

إن القارئ المدقق المتأمل لرواية «راعي العليا» للدكتور خالد بن غانم المعاضيد، ينتبه من الكلمة الأولى لدعوته للجزيرة الفاضلة، أو المدينة الفاضلة، التي رغم أنها يوتيوبيا لمجتمع خيالي مثالي يتحقق فيه الكمال، ويتحرر من الشرور التي تُعاني منها البشرية، إلا أنها قد تتحقق، فالفلاسفة القدامى والمحدثون حملوا تلك الدعوة منذ جمهورية أفلاطون (427-347ق. م.) مرورًا بمدينة الفارابي (874-950م) وانتهاءً بيوتوبيا كارل بيكر (1873-1945)، وذلك في تصور فلسفي ينشد انسجام الإنسان مع نفسه والآخرين ومجتمعه، عبر عنه في شكل أدبي روائي وفق تصور كامل لنظريات تنظيمات الحياة عند السياسي الإنجليزي توماس مور (1478-1535)، ونظريات فلسفة التاريخ عند الفيلوف الفرنسي كوندورسيه (1743-1794).

يرى المعاضيد أن تلك الجزيرة الفاضلة أو المدينة الفاضلة، والتي جعلها مجهولة الزمان والمكان، لتكون صالحة للتطبيق في أي مكان وأي زمان؛ هي تلك التي يعيش فيها أمة يتكلمون اللسان الواحد، ويؤمنون بعقيدة واحدة، وينعمون بالاستقرار والأمن والأمان، والسلم والسلام النفسي والروحي والاجتماعي، ويحكمهم حاكم عادل، يتفقد أحوال رعيته، يُشاركهم أفراحهم وأطراحهم، «فهو واحدٌ منهم»، يتفقد ضعيفهم، وينصح غنيهم، «واعتبروه أبًا لهم»، ويُبرز قيمة ودور العلم والعلوم والتعليم في تلك المدينة، وذلك بحرص الأم على أن تُعلِّم أصغر أبنائها، ليتواكب مع العصر وعلومه، فكان شاعرًا، ينشر السلام بين الناس، فكسب حبهم، وذات يومٍ يلتقي بالصياد العجوز، الذي يركب البحر بين الهوام من الحيتان والقروش؛ من دون خوف؛ بعكس أهل الجزيرة، الذين يتوارثون خوفًا من البحر جيلًا عن جيلٍ، من دون أن يدفع أحدهم فضول الاستكشاف، ويكشف في دلالة رمزية العلاقة بين الهوام، والتي قد يكون يقصد بها القوى الكبرى، التي تتصارع من حول هذه الجزيرة الصغيرة، والتي تربطها بها علاقة «تبادل المصالح»، وهذه المصلحة هي التي تدفعها لحمايته والذود عنه، ولهذا يشعر هذا الابن الصغير، وقد تملّكه الفضول المعرفي؛ برغبة عارمة في ركوب عُباب البحر، ولجُاجه، وهنا نلمس بين كلماته العبر والحظات والحكم، «فالشجاع مُنجى، والكريم مُعان»، ونلحظ الدلالة الرمزية لصيحة النخوة، التي رددها كل من العجوز والشاب «راعي العليا»، وكأنها التحية الوطنية، التي يرددها الأبناء صباح كل يوم دراسي تعبيرًا عن حبهم لوطنهم ولأمتهم ولهويتهم وانتمائهم.
يتبدل المشهد في الجزيرة الفاضلة برحيل الحاكم العادل، الذي يجمع أبناءه الستة قبل موته، ويوصيهم بأهل الجزيرة خيرًا، وبعدم التنازع، ففيه الفشل، ويحمل بين طياته نواة الضعف أمام الأعداء، كما يوصيهم بالرحمة والعطاء، وبلطيف الكلام، «فالكلمة الطيبة صدقة»، و»الكلمة الطيبة شُعبة من شُعب الإيمان»، و»تبسمك في وجه أخيك صدقة»، إلا أن اللحظة تتبدل في ثانية، فبعد أن يسود الصمت لبرهة، في أعقاب رحيله إلى الرفيق الأعلى، تكون أولى الكلمات، التي تقطع هذا الصمت القاتل، هي مطالبة أحد الإخوة بنصيبه من الميرات، فيتقاسم الإخوة التركة، ويرحل ثلاثة منهم إلى جزيرة أخرى، ويتغير الاثنان الآخران، فيتنمران بأهل الجزيرة، وتتغير طبائعهما ومعاملاتهما مع أهل الجزيرة، فيرفضون مشاركة أهل الجزيرة أفراحهم وأحزانهم، ومجلسهم الكبير، الذي يحمل دلالة الأُلفة والمودة والرحمة، وتتبدل أوضاع الجزيرة بعدما يحيق بأهلها الظلم، ويتحول ربيعها إلى الخريف، وتتساقط أوراق محبتها، ويتغير الإنسجام بين أهلها، ويتبدل السلام، وتتلاشى المحبة، ويسود الظلم والقهر، وتتحول الجزيرة لبركان خامل، ينتظر لحظة الانفجار، ليقذف بحممه البركانية.
وسط هذه الأجواء اليائسة، يأتي الأمل من الابن الأصغر، الذي حرصت أمه على تعليمه، وكان يقرض الشعر، وينشر السلام أينما ذهب، فيظل محافظًا على وصية والده، رغم ضغط إخوته عليه، فيقود أهل الجزيرة في رحلة التحرير، فيحررهم أولًا من الهوام المحيطة بهم في البحر، ويُقرر جمع شتات الجزيرة مرة أخرى، فيردم الممر الفاصل بين شطريها، ويُدرب شباب الجزيرة على ركوب البحر، فيصطادون ويتاجرون، فتنمو تجارتهم، ويزدهر اقتصادهم، ويتحررون من الماضي، فيطردون الإخوة الظالمين إلى المجهول، إلى الغيب، وهم يتطلعون إلى المستقبل المشرق، مع شفق شروق شمس يومٍ جديد.
نلحظ بين كلمات الرواية الكثير من الكلمات ذات الدلالة التراثية القطرية، كالمجلس، ودوامات الربيع، وصيحة النخوة «راعي العليا»، والتي اتخذها عنوانًا لروايته، كما نلمس بأيدينا القيم النبيلة، التي يحاول المؤلف أن ينبهنا إلى ضرورة التمسك بها، والعض عليها بالنواجز، كالمحبة والسلام والإخاء، وإغاثة المضيوم، والأخذ بالعلوم، لنقود سفينة الوطن إلى بر الأمان، فها هو أصغر الإخوة، بفضل هذه الصفات، ينجح في أن يقود أبناء الجزيرة في الحاضر، ويستشرف لهم المستقبل.