

شهدت الجلسة الخامسة من جلسات «الخيمة الخضراء»، ضمن برنامج «لكل ربيع زهرة» عضو مؤسسة قطر، والتي أُقيمت عن بُعد عبر تقنية الاتصال المرئي (زووم)، نقاشًا موسعًا وعميقًا حول استراتيجيات مواجهة تحديات الأمن الغذائي والمائي في المنطقة العربية، في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من تحولات مناخية واقتصادية وجيوسياسية متسارعة.
واستقطبت الجلسة نخبة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين في مجالات المياه والزراعة والاستدامة، حيث تركز الحوار على قراءة الواقع الراهن، وتحليل التحديات البنيوية، وطرح حلول عملية قائمة على التكامل بين السياسات العامة والابتكار التكنولوجي والتعاون الإقليمي.
في مستهل الجلسة، أكد د. سيف بن علي الحجري، رئيس البرنامج، أن الأمن الغذائي والمائي لم يعدا ملفين قطاعيين منفصلين، بل يمثلان معًا ركيزة أساسية للاستقرار الوطني والتنمية المستدامة. وأوضح أن المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجهان مجموعة من التحديات المركبة التي تتداخل فيها العوامل البيئية والاقتصادية والديموغرافية والسياسية.
وأشار إلى أن أول هذه التحديات يتمثل في شحّ المياه المزمن، حيث تعد المنطقة من أكثر مناطق العالم جفافًا، ولا تمتلك سوى نحو 1.4% من موارد المياه العذبة عالميًا، في وقت يستهلك فيه القطاع الزراعي أكثر من 80% من الموارد المائية المتاحة. كما أن السياسات السابقة التي اعتمدت على ضخ المياه الجوفية غير المتجددة لتحقيق الاكتفاء الغذائي أدت إلى استنزاف جزء مهم من المخزون الاستراتيجي، ما يفرض اليوم ضرورة إعادة هيكلة أنماط الاستخدام وتبني إدارة أكثر استدامة للموارد.
وأضاف أن الاعتماد الكبير على الواردات الغذائية يمثل تحديًا آخر، إذ تستورد الدول العربية نحو 65% من احتياجاتها الغذائية، خاصة الحبوب، ما يجعلها عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية، سواء من حيث الأسعار أو سلاسل الإمداد. وقد كشفت الأزمات العالمية الأخيرة هشاشة هذا الاعتماد وأبرزت الحاجة إلى تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزونات استراتيجية آمنة.
كما شدد على أن تغيّر المناخ يضاعف من حجم المخاطر، إذ تؤدي موجات الحرارة المرتفعة، وتراجع معدلات الأمطار، وزيادة فترات الجفاف، إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية وارتفاع الطلب على المياه، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية. ويأتي ذلك بالتزامن مع النمو السكاني المتسارع، الذي يرفع الطلب على الغذاء والمياه، إضافة إلى التوسع العمراني غير المنضبط الذي يلتهم الأراضي الزراعية الخصبة.
ولفت إلى تدهور الموارد الطبيعية من خلال التصحر والتملح وتراجع خصوبة التربة، فضلًا عن تأثير النزاعات في بعض الدول العربية على البنية التحتية الزراعية وتعطيل الأسواق وسلاسل التوريد، ما يفاقم هشاشة الأمن الغذائي في المنطقة.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد بن سيف الكواري أن الموارد المائية والزراعية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن التوسع الزراعي وتزايد الطلب على المياه في ظل محدودية الموارد الطبيعية يفرضان ضرورة تبني استراتيجيات مستدامة مدعومة بابتكارات تقنية متقدمة. وأشار إلى أن أبرز أدوار الاستدامة تتمثل في ضمان استمرارية الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي. وتعزيز النمو الاقتصادي من خلال رفع كفاءة استخدام المياه ومواجهة آثار التغير المناخي، خاصة في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
وبيّن أن من أهم التحديات التي تواجه إدارة الموارد المائية ندرة المياه، وضعف التكامل المؤسسي، وارتفاع تكلفة التقنيات الحديثة، مؤكدًا أهمية تطوير أطر حوكمة قوية وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
تبادل الخبرات والبيانات
وفي محور التعاون، أكد المشاركون أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتم بمعزل عن إطار إقليمي متكامل، نظرًا لتشابه الظروف البيئية والمناخية، وترابط الأسواق، وتشابك المصالح. ودعوا إلى تعزيز تبادل البيانات والخبرات، وتطوير مشروعات مشتركة في مجالات تحلية المياه، والزراعة الذكية، وإدارة الموارد العابرة للحدود، بما يعزز القدرة الجماعية على التكيف والصمود.
وشددت المداخلات على أن الاستدامة لم تعد خيارًا نظريًا، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لاستمرار التنمية. ففي المجال الزراعي، تم التأكيد على ضرورة دعم التكنولوجيا الزراعية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء لتحليل البيانات المتعلقة بالتربة والمناخ والإنتاج، بما يسهم في تحسين كفاءة العمليات الزراعية وتقليل الهدر. كما تمت الإشارة إلى أهمية استخدام تقنيات التعبئة الذكية وسلاسل الإمداد المبردة للحد من الفاقد الغذائي، الذي يمثل نسبة كبيرة من الإنتاج في بعض الدول.
أما في مجال إدارة المياه، فقد ركزت النقاشات على تحسين كفاءة أنظمة الري عبر التحول إلى تقنيات الري الحديثة والذكية، واستخدام أدوات التحليل والتنبؤ المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لرصد الاستهلاك، واكتشاف التسربات، ومراقبة جودة المياه. وأكد المتحدثون أن الإدارة الرقمية للموارد المائية يمكن أن تسهم في تقليل الفاقد، ورفع كفاءة الاستخدام، وتعزيز القدرة على التخطيط المستقبلي.
وفيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي في ظل التغيرات الراهنة، دعا المشاركون الدول إلى تبني استراتيجيات وطنية واضحة للاكتفاء الذاتي في المحاصيل الاستراتيجية، مع مراعاة الاعتبارات البيئية وكفاءة استخدام المياه. كما شددوا على أهمية تنويع الشركاء التجاريين لتأمين الواردات وتقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، إلى جانب بناء مخزونات استراتيجية مدروسة من السلع الأساسية لمواجهة الأزمات. كما تم التأكيد على دعم الابتكار المحلي وتشجيع الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الزراعية والغذائية، مثل مزارع البحر الأحمر، التي تقدم حلولًا زراعية تتناسب مع البيئات الحارة والجافة، إضافة إلى تعزيز البحث العلمي لتطوير تقنيات ملائمة لخصوصية المنطقة.
ولم يغفل الحضور البعد الاجتماعي، حيث أكدوا ضرورة تعزيز برامج الحماية الاجتماعية لضمان وصول الغذاء إلى الفئات الأكثر احتياجًا، ومعالجة الفوارق الاقتصادية التي قد تعيق حصول بعض الشرائح على غذاء كافٍ ومغذٍ، بما يحقق أمنًا غذائيًا شاملًا لا يقتصر على وفرة الإمدادات فحسب، بل يشمل العدالة في التوزيع والجودة الغذائية.
واختُتمت الجلسة بعرض حزمة متكاملة من الاستراتيجيات المقترحة التي تهدف إلى إحداث تحول نوعي في إدارة ملفي الأمن الغذائي والمائي، حيث شدد المشاركون على أهمية تطبيق تقنيات الري الذكية وتعميمها على نطاق واسع لرفع كفاءة استخدام المياه، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد المائية والزراعية من خلال التحليل والتنبؤ وتحسين التخطيط. كما دعوا إلى توطين التكنولوجيا الزراعية وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية لضمان مرونة الأسواق، مع تنويع الواردات وبناء مخزون استراتيجي مستدام يحد من المخاطر الخارجية. وأكدوا كذلك ضرورة دمج مبادئ الاستدامة في السياسات الزراعية والمائية، وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، وتقديم حوافز للمزارعين لتبني الممارسات الحديثة، فضلًا عن تعزيز الشراكات الإقليمية والانخراط في المبادرات الدولية لتبادل المعرفة والتكنولوجيا. وفي ختام أعمال الجلسة، أجمع المشاركون على أن تحقيق الأمن الغذائي والمائي يمثل حجر الزاوية في استقرار الدول وتنميتها، وأن القدرة على تحويل التحديات إلى فرص عبر الابتكار والتكامل والتخطيط الاستراتيجي ستشكل العامل الحاسم في رسم مستقبل أكثر استدامة ومرونة للمنطقة.