تربويون: حظر الرحلات على الطلاب يقتل المواهب ويجعل بيئة «المستقلة» كئيبة
تحقيقات
02 ديسمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - هناء الرحيم
بعد قرار المجلس الأعلى للتعليم بحظر تنظيم الرحلات الترفيهية للطلاب في جميع المراحل الدراسية خلال العام الأكاديمي الحالي، وإرساله تعميما من مكتب المدارس المستقلة يؤكد فيه منع جميع الرحلات الترفيهية للطلاب بشتى أنواعها منعا باتا ملزما لكل المدارس.
وفي حالة ما إذا كانت المدرسة ترغب في القيام بأي نشاط غير مدرج في الخطة فإنه يتعين على مدير المدرسة مخاطبة مكتب المدارس المستقلة بخطاب رسمي قبل مدة زمنية لا تقل عن شهر من موعد القيام بالنشاط.
وكان المجلس أصدر تعميما في نهاية العام الأكاديمي الماضي إلى المدارس يتضمن ضرورة أن تقدم المدرسة خطة الأنشطة اللاصفية كاملة لمكتب المدارس المستقلة لاعتمادها قبل تنفيذها.
وأصدرت هيئة التعليم بالمجلس الأعلى للتعليم في وقت سابق كتيبا يشرح سياسة الأنشطة اللاصفية في المدارس المستقلة وأهميتها، أكدت فيه حرص الهيئة على إبراز مواهب الطلاب وتنمية مهاراتهم خارج نطاق المواد الدراسية وإيمانها بأهمية تشجيع الأنشطة التي تلبي احتياجات الطلاب وتعزز من قدراتهم الفردية من خلال برامج وفعاليات مبنية على أسس تربوية وسلوكية، حتى يكتسب الطلاب المهارات التي تنمي فيهم السلوكيات الإيجابية وتثير الدافعية نحو التعلم والاعتماد على النفس ومجابهة الحياة.
ومن الثابت علميا أنه بإمكان المعلم من خلال الأنشطة اللاصفية تغطية أهداف الدرس التي لم تتحقق خلاله. وأظهرت الدراسات والأبحاث أن الطلبة الذين يُشاركون في أنشطة لاصفية أكثر ارتباطًا بمدارسهم ويُؤدون بشكل أفضل أكاديميا من غير المشاركين في مثل هذه الأنشطة.
كما أن وجود برنامج متنوع من الأنشطة اللاصفية من شأنه المساعدة على تحديد نقاط قوة الطلبة ومعرفة مواهبهم، وإثارة التحدي لديهم لتجربة شيء جديد، حيث تُعد مشاركة الطالب جزءًا من التقييم الذي قد يخضع له الطلاب للاستغلال الأفضل للوقت المتاح في المدرسة وإدراك القدرات والمواهب أيضًا، التي من المتوقع أن تكون لديهم. إلى ذلك يعد وجود أنشطة متنوعة من الجوانب المهمة لتطوير المهارات الفردية والاجتماعية وتعزيز التعلم.
ويبدو أن هذا القرار أثار حفيظة عدد كبير من الطلاب لدرجة وصل الأمر ببعض البرلمانات الطلابية بالمدارس الإعدادية مطالبة المجلس الأعلى للتعليم بالعدول عن قرار إلغاء الرحلات الترفيهية لطلاب المدارس، على اعتبار أن الترفيه حق مكتسب للطفل، فضلا عما لتلك الرحلات من فوائد علمية وتربوية واجتماعية.
أما مديرو المدارس فقد تباينت الآراء فيما بينهم, فهناك من كانوا مع القرار ورأوا فيه عملية تنظيمية, أما المعارضون له فاعتبروا أنه إجراء روتينيا يقتل مواهب الطلاب ويجعل بيئة المدارس المستقلة كئيبة.
يقول الأستاذ حزام الحميداني مدير مدرسة الرازي الإعدادية المستقلة للبنين إن المجلس الأعلى للتعليم طلب من جميع المدارس المستقلة تحديد خطة الأنشطة اللاصفية للعام الدراسي 2012-2013 منذ نهاية العام الماضي, وبالفعل تم إرسال الخطة ومناقشتها عدة مرات ومن ثم اعتمادها، ويشير الحميداني أن النقطة السلبية بالموضوع أن هناك بعض الأنشطة التي تستجد خلال العام الدراسي. ويؤكد الحميداني أن ذلك يسبب إرباكا للمدرسة في كثير من الأحيان, خصوصا عندما تقوم بعض المؤسسات بإرسال طلب إلى المدرسة بمشاركة طلابنا في نشاط محدد تنظمه قبل مدة وجيزة، وتبعا لأن هذه المشاركات تحتاج موافقات من أولياء الأمور والأعلى للتعليم نضطر الرد بالرفض في كثير من الأحيان.
ولا ينفي الحميداني أنه مع تقنين الأنشطة اللاصفية، لافتا إلى أنها في كثير من الأحيان تكون على حساب ساعات التمدرس في بعض المدارس. ويقول إنه لاحظ تذمرا كبيرا من الطلاب في المدارس بسبب تقييد الأنشطة اللاصفية.
سلبيات القرار
أما الأستاذة أمل البوعينين مديرة مدرسة بلال بن رباح النموذجية فقالت إن قرار الأعلى للتعليم بتقييد الأنشطة اللاصفية فيه نقاط إيجابية وأخرى سلبية. وتوضح أن القرار اتخذ لضمان أمن وسلامة الطلاب, وحرص المجلس الأعلى للتعليم على شروط ومعايير سلامة الطلاب في الرحلات, كما أن هدفهم رفع التحصيل الأكاديمي والحد من الأنشطة اللاصفية التي تؤثر على ساعات التمدرس, الأمر الذي يؤثر على مستوى الطالب الأكاديمي. في المقابل ترى البوعينين أن الجانب السلبي بالقرار أنه يؤثر على سلوك الطلاب, حيث إن الحد من الرحلات الخارجية أدى إلى ظهور السلوك السلبي من قبل الطالب بشكل واضح, حيث إنه أصبح أكثر نشاطا ولديه طاقة, وبات من الصعب على المدرسة التحكم فيه، كما أنه ونظرا لضغط المواد التدريسية فإن استيعابه أثناء الحصة تأثر كثيرا. وتعتقد البوعينين أن الأنشطة اللاصفية الجاذبة كانت تفرغ الطاقة لدى الطالب. وتضيف: كما أن هذه الأنشطة تعتبر من أساليب تعزيز العملية التربوية وتدعم الجانب الأكاديمي إذا كانت مدروسة.
وتشير البوعينين إلى أن هناك أنشطة تستجد خلال العام الدراسي تتوافق مع مقتضيات المؤسسات الخارجية, والتي قد لا يكون للمدرسة أي فكرة بمواعيد إقامتها إلا في حينه أو قبل فترة وجيزة، مضيفة أن اتخاذ الإجراءات الإدارية الروتينية يعيق هذه الأنشطة التي يفترض بالقائد التربوي, أي مدير المدرسة, أن يحدد إن كان هذا النشاط يتوافق مع رؤية المدرسة. وتشدد على ضرورة أن يكون هناك نوع من المرونة في هذه القرارات.
وترى أنها مع قيام المجلس الأعلى للتعليم بوضع قوانين ومعايير تحدد أمن وسلامة الطلاب من دون فرض أمور بعينها.
من جانب آخر تعتقد البوعينين أن هناك تضاربا وتعارضا بين عدد ساعات التطوع المطلوبة من كل طالب في المرحلة الثانوية والتي تصل إلى 25 ساعة سنويا, وبين قرار الحد من الأنشطة اللاصفية, حيث إن كثيرا من الطلاب يعتمدون على هذه الأنشطة لإكمال ساعات التطوع المطلوبة.
ضمان لأمن الطلاب
أما الأستاذة فوزية الكواري مديرة مدرسة جوعان بن جاسم الابتدائية المستقلة فترى أن هناك سوء فهم يجب أن يوضح، مشيرة إلى أن الأعلى للتعليم لم يلغ الأنشطة اللاصفية ولكنه طلب من كل مدرسة تقديم خطة عن أنشطتها منذ نهاية العام الدراسي الماضي, حتى تتم دراسة الخطة واعتمادها من قبلهم، وتشير إلى أن ما يستجد من أنشطة خلال العام يتم رفعه إلى الأعلى للتعليم لأخذ الموافقة عليه.
وتؤكد تأييدها لقرار تقنين الأنشطة اللاصفية, حيث إنها تتضمن أجندة بالتواريخ والأشهر وتشدد على أخذ موافقة ولي الأمر, كما أن فيها ضمانا لأمن وسلامة الطلاب.
بدورها تقول الأستاذة مريم العوضي مدير مدرسة زينب الإعدادية المستقلة بنات إن هذا القرار يأتي حفاظا على أمن وسلامة الطلاب، مشيرة إلى أن الأعلى للتعليم قام بإلغاء الرحلات إلى الأماكن الترفيهية الغير الهادفة.
وتدعو العوضي إلى النظر للقرار من جانب إيجابي، ففي حين أن القرار سلبي لطلاب المدارس الذين امتعضوا منه، إلا أنها ترى أنه إيجابي لمديري المدارس ويخلي مسؤوليتهم.
وتؤكد العوضي رفضها مشاركة طلابها في أي نشاط لاصفي يبلغون فيه من قبل المؤسسات قبل يوم أو يومين, حيث إن موافقة الأعلى للتعليم تتطلب أسبوعا على الأقل.
عملية تنظيمية
وفي سياق متصل، يرى الأستاذ خالد القحطاني مدير مدرسة ابن خلدون الإعدادية أن القرار هو عبارة عن عملية تنظيمية من قبل الأعلى للتعليم, حتى لا تقع مشاكل, ولمراعاة المدارس شروط الأمن والسلامة، لافتا إلى أن جميع المدارس عرضت على الأعلى للتعليم خطتها للأنشطة اللاصفية قبل بداية العام الدراسي الحالي. وعن الأنشطة المستجدة يشير إلى أن المدارس تخاطب الأعلى للتعليم بشأنها, على الأقل قبل شهر.
ولا ينكر أن القرار هو عملية تنظيمية أكثر منه عملية مرنه، لافتا إلى أن المبالغة بالأنشطة قد تضر بمصلحة التعليم بحسب قوله, لأن الأنشطة يمكن أن يُساء استخدامها من قبل المدرسة نفسها والمبالغة فيها أو عدم التقيد بشروط الأمن والسلامة.
من جهتها، تقول الأستاذة شيخة الشهراني مديرة مدرسة عبدالله بن تركي النموذجية: إن القرار هو عمل تنظيمي للمدارس ويتماشى مع المصلحة العامة لصالح تحسين التحصيل الأكاديمي. وتشير إلى أنه في الوقت الحالي أصبحت هناك أولوية للمنهاج الدراسي ومتطلبات التعليم، كما أن الهم الأساسي للمدارس بات تعزيز مهارات القراءة والكتابة. وترى أن الأنشطة اللاصفية يمكن الإشراف عليها من قبل الأهل بتوجيه من المدرسة. وتعتبر أن هناك أمورا في التعليم لها أولوية على الأنشطة اللاصفية.
المستقلة مكان كئيب
من جهة ثانية، يعتبر الأستاذ غلوم عبدالله صاحب ترخيص الدوحة الإعدادية والثانوية المستقلة أن التعليم القائم على حفظ العقول للمعلومات والحقائق هو تعليم غير مناسب للتطور الهائل الذي نواكبه في حياتنا المعاصرة، لافتا إلى أن هدف التربية الحديثة هو تفجير طاقات المتعلم. ويعتقد أن التربية لا تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية التلميذ, بل تتناوله ككل.
ويؤكد أن كل طالب له ميوله ورغباته واستعداداته، وله جوانب عقلية واجتماعية ونفسية, من هنا تأتي أهمية الأنشطة اللاصفية في حياة أبنائنا الطلاب، ويعتبر أنها تقوم بتفعيل دور المنهج الدراسي، وتثبت كثيراً من مفاهيمه، كما أنها تسهم في كشف الميول والمواهب والقدرات لدى الطلاب، وتعمل على تنميتها بالشكل الإيجابي الصحيح، وكذلك تساعد في توثيق الصلة بين الطالب وزملائه من جهة، وبينه وبين معلميه وإدارة المدرسة والأسرة والمجتمع من جهة أخرى، وتهيئ الطلاب لمواقف تعليمية شبيهة بمواقف الحياة، مما يترتب عليه سهولة استفادة الطالب مما تعلم عن طريق المدرسة في المجتمع الخارجي، وانتقال أثر ما تعلمه إلى حياته المستقبلية. كذلك يؤكد أنها تسهم في رفع الوعي الصحي والثقافي عند الطلاب من خلال الأنشطة الرياضية والكشفية وجمعيات العلوم والمحاضرات والندوات، وتلبي الحاجات الاجتماعية والنفسية لدى الطالب كالحاجة إلى الانتماء الاجتماعي والصداقة وتحقيق الذات والتقدير, وتساعد الطالب على التخلص من بعض ما يعانيه من مشكلات القلق والاضطراب والانعزال. ويرى أن الأساس الذي تقوم عليه الأنشطة اللاصفية هو الطالب لأنه محور العملية التعليمية، ولهذا أصبحت الأنشطة التي يقوم بها المتعلم جوهر عمل مخططي المنهاج والعاملين على تطويره وتنفيذه.
إن المدرسة المعاصرة والمتطورة تهدف إلى مساعدة طلابها على النمو السوي جسميا وعقليا واجتماعيا وعاطفيا حتى يصبحوا مواطنين مسؤولين عن أنفسهم ووطنهم، وحتى يفهموا بيئاتهم الطبيعية والاجتماعية والثقافية بكافة مستوياتها، ولن يتحقق ذلك من دون تعزيز مختلف أنواع الأنشطة التي تساعد على تكوين عادات ومهارات وقيم وأساليب تفكير لازمة لمواصلة التعليم وللمشاركة في التنمية الشاملة.
ويضيف: كما أن الطلاب الذين يشاركون في النشاط لديهم قدرة على الإنجاز الأكاديمي, وهم يتمتعون بنسبة ذكاء مرتفعة.
ومن هنا يرى أن المدارس الخاصة تلقى ميلاً إليها من قبل الطلاب أكثر من المدارس المستقلة، فهم أول ما يذكرون فيها من حسنات كثرة الرحلات الترفيهية، وهذا ما يجعل المدارس المستقلة في نظر بعضهم مكاناً كئيباً لا تتوافر فيه مزايا الترفيه والترويح عن النفس والمسابقات واليوم المفتوح، بل إن بعض الطلاب ما إن تسألهم ما أبرز سلبيات المدارس المستقلة، حتى يذكر لك أولاً قلة الأنشطة والفعاليات والرحلات الترفيهية والتي لم تعد تتميز بالمرونة السابقة. ويثير عبدالله نقطة التعديل على خطة الأنشطة في حال رغبت المدرسة في تنفيذ نشاط ما بأنه لا بد أن يحظى بموافقة المجلس، وذلك بعد انتظار شهر كامل، معتبرا أن هذا الروتين يحرم الطلاب من المشاركة في مسابقات أو فعاليات وأنشطة طارئة تسهم في مواكبة ما يستجد في المجتمع الخارجي، أو المجتمعات المدرسية بين بعضها البعض.
ويؤكد أن الأنشطة اللاصفية بمختلف أنواعها وجماعاتها تسهم -في حال انتسب الطالب إلى إحداها- في بناء الجانب النفسي والثقافي والاجتماعي والقيمي والجمالي والحركي عند إنسان المستقبل، مستندا في كلامه إلى بعض الدراسات التي تبين أن الطلاب المشاركين في برامج النشاط المختلفة يتمتعون بروح قيادية, وثبات انفعالي, وتفاعل اجتماعي، كما أنهم أكثر ثقة في أنفسهم، وعلاقاتهم إيجابية مع الآخرين.
وفي هذا الإطار يشدد عبدالله على أن كل نشاط يمارسه الطلاب في فناء المدرسة أو خارجها يجب أن يكون محاطاً بعين العناية والاهتمام والمتابعة من قبل المشرفين المختصين من خلال توفير اشتراطات الأمن والسلامة، والتواصل مع أولياء الأمور أولاً بأول، مع ضرورة مراعاة كل نشاط أن يُنفذ لمبادئ الدين الإسلامي الحنيف، بحيث يعزز روح الانتماء والهوية والمواطنة، ويفعل الإطار العام للتربية القيمية والثقافة الأسرية والبحث العلمي.
مؤسسات تضررت من القرار
وفي سياق متصل، التقت «العرب» بمسؤولة عن أنشطة الطلاب في إحدى المؤسسات التي تعتمد في كثير من أنشطتها على طلاب المدارس، فضلت عدم ذكر اسمها. تقول إن كثيرا من أنشطتهم التي يغذيها الطلاب تضررت من جراء قرار الأعلى للتعليم بضرورة أخذ موافقات من الأعلى للتعليم على الأنشطة اللاصفية, على الأقل قبل شهر، وتشير إلى أن أنشطتهم غالبا ما تحدد مواعيدها قبل أسبوع, وهي مفيدة جدا للطلاب, فيها جانب ثقافي وتعليمي وترفيهي. وتؤكد أن مؤسستهم تلقت اعتذارات بالجملة على عدد كبير من الدعوات التي وجهت للمدارس لمشاركة طلابها في نشاط معين.