الكاتب محمد تركي الدعفيس لـ «العرب»: لم أكتب «مدينة يسكنها الجنون» من أجل جائزة كتارا

alarab
المزيد 02 نوفمبر 2025 , 01:23ص
محمد عابد

المثقف السوري اليوم أمام هامش حرية أوسع.. وروايتي الفائزة تجربة إنسانية وفكرية 
الذكاء الاصطناعي مهما تطور لا يستطيع أن يمنح النص روح الإنسان أو بصمته الفريدة
مثقفو وطني يمكنهم المساهمة في بلورة الوعي العام ودفع المجتمع نحو الاستقرار

 

يعدّ الكاتب والروائي السوري محمد تركي الدعفيس أحد أبرز الأسماء الأدبية التي برزت في السنوات الأخيرة، وقد اختار العيش في المهجر جسدا لكن إبداعه ووجدانه لم يغادر الوطن.
«العرب» التقت الدعفيس المقيم في السويد، على هامش مشاركته في مهرجان كتارا للرواية العربية، مؤخرا، حيث فاز بجائزة كتارا للرواية العربية عن روايته الشهيرة “مدينة يسكنها الجنون” في نسختها العاشرة ويشارك هذا العام بتوقيع الرواية والصادرة بالانجليزية عن دار كتارا للنشر.
تحدث الدعفيس عن تجربته الأدبية، وأعماله الروائية، ورؤيته لدور المثقف السوري اليوم، وتأثير التكنولوجيا الحديثة في الكتابة. وإلى نص الحوار:
◆ لنبدأ من رواية “مدينة يسكنها الجنون” التي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية، ما مضمونها وأبرز القضايا التي تطرحها؟
¶ هي رواية يمكن تصنيفها ضمن الروايات الاجتماعية، تتناول حكاية مدينة منسية ومهملة، تقع على هامش كل شيء، لا يُذكرها أحد إلا حين يريد أن يلوك الحكايات القديمة.
أهل هذه المدينة لا يفعلون شيئًا سوى تكرار القصص نفسها، جيلاً بعد جيل، وكأن الزمن توقف فيها، فالرواية في جوهرها إدانة للتهميش؛ فالمدن المهمشة كما أقول دائمًا تُنتج أفرادًا مهمشين، ومن يفرّ منها ينجو، ومن يعلق فيها يغرق.
تبدأ الرواية بجريمة قتل غامضة لطبّال منسي، لا أحد يكترث لموته، ولا أحد يسأل من قتله أو لماذا. تمضي الحكاية سريعًا في النسيان. لكن ابنه الوحيد، البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، يبدأ بالمقارنة بين مصير والده المنسي ومصير آخرين من علية القوم، مثل المختار الذي تتزاحم الأكتاف والأقدام في عزائه حتى الشارع، بينما لا يحضر عزاء الطبال سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص.
ومن هنا، يبدأ الابن في ترويع المدينة، مرتكبًا ست جرائم قتل متتالية، في رسالة رمزية عن التمرد على الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي.

المدن المهمّشة
◆ موضوع المدن المهمّشة ليس جديدًا في الرواية العربية، فما الذي أضفته في “مدينة يسكنها الجنون” من طرح جديد؟
¶ صحيح، تطرقت روايات عربية عديدة إلى قضايا التهميش، لكن الزاوية التي تناولتُ منها الموضوع مختلفة؛ فالتهميش في الرواية لا يقتصر على المدن، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية والعاطفية.
هناك خط موازٍ في الرواية يتناول قصة حب بين شاب وفتاة يفرّقهما الاختلاف المذهبي. بعد عشرين عامًا من الفراق، يلتقيان من جديد، لكنها حين تعود إليه، تكون قد ارتبطت بخطيب آخر “يناسب بيئتها ومذهبها”، فتقرر أن تبقيه مستشارًا وصديقًا فقط.
هذا الجانب يعبّر عن التهميش العاطفي والاجتماعي الذي يمارسه الناس بعضهم على بعض، وهو ما أردت إبرازه كجزء من نسيج التهميش العام الذي تعيشه المدينة.

 12 يوما فقط قبل الإغلاق
◆ كيف وصلت روايتك إلى جائزة كتارا وأنت مقيم في السويد؟ وهل وجدت تفاعلًا مع تجربتك في المهجر؟
¶ كتبت الرواية وأنهيتها قبل اثني عشر يومًا فقط من إغلاق باب المشاركة في الجائزة. وكعادتي، أرسلتها إلى عدد من الأصدقاء لقراءة انطباعاتهم، وأحدهم هو من شجّعني على التقديم.
لم أكتب الرواية من أجل جائزة، بل كانت تجربة إنسانية وفكرية بالدرجة الأولى. وبعد الفوز، وجدت صدى واسعًا للرواية، إذ أُقيمت حولها ندوات ومنتديات نقاشية في السويد، ولاقت استحسان القراء والنقاد هناك.
كما ينتظر القراء الآن النسخة الإنجليزية من الرواية التي تم الانتهاء من ترجمتها مؤخرًا، وقد أرسل لي أصدقاء صورًا من الغلاف الجديد وهم يهنئونني بها.

 خمس روايات  
◆ ماذا عن أعمالك الروائية الأخرى خلاف “مدينة يسكنها الجنون”؟
¶ لدي خمس روايات ومجموعتان قصصيتان.
المشروع الروائي الأول كان يدور حول الحدث السوري من منظور اجتماعي، محاولًا رصد تأثير الثورة السورية على الناس وكيف بدأت وتطورت.
أولى هذه الروايات كانت “الرصاصة تقتل مرتين”، وتقوم فكرتها على أن الرصاصة لا تقتل الشخص فحسب، بل تقتل معه مشاعر التسامح والتعاطف لدى أحبّائه.
أما الرواية الثانية فهي “قوافل الريح”، التي رصدت معاناة النازحين السوريين في دول الجوار، وكيف أن المخيمات أيًّا كانت لا يمكن أن تبني إنسانًا سويًا، بل تكرّس شعور الغربة والانتظار والتوق إلى العودة.
الرواية الثالثة كانت “هي والراهب”، وفيها ابتعدت قليلًا عن الحدث السياسي المباشر، لأتناول قصة حب بين فتاة مسلمة وراهب مسيحي. تبدأ القصة بشائعة وتنتهي بحرق الدير وقطيعة الجيران، في دلالة رمزية على الانقسام الطائفي والمذهبي الذي مزّق النسيج السوري لاحقًا.
ثم عدت إلى المشروع السوري مباشرة في رواية “البلم”، التي تناولت مأساة المهاجرين السوريين عبر البحر في قوارب مطاطية، وكيف تلاعبت الدول والمهربون بمصائر هؤلاء الباحثين عن حياة أفضل.
هذه الرواية وصلت إلى القائمة الطويلة لإحدى الجوائز الأدبية، وصدرَت في الكويت، وكانت بمثابة استكمال لمساري الأدبي الذي يوثّق التجربة السورية الإنسانية.

◆ هل تعتقد أن المثقف السوري توقع مآلات الثورة؟ وكيف ترى دوره اليوم؟
¶ المثقف السوري اليوم يعيش مرحلة تحول. في السابق كانت هناك قيود كثيرة، وكان البعض يصفنا بأننا “جبناء” أو نحاول الاحتيال على الرقابة بأساليب مختلفة.
أما اليوم، فأرى أن الهامش المتاح للكتابة والنقد أصبح أوسع بكثير، وإن لم يكن مطلقًا بطبيعة الحال..لا تزال هناك ضوابط، لكن المثقف يمكنه الآن أن يتحدث بحرية أكبر، وأن يسهم في بلورة الوعي العام ودفع المجتمع نحو الاستقرار وإعادة التوازن.
نحن بحاجة إلى بضع سنوات إضافية حتى تتكرس الثقافة الجديدة.

مثقفو المهجر
◆ وماذا عن المثقفين السوريين والعرب عموما في المهجر ودورهم في المجتمعات الغربية وهل هناك روابط أو اتحادات تجمعهم؟
¶ هناك أكثر من رابطة وتجمع للكتاب السوريين، لكنها ما تزال غير فاعلة بشكل كافٍ، لأسباب مادية وتنظيمية. والثقافة تحتاج إلى مؤسسات داعمة، وإن غابت هذه المؤسسات تبقى الجهود فردية ومحدودة التأثير. المثقف في المهجر غالبًا غير قادر على التفرغ الكامل للإبداع، وهذا يضعف تأثيره، لكن رغم البعد الجغرافي ما زالت عقولنا وكتاباتنا تنتمي إلى أوطاننا الأولى.

◆ وهل يمكن المساهمة في الكتابة عن هذه المجتمعات؟
¶ حتى عندما نكتب عن أوروبا، فإننا نكتب عن العربي المهاجر هناك، وعن علاقته بالمكان الجديد، وليس عن الأوروبي نفسه. لكي يصبح الكاتب جزءًا نقديًا من المجتمع الجديد، يحتاج أولًا إلى التمكن من لغته الأدبية، وهذا يحتاج إلى تراكم طويل. اللغة اليومية لا تكفي، بل يجب أن يمتلك الكاتب ذخيرته اللغوية العميقة ليعبر بها عن فكره.
ومع ذلك هناك نماذج سورية ناجحة في الغرب، مثل الكاتب رفيق شامي الذي يكتب بالألمانية وتُترجم أعماله، إلى جانب مبدعين في السينما والاقتصاد ومجالات أخرى، فهذه النماذج تشكل منصات أمل وتشجع الآخرين على العمل والاجتهاد، وتبرهن أن الإبداع يمكن أن يتألق أينما وجد صاحبه.
 
 الذكاء الاصطناعي  
◆ مع التطور في التكنولوجيا نرى استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة فكيف ترى هذه الأداة وتأثيرها على الرواية؟:
¶ لا يمكن النظر إلى المسألة بالأبيض والأسود. التكنولوجيا أداة مفيدة إذا أحسن الكاتب استخدامها. حين كتبت رواية البَلَم، تضمنت بعض فصولها مشاهد في أثينا، مع أني لم أزرها آنذاك. استخدمت خرائط جوجل ودرست تفاصيل الحياة والسياسة هناك، حتى حين زرتها لاحقًا وجدت أن 85 إلى 90 بالمئة مما كتبته كان مطابقًا للواقع.
ويتابع التقنية يمكن أن تساعد الكاتب على الدقة والتوثيق، لكنها لا تكتب عنه. في النهاية، الرواية هي خلاصة تجربة الكاتب وشخصيته وخياله، والذكاء الاصطناعي مهما تطور لا يستطيع أن يمنح النص روح الإنسان أو بصمته الفريدة.
 
◆ كلمة أخيرة.. ماذا تقول فيها؟
¶ الكتابة مسؤولية، وهي شكل من أشكال المقاومة ضد التهميش والخذلان. ما أطمح إليه هو أن تبقى الرواية العربية شاهدة على الإنسان، لا على الخراب فقط، وأن نعيد الاعتبار لصوت المهمش الذي ما زال يبحث عن مدينة يسكنها العقل لا الجنون.