاب أو السنّة
أخذ العلماء الأصوليون من هذه الآية أنَّ الأصلَ في الأشياء الإباحة، ما كان الله ليخلق الأشياء للناس، ثمَّ يَحْرُمُهم منها ويُحرِّمُها عليهم! {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، فالأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنصٍّ صحيح صريح من كتاب الله تعالى، أو سنَّة رسوله صلي الله عليه وآله وسلم، أو إجماع ثابت متيقن، فإذا لم يرد نص ولا إجماع، أو ورد نص صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء، لم يؤثِّر ذلك في حِلِّه، وبقي في دائرة العفو الواسعة، قال تعالى: {وَقَدُ فَصلَ لَكم مَا حَرَمَ عَلَيُكمُ إِلَا مَا اضُطرِرُتمُ إِلَيُهِ} [الأنعام:119].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً»، ثم تلا: {وَمَا كَانَ رَبكَ نَسِيَاَ} [مريم:64]».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها».
ما في الأرض مخلوق لكم، أمَّا أنتم مخلوقون لله عزَّ وجلَّ، كلُّ ما في الأرض مخلوق للإنسان، أمَّا الإنسان ذاته فهو مخلوق لله سبحانه وتعالى، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}، استوى: قصد إليها، أو علا وارتفع، علا وارتفع إلى السماء بلا تكيفٍ ولا تمثيلٍ، ولا تحديدٍ ولا تعطيلٍ، ولا داعي لأن ندخل معركة في معنى استوى، وكما قال إمام دار الهجرة مالك ابن أنس -رحمه الله- وقد سُئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}، ما هي السماوات؟ لم يحدد القرآن ماهية هذه الأشياء، ولو كان فيها نفع لنا في ديننا ودنيانا لحدَّدها، إنَّ السماء هي تلك الأجرام العلوية التي لا نعرف عنها إلا القليل، زيَّن الله السماء الدُّنيا منها بمصابيح، بالكواكب، بالنجوم، أمَّا ما عدا ذلك فعلمه عند الله عزَّ وجلَّ، هذه الأجرام العظيمة سوَّاها الله سبحانه وتعالى، وأحسن صنعها، سوَّاها كما خلق الأرض وسوَّ الجميع، وهيأه للناس وبارك فيه، في ستة أيام وما مسَّه من لغوب، لم يتعب كما زعم اليهود أنَّه تعب ثمَّ استراح في اليوم السابع، لا، ما مسَّه من لغوب ولا تعب، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [ق:38-39].
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ولهذا فهو يسويه عن علم وعن خبرة، من هنا يظهر صنع الله متقنًا، {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]، لأنَّه صنع العليم الحكيم، {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك:3]، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء.
اقرأ ايضا
_
_