

أكد المصمم المعماري مروان البلوشي المؤسس ورئيس قسم التصميم لمكتب التقدم للتصميم المعماري في سلطنة عمان، أن طابع المعمار في قطر يجمع بين الحداثة والأصالة تعبيرا عن الهوية العربية.
وقال المصمم العماني في حوار مع «العرب» إن التطورات المعمارية في الخليج بشكل عام أدت إلى انقطاعنا في كثير من الأحيان عن ثقافتنا نتيجة الاعتماد على مصممين من الغرب، ولكن الأمر يختلف في الدوحة فالطابع العمراني له ارتباط واضح بالهوية القطرية والعربية إلا نادرا.
وأوضح أن مشيرب قلب الدوحة يعتبر من أهم المشاريع المعمارية الحديثة في قطر اللافتة، حيث يظهر فيها الطراز العربي الأصيل، مشيرا إلى أنه على الرغم من البساطة البصرية في مشيرب، إلا أن المدينة فيها عمق فلسفي معماري، ومن أبسط الأشياء التي نلاحظها في مشيرب ضيق الشوارع وهذا يرجع إلى طبيعة الحارة العربية القديمة، فكانت عبارة عن سكك صغيرة، فالمعماري قديما كان يجتهد في تقديم ما يحقق احتياجات الناس، كما أن هذا التقارب بين المباني يساهم في وجود ظل وتخفيف درجة الحرارة ما يساعد في تحقيق الحركة للناس والتفاعل وهذا يتحقق في مشيرب حيث يتفاعل السكان مع المدينة.
وأضاف البلوشي، في الحوار الذي أجريناه معه، على هامش ندوة « تعابير معاصرة: اندماج الطرازين المعماريين الإسلامي والعالمي» التي أقيمت بمسجد المدينة التعليمية بمؤسسة قطر ضمن برنامج مارس شهر العمارة لمتاحف قطر، إن مبنى (ذو المنارتين) رأيته للمرة الأولى وهو ينتمي إلى المعمار الإسلامي الحديث، ومن وجهة نظري إنه فكر معماري جديد يغاير حضارة المكان ولكن يظهر آفاقا جديدة للمعماريين، حيث قال مصمم المسجد إن مساحة الصلاة هي الجزء الأصغر في المبنى، فالمنارتان هما نتيجة الدمج بين المكانين المقصودين في المبنى (الجامع والجامعة).
جمال العمارة في التفاصيل
وحول العمارة العمانية وسماتها، قال مروان البلوشي: من الصعب الحكم بنمط واحد في العمارة العمانية حيث تتعد الأماكن والمباني التي بنيت نتيجة احتياجات الناس في كل منطقة حسب تضاريسها وأحوالها، فالذين يعيشون في السواحل يختلفون عمن يعيشون في الجبال، وهكذا، كما أنني ضد ربط العمارة العمانية بالقلاع والحصون فقط، وعلى الرغم من أهمتها الدفاعية واستخدامها في حينها.
وأضاف: إنني أرى العمارة العمانية في التفاصيل من طريقة اللباس العماني والأدوات المستخدمة من دشداشة والتطريز والخناجر وكذلك المجوهرات وفي الأبواب خاصة أن العمانيين معروفون ببناء السفن التقليدية وهذه الأمور كلها لها انعكاسات على العمارة العمانية وفي تفاصيلها، مضيفا أتمنى من المعماريين العمانيين التعمق في هذه التفاصيل ليتم التعبير عنها في البناء، مع إعادة صياغتها في مشاريع معمارية، وكيف يمكن مثلا التطوير من فكرة الزخارف على الأبواب لتكون جزءا أصيلا في التصميم المعماري الحديث.
باب السلام تحفة معمارية معاصرة
وحول تجربته في تصميم مسجد باب السلام كشاهد على التعايش المتناغم بين التقاليد والحداثة ما جعل منه خلق تحفة معمارية تعمل كمكان للعبادة ورمز للتراث الثقافي الغني لسلطنة عمان، قال مروان البلوشي: بدأنا العمل في مسجد باب السلام، في صيف عام 2018 واستغرقت فترة البحث للوصول إلى فكرة معمارية تكون ملهمة للتصميم حوالي ستة أشهر، حيث كانت هناك متطلبات من جهة التكيف أن يكون هناك فكر مستدام، وان يعبر عن النمط المعماري العماني ليكون موضع تدريس فيما بعد للطلاب الذين يدرسون العمارة العمانية، وكان هذا تحديا كبيرا، فرجعنا إلى عمان التاريخ والبيئة والمكان مقام في منطقة سكنية، فتمت مراعاة كل هذه الأمور في التصميم واخترنا عدم وجود سور لحرم المسجد، بما يساهم في تفاعل الناس مع بيئة المسجد.
وأضاف: أنه تم تصميم المسجد ليكون معلما معماريا ومنارة تعليمية لطلاب الهندسة المعمارية وقد سعينا إلى خلق تصميم خالد يجسد جوهر العمارة المعاصرة مع تكريم التراث العماني، ولذلك جاء تكوين المسجد باب من خمسة أحجام هندسية، تم تصميم كل منها بعناية لتحسين الأداء الصوتي والبيئي، كما تعتبر مئذنة المسجد المميزة ذات الشكل المخروطي بمثابة نقطة محورية للرؤية البصرية التي تحقق الراحة النفسية، كما كانت لدينا أولوية في التصميم بوجود انتقال سلسل من المساحات الخارجية إلى المساحات الداخلية، وكما يتم الترحيب بالزوار بالحدائق المورقة والمسطحات المائية قبل دخول قاعات الصلاة. وهكذا، تبلغ ذروتها في جو هادئ وهادئ يفضي إلى التأمل في بديع خلق الله.
جبال عمان الشامخة
وأوضح البلوشي أن تصميم المسجد يتميز بأشكال مستديرة ذات لون وردي رقيق، يذكرنا بجبال عمان الشامخة، ويضم الجزء الأكبر قاعة صلاة الرجال، المزينة بنوافذ كتابية وقسم زجاجي يشير إلى اتجاه الصلاة. علاوة على ذلك، يحتوي المجلد الأطول على مكان لصلاة النساء، مؤكدا أنه تم اختيار أسلوب بسيط حيث تجنبنا العناصر الزخرفية المتقنة لتعزيز تجربة المصلي، فغياب النقوش أو الخطوط الزخرفية على الجدران يضمن بيئة مرتبة تساعد على الصلاة والتأمل، وكل هذا من التركيز على الجانب المستدام، حيث تعمل الأشكال الدائرية على تحسين الصوتيات وتدفق الهواء، مما يقلل الحاجة إلى التضخيم والتهوية الاصطناعية. ولذلك، مزيج متناغم من التميز المعماري والإشراف البيئي.
وحول الجديد في تصميم المساجد لديه حاليا قال المصمم المعماري مروان البلوشي: لدينا مشاريع جديدة منها مسجد في مسقط وهو مسجد قائم من الثمانينيات ومطلوب توسعة خاصة أن المنطقة بها كثافة عالية، فالأفكار تختلف من مكان لآخر، ومسجد آخر في الشارقة، بالإضافة إلى اهتمامنا بالتصميم بشكل عام وليس المعماري فقط .
وأضاف: «نحن نشتغل على أنواع كثيرة من التصميم سواء المعماري او غيره حتى نهتم بتصميم الأثاث، حيث وجدنا نقصا في هذا المجال في التصميم والتصنيع كذلك، لافتا إلى ان بعد فترة كورونا تعلمنا ضرورة ان نستخدم المواد الموجودة حولنا وهذا هو الفكر العمراني الذي نسعى إليه، فمثلا المشاريع العمرانية في عمران لابد أن تكون مبنية على البيئة المحيطة ومستلهمة منها، فإذا كانت التضاريس الطبيعية والأحوال الاجتماعية في المكان وحسب المنطقة واستخدامها، ولهذا نسعى لتحقيق هذه المعادلة في تصميم مشاريعنا التي تعبر عن فهمنا لثقافتنا الإسلامية ونحاول نحيي نمطا معماريا من الثقافة المحلية.
الطابعة ثلاثية الأبعاد
وحول بناء بعض المساجد بطريقة الطابعة ثلاثية الأبعاد في أكثر من مدينة خليجية مؤخرا وتأثير على الطراز المعماري في منطقة الخليج، قال: إنني مع استخدام التكنولوجيا والتطور المستمر في مجال العمران، ولكن لابد أن نكون حذرين لأنه من السهل انتاج مبنى جميل بهذه الطريقة ولكن لا ننسى أن الإنسان هو من يستخدم هذا المبنى سواء كان مسجدا او غيره، فهل يحقق متطلبات الإنسان او لا، فالمعيار هو أن يؤدي الوظيفة، لأنه من السهل تصميم شيء جميل ولكن هل يعطيك وظيفة المكان ولذلك نحن نهتم بتجربة المستخدم حتى ولو كانت غرفة واحدة.
وحول كيفية تحقيق التوازن بين الجمالية البصرية والوظيفة المطلوبة من المبنى المعماري، أوضح إن أهم شيء هي تجربة المستخدم، لأن من السهولة أن تصمم شكلا جميلا من الخارج، ولكن إذا لم يعط الوظيفة بطريقة صحيحة فلابد من مراعاة الجانبين معا.
جدير بالذكر أن المصمم المعماري مروان البلوشي تخرج في جامعة الفنون في لندن عام 2017، وعمل بعدد من المكاتب هناك، ليقوم بتأسيس مكتب خاص بالتصميم العمراني، وليقدم العديد من المشاريع المعمارية التي أصبحت علامات معمارية في سلطنة عمان في فترة قصيرة.