

قد لا يشكل زواج المواطنين من خارج الدولة، أو العكس ظاهرة ملحوظة في مجتمعنا، لكنه يَلقى قبولاً لدى البعض ممن يؤيدونه ويعتبرونه زواجاً كـ «أي زواج آخر تماماً، وعلى سنة الله ورسوله»، بل إن أحد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي اعتبر الزواج «الثاني» نوعاً من «البرستيج» وربما يساهم في تعزيز المظهر الاجتماعي للطرفين.
في المقابل، حينما أرادت «حنان»- مواطنة من إحدى الدول العربية- أن ترتبط برجل غير (ابن البلد)، فإنها وجدت في بورتريه الرجل الخليجي فارس الأحلام الأقرب إلى تحقيق أمنياتها. حيث أسهم الزوج الخليجي في صعود مستمر، على خلفية مشاهد الحياة المرفهة التي ما فتئت تنقلها وسائل الإعلام. خطوة واحدة تفتح أمامك نوافذ (Windows) كثيرة من السعادة والفرص الواعدة. لكن هل رغبات الزواج من مواطن خليجي لا تفوح منها رائحة زواج المصلحة؟! بالنسبة إلى حنان. وهي مصممة أزياء عربية في أواخر العشرينات من العمر، فإن الجواب هو «لا.. لا تفوح منها رائحة زواج المصلحة».
ابن حلال
العقبة الوحيدة التي كادت أن تلغي خطط الزواج وأحلامه الوردية بالنسبة لحنان هي «الأحكام الجاهزة»، التي كان يحملها أقارب زوجها وأهله، أسوة بالأوهام التي يحملها أقاربها سواء بسواء. تقول: «كانوا يرون أنني سأخطفه وأركب على كتفيه» متأثرين بأسطورة بعض المشاهد الدرامية والحكايات التقليدية التي يسمعونها أو يشاهدونها عن فتيات عربيات تزوجن من رجال أعمال خليجيين أثرياء، وصبرن، حتى موعد الحصول على الجنسية، ثم فتحن الباب على مصراعيه كي يخرج سي السيد من حياتهن كما دخل: بالمعروف!
ولكن بيتها جدرانه الحب، وسقفه الاحترام.
كانت حنان في السادسة والعشرين من عمرها عندما تعرفت الى زوجها ورأت فيه «ابن حلال مصفّي».. لا تنقصه صفات الأخلاق والثقة العالية بالنفس والطموح. «كما انه متفهم.. أي باختصار.. هو شاب فيه جميع المواصفات التي تتمناها كل فتاة».
غلاء المهور
في المقابل، يبرر «فهد» فكرة الزواج المختلط بارتفاع المهور وتكاليف الأعراس والتي يرى انها تتطلب ميزانية دولة فقيرة. يقول: ان انتقاد التكاليف الباهظة للزواج والسخرية منها وصلت إلى مواقع التواصل ومن ذلك رسالة ذات مغزى تقول إن تكاليف الزواج من خليجية تعادل - بحسبة بسيطة - تكاليف الزواج من 4 مصريات و4 سوريات و4 مغربيات.
أما ناصر فهو يرفض من حيث المبدأ فكرة الزواج المختلط: «لماذا نتجه الى الزواج من الخارج وبلدنا مليء ببنات ذوات جمال وحسب ونسب؟ هذا أمر يخالف العرف وغير مقبول اجتماعياً لاختلاف العادات والتقاليد وأنماطهما خصوصا اذا كان أحد الزوجين من جنسية أجنبية. فأي قيم نغرسها في نفوس أطفالنا وأي تخبط قد يعيشه الأطفال بين ثقافة بلد الأم وثقافة بلد الأب؟
ويرفض أحمد اليافعي فكرة الزواج من الخارج لأن «الاقربون أولى بالمعروف». لكن فاتورة تكاليف الزواج هي ما يدفع بعض الشباب الى التفكير في الزواج من أجنبية حيث التساهل في بعض الامور المادية والتخلي عن المظاهر: «مبالغة معظم الأسر في المهور والتكاليف المصاحبة» يدفع البعض الى الزواج من الخارج.
وأوضح أن زمن تدبير الزيجات عن طرق الأم والأخت انتهى أو يكاد، بعد أن صار بوسع أي شاب أن يتعرف إلى فتاة أحلامه وجهاً لوجه، مشيرا مع ذلك إلى عدم شيوع ظاهرة الزواج من أجنبيات في السنوات الأخيرة قياساً بالسنوات التي قبلها، نتيجة زيادة الجامعات المختلطة وانفتاح مجالات العمل أمام المرأة الخليجية ما سمح بتزايد فرص التواصل والتعارف بين الشباب والفتيات، وبالتالي زيادة مجال الاختيار والقدرة على اتخاذ القرار السليم.
وأكد على تحلّي المرأة القطرية خاصة والخليجية عامة بحس المسؤولية وهي أثبتت ولاءها الكامل لمنزلها وأولادها، كما أنها لعبت أدوارا مهمة في ميادين العمل، ورغم عدم وجود أي قوة تستطيع أن توقف إنسانا عن اختياراته، إلا أنه يفضل أن يتزوج أبناء البلد ممن يتمتعن بنفس القيم والعادات والقدرة على التفاهم، وبما يحافظ على الأبناء الذين يتأثرون بسلوكيات الأب والأم، وصولا إلى الحفاظ على نسيج المجتمع ككل.
زيادة الوعي
من جهته، اعتبر المأذون الشرعي والمصلح الأسري فواز مساعد نادر العبدالله أن الزواج من أجنبية شرعا هو حلال، ولا تشوبه شائبة، لكنه قد يكون سببا في المشاكل فيما بعد، وحدد المأذون الشرعي سلبيات الزواج في أن المجتمع القطري بصفة خاصة والمجتمعات الخليجية إجمالا مجتمعات عائلية لا تتقبل المختلف بسهولة.
قصص ناجحة
وأكد العبدالله ضرورة توعية المجتمع بتيسير الزواج وتبعاته من مهور وحفلات زفاف، مشيرا إلى أن الأسر تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية بإصرارها على المظاهر التي تثقل كاهل الشاب في أول حياته.
واستدرك المأذون الشرعي قائلاً: من حكم تجربتي الشخصية أقول إن هناك قصص زواج ناجحة كانت فيها الزوجة غير مواطنة ولا يمكن الجزم بأن الزواج بغير مواطنة أمر سلبي أو منعه للشباب الراغبين فيه، لكن هناك حالات كثيرة من الزواج بامرأة ذات ثقافة أجنبية كان لها تأثير سلبي على الأبناء، خصوصاً أن الشاب بعد فترة من الزواج يرفض تربية أبنائه بأسلوب أجنبي ويجده غير صحيح، نتيجة ترسيخ الأم عادات دخيلة على المجتمع القطري في أبنائها الذين يتحدثون لغة وثقافة والدتهم بطلاقة، بينما تبقى لهجتهم المحلية ركيكة.
ولفت إلى أن كثرة الزواج بأجنبيات ستعمل على إحداث تغيير على مفردات اللهجة المحلية وتخلق فجوة بين الأجداد والأبناء، وستؤدي إلى صعوبة التواصل بينهم، لافتاً إلى وجود فجوة حقيقية في بعض العائلات بين الأجداد وأحفادهم.
ونوه العبدالله بأن أثر الطلاق ومشكلاته في الأسر عندما تكون الزوجة مواطنة أقل بكثير من الزوجة الأجنبية، مبينا أن الزوجة غير المواطنة حين تقرر الانفصال ستصطحب أولادها وتعود للعيش في كنف أسرتها التي تحمل عادات ولغة مختلفة، والتي سيرسخها الجد والجدة في نفوس الأحفاد.
ثقافة وموروث
وأضاف أن المطلقة الأجنبية ستتولى تربية الأولاد وتأسيسهم على ثقافة وموروث آخر لا ينتمي للدولة، ما يسبب ضياع هويتهم في ظل اختلاطهم المباشر مع أسرة الأم الأجنبية وترسيخ عاداتها لديهم، ما يزيد الفجوة الحضارية بين الأبناء وأقرانهم في المدارس وغيرها. وأشار إلى أن أثر الزواج بغير مواطنة يظهر على المدى البعيد، حيث يؤدي إلى دخول عادات جديدة كانت غير مسموح بها في المجتمع.
آثاراً مختلفة
وأشار العبدالله إلى أن هناك آثاراً مختلفة تترتب على الزواج بالأجنبيات تظهر بعد فترة من الارتباط مثل أن يضطر الزوج المواطن على أن يرسل الزوجة سنوياً لزيارة أهلها، وذلك يتطلب تكاليف ويؤثر بشكل مباشر على لغة الأبناء وثقافتهم، كما تطلب الزوجة استقدام أهلها سواء للنزهة أو للزيارة وهذا ما يكلف الزوج أعباء مالية إضافية، على العكس، لو كان متزوجاً بمواطنة.