

افتتح سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني، وزير الثقافة، أمس الخميس، النسخة الخامسة من «موسم الندوات»، بحضور عدد من أصحاب السعادة وكبار المسؤولين والدبلوماسيين، ونخبة من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري.
وتقيم وزارة الثقافة الموسم هذا العام بالشراكة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وجامعة حمد بن خليفة، وجامعة لوسيل، في إطار توسيع الشراكات الثقافية والأكاديمية وتعزيز حضور المؤسسات البحثية والتعليمية في الفعاليات الثقافية.
واستضافت أولى ندوات الموسم المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ورئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا، وأدارها جاسم سلمان المشرف على موسم الندوات.
وتناول الدكتور عزمي بشارة خلال اللقاء عددًا من القضايا الراهنة، في مقدمتها مفهومَا الهوية والدولة وتحولاتهما في المجتمعات العربية، والعلاقات العربية الإيرانية، وتداعيات الحرب على إيران وغزة، والتحولات السياسية والفكرية في الغرب وإسرائيل وانعكاساتها على القضية الفلسطينية.وأكد مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات اهتمام دولة قطر بالثقافة والمعرفة وتبني مشاريع كبرى خدمت الثقافة العربية بدءا من المركز نفسه الذي تحول إلى منصة مرموقة وقبلة للباحثين من مختلف أنحاء العالم فضلا عن المشاريع الكبرى التي تبناها المركز مثل معجم الدوحة التاريخي للغة العربية والموسوعة العربية «أرابيكا»، معربا عن شكره لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى لرعايته الكريمة لكافة المشاريع التي تعزز الثقافة العربية.وقال بشارة إن اهتمامه بقضايا الهوية والدولة يأتي في إطار مشروع فكري متواصل، يواكب تطورات العلوم الاجتماعية عالميًا، مع التأكيد على أهمية إنتاج المعرفة والنظرية من داخل السياق العربي، بدلاً من الاكتفاء بنقد الفكر الغربي والاستشراق.
وأوضح أن السياق العربي دفعه إلى التعمق في قضية الهوية، لتقديم كتابه «مسألة الهوية»، الذي انطلق أساسًا من محاضرة قدمها ضمن موسم الندوات لوزارة الثقافة، فيما تناول في كتاب آخر مسألة الدولة العربية، مؤكدًا أن قضيتي الهوية والدولة من القضايا المصيرية للواقع العربي. وشدد بشارة على ضرورة أن يكون الإنتاج الفكري العربي حاضرًا على المستوى العالمي، وأن يتعامل مع الإنتاج المعرفي الغربي بروح الندية، موضحًا أنه يختار أن يكتب أعماله باللغة العربية أولًا، موجهًا خطابه إلى المثقفين والقراء في الوطن العربي، قبل أن تُترجم أعماله إلى الإنجليزية وغيرها من اللغات.
وتناول بشارة النقاش الذي عرفته الأدبيات الغربية حول نشأة الدول العربية، والتمييز بين دول ذات «نواة إقليمية»، ودول أخرى ارتبط تأسيس حدودها بمرحلة الاستعمار.
وقال إن هذا النقاش تجاوزه الواقع الحالي، باعتبار أن الدول العربية القائمة أصبحت دولًا مستقلة تتمتع بوجود سياسي وشرعية، ولها هويات وطنية حديثة.
المركز العربي والمشاريع الكبرى
وتحدث الدكتور عزمي بشارة عن تجربة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، موضحًا أن التحدي الأساسي عند تأسيسه كان بناء تقاليد حقيقية للبحث العلمي، فتم اعتماد معايير صارمة المتعارف عليها عالميًا،حتى إن 30 % فقط من الأبحاث المقدمة هي التي يتم نشرها، ومن ثم نجح في إنتاج المعرفة باللغة العربية، مع قابليتها للتداول العلمي عالميًا والترجمة إلى لغات أخرى. ما جعله أهم المراكز البحثية في منطقة الشرق الأوسط.
وشدد على أن المركز نجح في تحقيق أهدافه العلمية عبر إصدار خمس دوريات علمية وكتاب سنوي، وتنظيم المؤتمرات، ومنها المؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، والمؤتمرات الموسمية، إلى جانب التحضير لمؤتمر حول طلبة الدكتوراه العرب في الجامعات الغربية والذي يقام كل عامين.
المعجم التاريخي
وتحدث عن مشروع المعجم التاريخي للغة العربية، موضحًا أن المركز لم يقدم على المشروع إلا بعد سنوات من تأسيسه، عندما رأى أن لديه القدرة المؤسسية والعلمية للبدء فيه ليصل في النهاية إلى مشروع كبير يخدم العربية.
وأشار إلى أن المركز لا يتعامل مع مشاريع الموسوعات والمعاجم على أساس دفع مقابل لكل مساهمة بصورة منفصلة، مؤكدًا أن المشروع بالنسبة إليه مشروع تأسيسي ووطني يسد فجوة معرفية كبيرة.
وتناول بشارة مشروع الموسوعة العربية، موضحًا أنه مشروع طويل الأمد يهدف إلى توفير موسوعة عربية شاملة للمعرفة، مشيرًا إلى وجود موسوعات محلية في بعض الدول، لكن عدم وجود موسوعة عربية شاملة بالمستوى الذي يتطلع إليه المشروع.
وأوضح أن الهدف هو توفير مصادر معرفة للشباب العربي مكتوبة في سياقهم الحضاري، بدل الاعتماد بصورة دائمة على المصادر الغربية.أن الذكاء الاصطناعي عبارة عن أدوات وتقنيات تحتاج إلى محتوى، وأن جودة المحتوى تؤثر في جودة الإجابات التي تقدمها وبالتالي إن «أرابيكا» تطور المحتوى الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي ويكون اكثر موثوقية طالما استقى من مصادر علمية موثوقة وهو ما نسعى إليه فهو مشروع متواصل.وفي الشأن السياسي تناول بشارة الحرب على إيران وتداعيات الحرب في غزة، مشيرًا إلى صعوبة تحديد توقيت انتهاء الحرب ونتائجها من دون امتلاك معلومات دقيقة من داخل دوائر صنع القرار.وأشار إلى ظاهرة أخرى اعتبرها مهمة، تتمثل في صعود أبناء وأحفاد المهاجرين من العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية، ممن نشأوا في الغرب ويتحدثون لغات المجتمعات التي يعيشون فيها لكنها لم تنسلخ عن هويتها الإسلامية دون صخب ـ ومن ثم أفرزت قيادات في المجتمعات الغربية لا يتعامل مع هويته الأصلية باعتبارها نقيضًا للانتماء إلى المجتمع الغربي، وإنما يجمع بين الأمرين وهم ما ساهم في نجاحهم.
التحولات الفكرية لدى الشباب.. وأبناء وأحفاد المهاجرين في أمريكا
في مداخلة، طرح سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد وزير الثقافة على د. عزمي بشارة سؤالًا حول التحولات الفكرية لدى الشباب، سواء في المجتمعات الغربية أو العربية، ومدى تأثير الاعتزاز بالهوية والانفتاح الفكري والبراغماتية في مستقبل القضية الفلسطينية.
وأشار وزير الثقافة إلى ما طرحه بشارة بشأن أبناء وأحفاد المهاجرين في الولايات المتحدة، وما يجمع لديهم بين الاعتزاز بالهوية الأصلية والانفتاح على المجتمع الذي يعيشون فيه، متسائلًا عما إذا كان بالإمكان ملاحظة تحول مشابه لدى الشباب العربي، يقوم على الاعتزاز بالهوية الوطنية مع الانفتاح الفكري والبراغماتية. كما تساءل عن تأثير هذه التحولات في مستقبل القضية الفلسطينية.
ورد د. عزمي بشارة بالتأكيد على أن القضية الفلسطينية ترتبط بصورة وثيقة بمضمون الهوية، موضحًا أن التأكيد على هوية وطنية تتضادم مع الهوية العربية يمكن أن يقود، في رأيه، إلى التعامل مع فلسطين باعتبارها قضية تخص الآخرين. معتبرًا أن التأكيد على الهوية الوطنية يمكن أن يُستخدم في سياقات سياسية مختلفة، ومنها، بحسب طرحه، تقديم فلسطين باعتبارها ليست قضية وطنية أو عربية مشتركة.
وقال إن الهوية يمكن أن تحمل مضامين مختلفة، مشيرًا إلى أن تحويل الدين من عقيدة وأخلاق وانتماء إلى هوية طائفية يمثل، بحسب طرحه، مثالًا على كيفية تحول الهوية إلى أداة للتقسيم عندما تُحمّل بمضمون فصائلي أو إقصائي.
وعلى المستوى الغربي، فرّق بشارة بين الاندماج في المجتمع وبين التخلي عن الهوية الأصلية، موضحًا أن هناك اختلافًا بين النماذج الغربية في التعامل مع الهويات الثقافية والدينية للمهاجرين.