د. العلمي: نكسات المسلمين سببها بعدهم عن المنهج الإلهي
قطر اليوم
03 مايو 2014 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبره
أرجع الدكتور الحسن العلمي، أستاذ علم الحديث والفكر الإسلامي بالمملكة المغربية، النكسات التي أصابت المسلمين لبعدهم عن المنهج الإلهي، ومجاهرتهم بالمعاصي.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: إن الله سبحانه وتعالى أناط عزة الأمة ونصرتها وتقدمها باتباع شريعته، وجعل الذل والصغار والخزي والعار فيمن ابتعد عن ملته وأعرض عن الدين فضل الطريق، مستشهدا بقول الله عز وجل: «فمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى» (123-124) سورة طه.
وقال إن من يتأمل النكسات التي أصابت المسلمين، بعد أن كانوا سادة العالم قرونا، يجد أن سبب انهيار هذه الأمة وتشرذمها وتفرقها، بعيدا عن حبل الله المتين، لخصها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبدالله بن عمر بن الخطاب قال: «أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ».
ووصف الحديث السابق بأنه حديث عظيم، يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم شُعب الفساد التي إذا تسربت للأمة وجثمت على صدرها كانت سببا في تخلفها.
ونبه إلى أن الله عز وجل لا يكشف عن الأمة المسلمة ما أصابها من غُمة إلا إذا استقامت على أمر الله عز وجل. وعلى منهج النبي عليه الصلاة والسلام.
وتوقف العلمي عند قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: «لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا» موضحا أنه إشارة إلى الفساد الأخلاقي الذي إذا تسرب إلى أمة جعلها في الحضيض الأسفل.
وردد قول الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وقال إن الأمم التي تجاهر بالفساد، وتعاند الله سبحانه بالمعاصي لا بد أن يكون مصيرها الوهن والضعف.
حداثة المجاهرة بالمعاصي
واستطرد موضحا أن المعاصي كانت موجودة في زمن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وفي سائر العصور، لكنها كانت معزولة عن العلن ولم يكن يجاهر بها أحد.
وروى واقعة حدثت في ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما سمع امرأة كانت تتغزل وتقول: «هل من سبيل إلى خمر فأشربها، أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج» فاستغرب الخليفة الراشد من كلامها وسأل عن السبب الذي جعلها تقول ذلك الكلام. وسأل عن الرجل الذي تغنت به، فقيل له إنه نصر بن حجاج من مخنثي المدينة، حيث كان وسيما طويل الشعر، فدعاه عمر وأمره بقص شعره، فرآه ازداد جمالا فحلق شعره، ونفاه خارج المدينة المنورة حتى لا تفتتن النساء به.
وذكر العلمي أن عُمَرُ بن الخطاب وجَدَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ: رُوَيْشِدٌ شَرَابًا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُحْرِقَ، وَقَالَ له: «أَنْتَ فُوَيْسِقٌ».
واستخلص من الروايتين السابقتين أن المعصية في زمن الخلفاء الراشدين كانت مختفية عن الأنظار ومعزولة عن الناس، لا يجاهر بها أصحابها.
وأكد أن الفساد الأخلاقي لم يكن شيئا منظما في عهد الخلفاء الراشدين، ولم يكن الفجور يتم علنا وتتم الدعاية له، وتنشر أخباره بالفضائيات ووسائل الإعلام دون استحياء.
وأبدى العلمي أسفه وحزنه لأن بعض الدول المسلمة تخصصت في نشر الرذيلة عبر سلسلة من القنوات الفضائية، التي تبث الفساد الأخلاقي، وتركز على نشر ما أسماه بـ «قمامات الآخرين».
وقصد بقمامات الآخرين: «المسلسلات الداعرة والماجنة، والصور الفاضحة» ونشرها وترويجها لإضلال شباب المسلمين.
وأشار إلى قول أحد المفكرين الغربيين: «والله إننا لن نتغلب على المسلمين والقرآن في حياتهم»، ودعوته للعمل على إزالة العمل بما جاء في القرآن الكريم في حياة المسلمين.
وأشار إلى قول أحد أعداء الإسلام: «كأس وغانية يفعلان بالمسلمين ما لا تفعله المدافع».
حرب ضد الأخلاق
وشدد د.العلمي على أن أعداء الإسلام يأسوا من هزيمة الأمة بقوة السلاح، فخططوا لأن يدمروا نفوس المسلمين بالفساد والرذيلة والعلاقات الماجنة وشرب الخمور والترويج للزنا حتى يقع شباب المسلمين فريسة لتلك الرذائل والموبقات.
وحذر العلمي الذي يجاهرون بارتكاب الفواحش، ولا يسترون أنفسهم من عواقب ما يفعلون، راويا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم».
وتحدث خطيب جامع الإمام عن سبب هزيمة الحضارة الرومانية قديما فقال: إنها كانت حضارة في العلياء لكن صاحبها فساد أخلاقي فسقطت.
وأشار إلى أن الله عز وجل قص علينا قصص الأمم السابقة لنعتبر، وأبقى لنا آثارهم حتى الآن حتى نتعظ ونعتبر مما حدث لهم.
ولفت إلى صور بعض الآثار الموجودة في إحدى مدن جنوب إيطاليا، والتي تظهر النساء العاريات ومن حولهن كؤوس الخمر، فأهلكها الله ببراكين ابتلعتها، وكانت نهاية للحضارة الرومانية.
ونبه إلى أن الانتقام الإلهي ممن يجاهرون بالمعاصي لا يستثني أحدا وقال: «لسنا أعز عند الله من أولئك الأقوام الذين أفسدوا في البلاد فأخذهم رب العباد أخذ عزيز منتقم».
وتلا قول الله عز وجل: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى*وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى».
ونقل عن أحد المؤرخين قوله حول أسباب نكسة 1967: «إن الفساد الأخلاقي والمالي كان السبب الذي جعل المسلمين يندحرون في 3 دول عربية كبرى خلال 6 ساعات، انهزمت فيها أكبر الجيوش العربية، وخلفت نكسه لا تزال الأمة تعاني مرارتها حتى اليوم».
وحذر من دعوات الاعتزاز بشعارات غير إسلامية مثل القومية العربية، التي أوقعت الأمة في الذل والهوان، وأشار إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنا كنا قوما أذلة في الجاهلية، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».
الأوجاع السياسية والاقتصادية
وذكر العلمي أن الأوجاع الأخلاقية والسياسية والاقتصادية، أخطر ما يصيب الأمم، ومنها الأمة المسلمة، وجعلتها في الحضيض الأسفل.
وتحدث العلمي عن الفساد الاقتصادي، مستنبطا إياه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ».
سيصبح العالم العربي والإسلامي غير محل ثقة في نظام الجودة، الذي تفتقده أكثر المؤسسات والشركات العربية.
وأشار إلى أن بعض الشركات العربية بدأت تتعلم من الشركات الألمانية واليابانية المصداقية والشفافية في الجودة الصناعية.
وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من أن الانهيار المالي والاقتصادي يكون بسبب الغش والتزوير ونقص الكيل والميزان.
ولفت إلى أن المكاييل لا تقتصر على وزن الحبوب والثمار، وإنما تدخل في الصناعات العظيمة، والمباني والعمران، وكل الأمور التي تتعلق بأرواح الناس، ويقوم عليها اقتصاد الدول.
وأوضح أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ» مقصود به عند العلماء: القحط والفقر والمجاعة.
وأشار إلى أن الله وهب الدول العربية والإسلامية ثروات طبيعية لا تعد ولا تحصى، ورغم ذلك هي تعاني الفقر والجوع، وتتسول طعامها وغذاءها من غيرها.
وفسر سبب ذلك لانتشار الكسل بين أبناء الدول العربية والإسلامية، وتفشي الغش والتزوير فيها.
الفساد السياسي والديني
وتحدث العلمي عن الفساد السياسي الذي يشير إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ»، وقال إن الذين يجاهرون بالمعاصي والرذائل لا يجعلهم الله أهلا لأن يحكمهم سلاطين وأمراء وملوك عادلون، ويسلط عليهم حكاما يسومونهم سوء العذاب.
وحذر من عاقبة منع الزكاة التي جاءت في الحديث النبوي، لافتا إلى أنه ما منع قوم الزكاة إلا حرمهم الله من المطر، وهو سر الحياة.
وقال إن منع الزكاة يدخل تحت مسمى «الفساد الديني» الذي ينتج من التهاون في تطبيق أحكام الدين عند المسلمين.
وأشار إلى أن منع الزكاة في زمن الخليفة أبوبكر الصديق كان سببا فيما يعرف بـ «حروب الردة»؛ حيث قاتل خليفة رسول الله القوم الذين منعوا الزكاة.
واعتبر منع الزكاة تخليا عن أحد أركان الإسلام، ونقضا لإحدى عرى الدين الوثيقة.