قبر النبي وعائشة رضي الله عنها

alarab
الصفحات المتخصصة 02 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الشيخ فريد أمين الهنداوي
القصة: أخرج الدارمي في «سننه» (1/65) باب : ما أكرم الله تعالى نبيه بعد موته، عن أبي النعمان : حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عمرو بن مالك النكري، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبدالله، قال : قحط أهل المدينة قحطاً شديداً،فشكوا إلي عائشة، فقالت : انظروا إلي قبر النبي صلي الله عليه وسلم فجعلوا منه كُوَيً (الثقبة في الحائط)إلي السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال : ففعلوا فمطروا مطرا حتى نبت العشب،وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمى عام الفتق» أهـ. التحقيق : (1) السند به «سعيد بن زيد» وفيه ضعف. قال الحافظ في «التقريب» (2312) : صدوق له أوهام. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (2/138) : «قال يحيي بن سعيد : ضعيف، وقال السعدي : ليس بحجة، يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره : ليس بالقوي، وقال أحمد : ليس به بأس، كان يحيي بن سعيد لا يستمرئه» أهـ. (2) إن أبا النعمان هذا، هو محمد بن فضل، يعرف بعارم، السدوسي، وهو ثقة إلا أنه اختلط آخر عمره، وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي في «الاغتباط بمن رمي بالاختلاط « (ص/23) تبعا لابن الصلاح حيث أورده في «المختلطين» من كتابه «المقدمة» (ص/391) وقال : والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره، فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده» أهـ. وهذا الأثر الذي معنا لا ندري هل سمعه الدارمي منه ( أي : من أبي النعمان) قبل الاختلاط أو بعده، وهذا قادح ولاشك فيه الاحتجاج به. (3) قال شيخ الإسلام ابن تميمة في «الرد علي البكري» (ص/68-74) : «وما روى عن عائشة – رضي الله عنها – من فتح كوة من قبره إلي السماء لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقيا كما كان علي عهد النبي صلي الله عليه وسلم بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة : أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفئ بعد، ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبدالملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول صلي الله عليه وسلم، ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه بني حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلي ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بين، ولو صح ذلك لكان حجة ودليلا علي أن القوم لم يكونوا يقسمون علي الله بمخلوق، ولا توسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا علي القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء لا يقسمون به عليه فأين هذا من هذا ؟ والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام علي نبيه صلي الله عليه وسلم ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه هي الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما نحب ذاته، وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح، فهذا باطل عقلا وشرعا، وأما عقلا فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوبا له ما يوجب كون حاجتي تقضي بالتوسل بذاته إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضي به حاجتي، فإن كان منه دعاء لي أو كان مني إيمان به وطاعة له فلا ريب أن هذه وسيلة، وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة لي منها إذا لم يحصل لي السبب الذي أمرت به فيها !؟ وأما الشرع : فيقال : العبادات كلها مبناها علي الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلي قبره ويقول هو أحق بالصلاة إليه ومن الكعبة ،وقد ثبت عنه صلي الله عليه سلم في الصحيح أنه قال : لا تجلسوا علي القبور ولا تصلوا إليها. مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلي قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة، ويصلون إلي قبر الشيخ، ويقولون : هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. وطائفة أخرى يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام والنبوي والأقصى. وكثير من الناس يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل منه في المساجد، وهذا كله مما قد علم جميع أهل العلم بديانة الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام، ومن لم يعتصم في هذا الباب وغيره بالكتاب والسنة وإلا ضل وأضل، ووقع في مهواة من التلف. فعلى العبد أن يسلم للشريعة المحمدية الكاملة البيضاء الواضحة، ويسلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا رأي من العبادات والتقشفات وغيرها التي يظنها حسنة ونافعة ماليس بمشروع عَلِمَ أن ضررها راجح علي نفعها، ومفسدتها علي مصلحتها، وإذا الشارع حكيم لا يهمل المصالح» أهـ. وقال : « والدعاء من أجل العبادات، فينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عبادته الصور المشروعة، فإن هذا هو الصراط المستقيم، والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين» أهـ بتصرف كثير. الخلاصة: أن هذه القصة باطلة واهية فَبَطَلَ بذلك ما يحتج به القبوريون علي جواز دعاء النبي صلي الله عليه وسلم والتوسل به بعد موته.