خلال افتتاح جلسات برنامج «وآمنهم من خوف».. وزير الأوقاف: بناء الأمن الثقافي الإسلامي الشامل يطوّق آثار «الإسلاموفوبيا»

alarab
محليات 03 مايو 2021 , 01:15ص
حامد سليمان

المجتمعات الإسلامية تآلفت على هوية جامعة وقيم سمحاء
الصورة السلبية الشائعة عن الإسلام لا ترجع في كليتها إلى رفض الآخر مراجعة أفكاره المسبقة 
لا بدّ من تعزيز آليات الحوار مع المنظومات الثقافية والحضارية ومع المستشرقين الجدد

أكد سعادة الدكتور غيث بن مبارك الكواري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن الحديث عن الأمن الثقافي الإسلامي في الوقت الراهن حديث تستلزمه قضايا عديدة، مبيناً أنه في حين ما زالت نيران النزاع تستعر في بعض بقاع العالم الإسلامي، مجبرة ملايين الأنفس البريئة على العيش في ملاجئ تفتقر إلى أبسط شروط الحياة، ما زال أغلب شعوب العالم الإسلامي تنشد الوحدة وتحقق الكرامة والانطلاق نحو أفق جديد من التكامل والتنمية المستدامة.
وقال سعادته خلال أولى جلسات برنامج «وآمنهم من خوف» الرمضاني، والذي تنظمه الوزارة في نسخته السابعة على التوالي تحت عنوان «الأمن الثقافي الإسلامي وأسئلة المراجعة والتجديد»: كم لا تزال الأقليات المسلمة المقيمة في ديار غير المسلمين تنشد تصحيح الصور النمطية التي ألحقها بهم النافخون في كير التعصب بنبرة تصاعدت في الفترة الأخيرة لتهدد الحقوق الثقافية لأبناء تلك الأقليات، وتعصف بصور التعايش التي ضمنتها القوانين في تلك البلاد.
وأضاف سعادة الوزير: وقد واكب هذا الوضع الصعب الذي تعيشه الأمة الإسلامية موجة استقطاب مذهبي وصراع خفي وظاهر بين المرجعيات الدينية، وتداخل غريب في الخرائط الدينية للعالم الإسلامي وانقسام حاد بين مفكريه بوسوم مختلفة، فعلماء معتدلون وعلماء متشددون وعلماء وسطيون وعلماء ربانيون صوفية روحانيون مفكرون علمانيون حداثيون قوميون إلى غير ذلك من الوسوم والنعوت، مشيراً إلى أن كل فئة من تلك الفئات اجتهدت في مغالبة الأخرى، وفي التدافع من أجل احتلال مساحات في الإعلام ومنابر التواصل الاجتماعي، ولو بنفس شعبوي يخاطب العواطف عوضاً عن أن يخاطب الأفكار ويحررها وفق مسار بناء ومنطق منسجم.
وقال: أضحى استحضار موضوع الأمن الثقافي الإسلامي مطلباً أساسياً للمراجعة والتجديد، معللاً بأنه ليس من المعقول أن تستمر أمة حباها الله تعالى بكل المقدرات الطبيعية والبشرية الضرورية للنهوض، وبعمق حضاري وتاريخي مشهود، رهينة وضع لا يليق بما رسمه لها البارئ عز وجل بقوله «كنتم خير أمة أخرجت للناس». 
وأضاف: أن الأمة بما هي جماعة آمنة معرضة دائماً للاستهداف من طرف غيرها، ومن أشد أنواع الاستهداف تلك التي تنتج عن صراعات داخل الأمة نفسها بين أبنائها، حين تبعث نعرات الجاهلية الذميمة والعرقية المقيتة، وتصادر سماحة الإسلام وتنتقض عراه وقواعده، وحين تذعن الأمة لغيرها تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تداعي الأمم 
وقال: لنا أن نتصور آثار تداعي الأمم على أمة الإسلام، وما ينتج عنه من اختلالات في فضاء الأمة الجغرافي والثقافي، واختلال في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية، وفي رؤيتها للعالم، وفيما يتأسس عن الوهن من تسلط ومصادرة للحقوق وخضوع للآخر وضياع للمقدرات وإخفاق الموعد مع التنمية المستدامة وارتهان للفقر والحوج والجهل.
وأضاف: إن الاختلالات التي ذكرنا تبقى ذات طبيعة عرضية، إذ إن الأصل في أمة الإسلام أنها أمة شاهدة على الناس، أمة داعية إلى الخير، آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، قال تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، لافتاً إلى أنه عند محاصرة الاختلالات العرضية يتحقق الأمن الثقافي الشامل للأمة، وتترسخ مآلاته الموجبة المفضية إلى الطمأنينة في عالم الفرد والجماعة، وإلى الاستخلاف في الأرض بكل أبعاده المحققة للتنمية والعمار والنافية للخراب والتطرف والدمار. 
وتابع سعادته: إن تحقق الاطمئنان وانتفاء خطر الخوف بتحقق المجتمع المؤمن الآمن، الذي يقام فيه الدين وتصان فيه الحقوق والأنفس والعقول، يجعل الأمة في مسارها الصحيح، أمة ناقلة للقيم إلى العالمين، لأن أمن الأمة لا ينحصر عند حدودها الجغرافية، بل يتعداها ليشمل الإنسانية كلها وفق سنة التعارف.
وأوضح أن مفهوم الأمن الإسلامي الشامل يسع كل أنواع الأمن، مضيفاً: إذا كان تعريف أهل السياسة للأمن الثقافي يوجه المصطلح نحو تأكيد الاستقرار السياسي ومحاصرة أشكال التعصب المفضي إلى العنف وتهديد الحياة العامة للمجتمع. 

ارتباط الأمن بالهوية 
وأشار إلى أن ارتباط الأمن الثقافي الإسلامي بالهوية والقيم حاسم عبر تاريخ المسلمين، ومن خلالهما تأسست علاقات المسلمين بغيرهم وعلاقاتهم فيما بينهم، وعبرهما استطاعت مجتمعات المسلمين أن تتنوع وتتعدد دون أن تتنافر، وتتآلف دون أن تختلف، فكانت لمجتمعات الجزيرة وبلاد الرافدين والشام خصوصياتها، ولمجتمعات شمال أفريقيا والأندلس والسودان الغربي في أفريقيا جنوب الصحراء خصوصياتها، وكانت لمجتمعات مسلمي آسيا والأناضول خصوصياتها.
وقال سعادته: «إن المجتمعات الإسلامية تآلفت على هوية جامعة وقيم سمحاء مع التعددية اللغوية والثقافية والإثنية، وفي كل الفترات التي اختل فيها وعي المسلمين بهويتهم وثقافتهم كانت تمتد مساحات من الضعف وأدوار من الفتن، لم يتم تجاوزها إلا بعد تبني فكر ثقافي يجدد وعي الأمة بأمنها الثقافي الشامل، ويضمن حداً من المراجعات دون المساس بالقطعيات، ولفت إلى أنه ووفق آليات مراجعة مفهوم الأمن الثقافي الإسلامي الشامل، استطاعت الأمة أن تتجدد لتستوعب الوقائع الجديدة، وتصلح الخلافات بين فصائلها الداخلية، كما نجحت في أن ترسم حدود انفتاحها على غيرها دون أن تتلون خطاباتها إلى غيرها بانقساماتها المذهبية والإثنية واللغوية.
وأكد أن الصورة السلبية الشائعة عن الإسلام والمسلمين لا ترجع في كليتها إلى رفض الآخر مراجعة أفكاره المسبقة عن الإسلام والمسلمين، الموروثة عن أزمة التعصب والمجابهات الحربية التي حدثت في التاريخ، لافتاً إلى أن لها امتدادات أخرى في نوع خطاب البلاغ السائد بين المسلمين أنفسهم، مؤكداً أن تطويق آثار «الإسلاموفوبيا» وتصحيح صورة المسلمين يمر أولاً عبر إعادة بناء الأمن الثقافي الإسلامي الشامل، ومعاودة النظر إلى لغات الخطاب الديني السائدة اليوم، وبناء تصور لذلك في البحث العلمي داخل الجامعات العربية والإسلامية، ودوائر التفكير في العالم الإسلامي، وإخضاع تلك المؤسسات للمراجعة الدورية.
كما أكد أنه لا يعقل أن يكون وضع اللغة العربية متأزم في بلاد المسلمين، وفيها من المجامع اللغوية ومراكز التعليم وتعليم العربية للناطقين بغيرها الكثير، كما لا يعقل أن تتعدد دور الإفتاء ومؤسسات العلماء من دون أن تستطيع تنسيق المواقف حيال القضايا المستجدة على الأمة، وعلى استراتيجية شاملة محكمة لإعداد الوسطاء الحضاريين لبناء الأقليات المسلمة في البلاد غير المسلمة.

وضع الأقليات مقلق 
ونوه بأن الوضع الراهن لبعض الأقليات المسلمة مقلق للغاية، وقد صار محط مزايدات سياسية، بل إن بعضها يتعرض للتضييق والإبادة والملاحقة، وهو ما يتطلب برامج خاصة لإيصال صوتها إلى المحافل الدولية، ووضع استراتيجية لحماية حقوقها الدينية والثقافية، وتعزيز الثقافة الإسلامية المعتدلة بين أبنائها؛ لأنها الوسيط الحضاري الأنسب للحوار مع المنظومات الثقافية والدينية التي يعيشون بين ظهرانيها، وأن الأمن الثقافي الإسلامي الشامل ودوره في التجديد والمراجعة يتطلب عناية بالأمور التالية: أولاً: لا بد من تطوير التعليم في العالم الإسلامي بما يضمن للأمة الاستفادة من عقولها، ويوفر لهم البنيات الضرورية للابتكار والاختراع، إن رسم استراتيجية للاستفادة من العقول المسلمة المهاجرة أمر ملح للغاية، ولعل ذلك أهم درس استفدناه من جائحة «كوفيد – 19».
ثانياً: لا بد من بذل مجهود مضاعف لتفعيل آليات الإصلاح الإسلامي بين الفئات المتصارعة والمتقاتلة، ووضع خطة لحل النزاعات وتفعيل دور مؤسسات العلماء في ذلك. 
ثالثاً: لا بد من تطوير القدرات للتعامل مع مظاهر ونزعات وموجات الانحراف الفكري والأخلاقي، ومحاصرة موجات العنف والتطرف والغلو في المجتمعات الإسلامية. 
 وإن تطوير العمل المؤسسي لدى مؤسسات العلماء ومجامع الاجتهاد الفقهي، وتعزيز الحوار والتشاور فيما بينها، أيسر طريق لبلورة خطاب ديني يحاصر التطرف والعنف، وينهي حالة الانقسام وصراع المرجعيات في العالم الإسلامي.
رابعاً: لا بد من العناية بخطة للتعريف بالحضارة الإسلامية وسماحة الإسلام، وتأسيس رابطة لرصد وتفنيد ما ينشر في موضوع كراهية الإسلام والمسلمين. 
خامساً: لا بد من تعزيز آليات الحوار مع المنظومات الثقافية والحضارية، وتنفيذ خطة للحوار مع المستشرقين الجدد.
سادساً: لا بد من الوعي بخطورة الإعلام الجديد والعمل على تنقية المنصات الإلكترونية في عالمنا الإسلامي مما لا يفيد، وتعزيز انتشار ما يفيد.
سابعاً: لا بد من سدّ الفجوة التقنية التي يعاني منها العالم الإسلامي، والتعاون من أجل إبداع محتوى يليق بأمة القرآن يرصّ صَفَّ الأمة، ويَقي شبابها من الأفكار القاتلة.
ثامناً: لما كان ما ينتج باللغة العربية في مجال الدراسات والعلوم والثقافة الإسلامية عبر العالم لا يساوي ثلث ما يكتب فيها بلغات أخرى محلية وعالمية، فإن جهداً مضاعفاً ينبغي أن يُبذل من أجل تسريع وتشجيع الترجمة من وإلى اللغة العربية، لما يستجد من بحوث في تلك المجالات المذكورة.