خبراء يطالبون بفرض التأمين الصحي على الشركات التي تتهرب وتعالج عمالها في «حمد الطبية»
تحقيقات
03 أبريل 2013 , 12:00ص
الدوحة - حامد سليمان
طالب خبراء ومختصون بأن يشتمل قانون التأمين الصحي -والمقرر إطلاقه قريباً- على بنود تراعي حقوق العمال والشركات على حد سواء، وبينوا لـ «العرب» أهمية أن تتوازى المطالبة بشمولية مظلة التأمين الصحي لكافة سكان قطر؛ مع إجراء تحسينات شاملة للمستشفيات الخاصة، بما يوفر خدمة متميزة لعدد كبير من العمال ممن سيشملهم القانون في حال تضمن بنوداً إجبارية للشركات.
ونوه مواطنون بأن الكثير من شركات القطاع الخاص لا توفر خدمة التأمين الصحي لعمالها، معتمدة في ذلك على مؤسسة حمد الطبية التي تقدم خدماتها للسكان دون اشتراط التأمين على العامل، الأمر الذي تسبب في زحام وضغط كبير على كافة وحدات المؤسسة الصحية الأكبر في البلاد.
وطالب خبراء قطاع التأمين في قطر أن تتضمن بنود القانون الجديد بنوداً حازمة تكفل إجبار كافة شركات القطاع الخاص على توفير الحد الأدنى من التأمين الصحي؛ على غرار الدول المتقدمة؛ فقد أصبح التأمين أحد حقوق العمالة في غالبية بلدان العالم، والإهمال في توفيره يعد جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون، الأمر الذي يستوجب على مشرع التأمين الصحي القطري أن يلتفت إليه، فقد باتت قطر في مصاف الدول الرائدة في المنطقة.
هذا وأكد رجال أعمال أن اللجوء لمؤسسة حمد الطبية هو لما توفره من رعاية صحية متكاملة تفوق ما توفره المستشفيات الخاصة، وذلك مع ارتفاع أسعار المؤسسات الصحية الخاصة ، مقابل خدمة مجانية تقدمها حمد الطبية.
نصف السكان بلا تأمين
في البداية قال السيد محمد بن جاسم المسلماني عضو المجلس البلدي المركزي عن دائرة المرخية: تقدمت بمقترح للمجلس حول تفعيل التأمين الصحي للعاملين في القطاع الخاص والعلاج في المستشفيات والمراكز الصحية، لما لمسته من معاناة للمواطنين والمقيمين بسبب حالات الزحام التي تتسبب فيها بعض الشركات من خلال قيامها بإحضار أعداد كبيرة من العمال بغرض الحصول على العلاج أو الإجازات بحمد الطبية.
وأضاف: المقترح في الوقت الحالي قدم للجنة الخدمات والمرافق لمناقشته مع المجلس الأعلى للصحة ومؤسسة حمد الطبية لتحديد الآليات المقترحة للتنفيذ، لما يراه البلدي من أهمية لمشروع التأمين الصحي على كافة العمال في قطر وما يترتب عليه من إبراز الوجه الحضاري لبلدنا.
وتابع: على الرغم مما يضعه قانون العمل من اشتراطات على الشركات بضرورة التأمين على عمالها، إلا أن غالبية هذه الشركات تتهرب اعتماداً على ما توفره مؤسسة حمد من خدمة طبية متميزة مجاناً، فمعظم مؤسسات القطاع الخاص تبحث عن الربح بعيداً عن الأضرار التي يمكن أن تلحقها بالآلاف من السكان.
وأكد المسلماني أن مؤسسة حمد شهدت ضغطاً كبيراً من الشركات خلال الفترة الأخيرة، فبعض هذه المؤسسات يلجأ إلى منح عمالها يوم إجازة وتعمد إلى نقلهم بأتوبيسات خاصة إلى حمد الطبية لتلقي العلاج، مما يزيد من الضغط على المراجعين، ففي بعض الأحيان تصل قوائم الانتظار إلى مئات ما يعني أن المرضى يظلون طوال اليوم في انتظار عمال في غالب الأحيان ليسوا بمرضى.
وأوضح أن الضغط يزداد بشكل كبير على قسم الطوارئ بحمد الطبية، رغم أن السواد الأعظم من رواد القسم ليسوا بحالات تحتاج إلى مراجعة الطوارئ، الأمر الذي يضاعف من آلام مراجعي هذا القسم الحيوي بالمؤسسة الطبية الأبرز في البلاد.
وأشار المسلماني إلى أن نسبة %50 من سكان قطر لم يتم التأمين عليهم، مبيناً أن المقترح الذي قام بتقديمه إلى المجلس البلدي تضمن هذه النسبة، بناءً على إحصاءات مبدئية للمراجعين في المستشفيات الحكومية ومقارنتها بأعداد العمال ، وهي نسبة كبيرة تعتمد على أن أغلبية سكان قطر هم من العمالة، التي يتم استقدامها للمشاركة في المشروعات التنموية.
وأضاف: عدد العمال في بعض الشركات يصل إلى 5000 عامل، ومع ذلك لا تقوم الشركة بالتأمين عليهم، فالمستثمر يبحث عن الربح، والتأمين على كل هذه الأعداد من العمال يكلفه ملايين الريالات ما يدفعه للتحايل على القوانين والاعتماد على الخدمات الطبية المجانية التي تكفلها الدولة لسكانها، غير عابئاً بما يمكن أن يترتب على هذا السلوك من أذى لآلاف المراجعين.
وأردف: وتلجأ بعض الشركات للكثير من الطرق للتحايل على التأمين، فالبعض يطبقه على بعض العاملين وعدم الاكتراث بالشريحة الأكبر من العمال، لتظهر للمراقبين أنها تهتم بحقوق العمال، وهي حالات تحتاج إلى رقابة دائمة على كافة الشركات، من أجل التثبت من مدى جديتها في الحفاظ على حقوق العاملين لديها.
وأشار إلى أن عدداً من المؤسسات تقوم بالتأمين على العاملين لديها وخصم قيمة التأمين من رواتبهم، وهو ما ينقص من حقوقهم الواجبة عليها، فالتأمين أحد حقوق العمال بعيداً عن أجورهم، وهذه الطريقة تعد التفافاً يجب أن يضعها المختصون قيد البحث عند وضع القانون الجديد.
وعن توقعاته حول قانون التأمين الصحي الجديد قال عضو المجلس البلدي عن دائرة المرخية: أتوقع بأن يتضمن القانون إجباراً لكافة الشركات للتأمين على جميع عمالها، ويجب الالتفات إلى المخالفات الجسيمة التي تقترفها هذه الشركات، وأن تشارك وزارة العمل بالرقابة عليها لضمان عدم تفلت المستثمرين من الحقوق المفروضة عليهم، فالتأمين أحد حقوق العمال وإهمال توفيره يستوجب عقوبات رادعة للمقصرين.
فرض التأمين الصحي
وأشار خبير التأمين محمد ماهر الجعبري مساعد الرئيس التنفيذي للشركة الإسلامية القطرية للتأمين إلى أن نسبة المؤمّن عليهم في قطر تتراوح بين %70 إلى %75 من إجمالي تعداد السكان، معرباً عن آماله بأن تصل النسبة إلى %100 وأن يكون التأمين على العمال إجبارياً على كافة المؤسسات.
وأوضح أن العمالة غير المؤمن عليها صحياً تتركز في الشركات الصغيرة؛ فغالبية المؤسسات الحكومية لا تكتفي بالتأمين على العاملين لديها بل تجبر المتعاونين معها على توفير التأمين لكافة العمال، وهي خطوة بناءة أسهمت في تقليل نسبة العمالة غير المأمن عليها، متوقعاً ألا تتجاوز النسبة %25 نظراً لكون غالبية الشركات العاملة في قطر هي للمقاولات، وتحتاج إلى التأمين على عمالها من أجل الحصول على المناقصات الكبرى.
وقال الجعبري: تتهرب بعض الشركات من التأمين على عمالها بشكل غير مباشر عن طريق خصم قيمة التأمين من الراتب، وهو التفاف على حقوق العمال ويعد مخالفة يجب أن نتصدى جميعاً لها، فالتأمين حق للعامل بعيداً عما يتقاضاه من راتب.
وأضاف: رغم عدم إجبار القانون لأصحاب الشركات للتأمين على العمال، إلا أن القانون الحالي يجبر المستثمر على تحمل ما يترتب على عدم اتخاذ هذه الخطوة، ففي حال حدوث إصابات للعامل أو حدوث حالات وفاة يتكفل صاحب العمل بعلاج العامل أو دفع الدية التي تصل إلى 200 ألف ريال، إلا أن توفير خدمات التأمين يعد أفضل للعامل.
وأردف: يجب أن يتضمن القانون الجديد تأميناً على كافة العمال ضد إصابات العمل، فالأضرار التي يعاني منها عدد كبير من السكان يجب أن يتم وقفها عن طريق إجراءات رادعة تضمن حقوقهم.
وأوضح الجعبري أن التأمين يضمن للعامل الكشف والعلاج عن إصابات العمل وما يترتب عليها، إلا أن بعض الأطباء يرى أحياناً أن الإصابة غير ناتجة عن عمل ولا يمكن أن يتحملها التأمين، مبيناً أن الكثير من العمال يشتكون من أعراض لا علاقة لها بإصابات العمل، كأعراض الصداع أو آلام المعدة وهي لم تندرج ضمن شريحة التأمين الخاصة بهم، فدفعهم لقيمة الأدوية في هذه الحالة لا يشكك في نزاهة شراكات التأمين ولا يعني تهربها من أداء واجباتها.
وأشار إلى أن قانون التأمين الصحي؛ والذي تم إصداره قبل قرابة خمسة أعوام؛ شهد العديد من التعديلات، إلا أن مظلة التأمين الصحي لا تشمل عدداً كبيراً من السكان في الوقت الحالي.
وأعرب الجعبري عن أمله في أن تتسع مظلة قانون التأمين الجديد لتشمل كافة سكان قطر، وأن يلتفت القائمون على إصدار القانون للتجارب المتقدمة في عدد كبير من بلدان العالم، مؤكداً على ضرورة إجبار جميع المؤسسات على توفير التأمين الصحي للعاملين لديها.
تحسين الخدمات الصحية
ومن جانبه قال رجل الأعمال عبدالعزيز العمادي نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر السابق: الوضع الراهن للمنظومة الصحية في قطر يؤكد أن رجال الأعمال محقون في عدم التأمين على عمالهم، فبإمكانهم تأمين خدمة صحية مجانية وأفضل من المستشفيات الخاصة للعاملين لديهم، فلما نلجأ إلى شركات التأمين؟
وأضاف: في حال فرض قانون التأمين الصحي الجديد على الشركات، فسيلتزم الجميع بما تقتضيه بنوده، ولكن واقع المؤسسات الصحية في قطر يحتاج إلى تحرك مسبق قبل اتخاذ هذه الخطوة، لتتمكن من استيعاب عشرات الآلاف من المراجعين.
وأكد العمادي أن الزحام في المستشفيات الخاصة فاق ما تشهده مؤسسة حمد الطبية، فالنسبة الأكبر من السكان تندرج تحت مظلة التأمين، وهذا الزحام يعد أحد الأسباب التي تدفع رجال الأعمال لعدم التأمين على العمال، فهم يحرصون على الوقت وتأخر العامل في المستشفيات لساعات طويلة يضيع الكثير على هذه الشركات.
وتابع: المستشفيات الخاصة ليس لديها الاستعداد الكافي للتأمين على كافة السكان، فالأسعار تزيد عن المعدلات المفترضة بكثير، وجودة الخدمات المقدمة أقل من المستشفيات الحكومية، فالأولى أن تقوم الجهات المعنية بتحسين الخدمة الصحية، بأن تفرض الرقابة المستمرة على كافة المؤسسات الصحية حفاظاً على جودة ما يقدم من خدمات، فهي الأكثر أهمية للمواطن والمقيم على حد سواء.
وأشار إلى ضرورة التروي قبل إصدار قرار إجبار الشركات بالتأمين على كافة عمالها، فالمؤسسات الصحية غير مؤهلة لاستقبال الأعداد الكبيرة التي يمكن أن تتحول إليها بمجرد اتخاذ القرار، موضحاً ضرورة عمل بحث استقصائي مسبق لهذه المستشفيات، وأن يتضمن مدى قدرتها على الاستيعاب، وجودة الخدمة المقدمة، وكذلك الأسعار التي تقوم بطرحها للمراجعين، فإن توافرت فيها كافة الاشتراطات يمكننا بعدها محاسبة الشركات على عدم تأمينها على العمال.
وبيّن أن توزيع الضغط الذي تشهده مؤسسة حمد الطبية على أكثر من مستشفى يعد خطأ جسيماً، فالكثير من العمال يلجؤون لمؤسسة حمد لأفضلية الخدمة الصحية التي تقدمها، لا لوجود تأمين عليهم من عدمه، فالالتفات لتجويد الخدمة الصحية يعد السبيل الأمثل للتخلص من هذا الزحام.
وأوضح العمادي أن عدد المستشفيات الخاصة في قطر يعد أحد مشكلات القطاع الصحي، فقد تضاعف عدد السكان في قطر من عام 1997 إلى عام 2010 ثلاث مرات، فكان نصف مليون نسمة فقط، وبعد ما يقرب من عقد صار تعداد السكان مليونين ونصف المليون نسمة، ولم يتم إنشاء مؤسسات صحية جديدة تستوعب هذه الزيادة، مؤكداً أن عدد المستشفيات الخاصة التي يمكن الاعتماد عليها لا يتجاوز الثلاثة مستشفيات، أما الباقي فهي عيادات لا يمكن أن توضع ضمن حسابات القائمين على القطاع الصحي.
وأشار إلى أن الاستناد إلى تقارير شركات التأمين أو المستشفيات الخاصة حول ضرورة توسعة مظلة التأمين يعد خطأ كبيراً، فهذه المؤسسات تبحث عن الربح بعيداً عن مدى جدوى الخدمة المقدمة للجمهور.
وأكد أن التأمين ليس باب ظلم من الشركات للعمال، فرجال الأعمال يحرصون على أوقات مؤسساتهم، وتواجد العمال لساعات طويلة في المستشفيات يهدر أوقات وأموال هذه الشركات، ويجب أن تكون المنظومة الصحية بنفس القدر من التقدم الذي تحققه دولة قطر.
وعن قانون التأمين الصحي المرتقب إصداره قال العمادي: آمل أن يلتفت القانون الجديد لجاهزية المستشفيات، وجودة الخدمات التي تقدمها، والأسعار التي يشتكي منها الجميع، قبل أن يُفرض التأمين على كافة الشركات، فتحسين الخدمات أولى من فرض خدمة غير جيدة.