الإيمان مقدور لكل إنسان والله مكن الإنسان من الإيمان بربه وأنكر عليه الكفر
باب الريان
02 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}.
الشفق الذي جاء في القسم القرآني: هو الحمرة التي يشاهدها الناس في الأفق بعد الغروب، وفي أول الليل، إلى قريب من العتمة. وفي حديث عبدالله بن عمرو، الذي رواه عنه مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق". وقال الخليل: الشفق: الحمرة، من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة. إذا ذهب قيل غاب الشفق. ولذا قيل: أصل الكلمة من رقة الشيء؛ يقال: شيء شفق أي لا تماسك له لرقته. وأشفق عليه. أي رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من الإشفاق، وهو رقة القلب.
{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}: والقسم التالي في هذا السياق بالليل وما وسق، وقد أقسم القرآن بالليل في أكثر من سورة في هذا الجزء من سورة التكوير، قال: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير:17]، وفي سورة الشمس: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}[الشمس:4]، وفي سورة الليل: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل:1]، وفي سورة الضحى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى:1-2].
وهنا قال تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي: جمع وضم ولف. قال ابن جرير: أقسم الله تعالى بالنهار مدبرا، وبالليل مقبلا. قالوا: ومن فضل الله تعالى جعل لنا الليل لباسا بظلمته وستره للناس. كما قال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} أي: في الليل {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي: بالنهار {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73]، فالليل يجمع ويضم ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه.
{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى. ومنهم من قال: إذا امتلأ. وقيل إذا استدار. ومعنى كلامهم: أنه إذا تكامل نوره وأبدر، جعله مقابلا لليل وما وسق.
{لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} قراءة الجمهور، الخطاب في الآية للجماعة، (لتركبن) وبعض القراءات خطاب للفرد، أي: للنبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم قال: خطاب للإنسان. ومعنى: {طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} أي: حالا بعد حال، أيا كان المُخاطب.
فهو إما خطاب للجماعة، يقول لهم: لتركبن أي: لتلاقين حالا بعد حال، كل واحدة فيها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة. سواء كان ذلك في أحوال الدنيا من الإيذاء والهجرة، والإخراج من الديار، أم في أمور الآخرة من الموت وما بعده، من القيامة والنشور والسؤال والحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار.
أو لتركبن يا محمد حالا بعد حال، من الإيذاء في مكة إلى الهجرة إلى المدينة، إلى الجهاد في سبيل الله، وفيه ما فيه من انتصار أو انكسار، حتى تكون العاقبة لك، ويتم الله نوره عليك.
وإما لتركبن أيها الإنسان وتلاقي، الأحوال المتدرجة من العاقبة والبلاء، ومن الضعف والقوة، ومن الخوف والأمن، ومن النصر والهزيمة.
وقيل: الطبق جمع (طبقة) وهي: المرتبة. وهو الأوفق لركوب الشيء عن اعتلاء. والمعنى هنا: لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدة، بعضها أرفع من بعض. وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة ودواهيها.
وروى ابن جرير بسنده عن مجاهد كان يقول: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} قال: يعني: نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: (حالا بعد حال) وهذا لفظه.
وروي عن ابن عباس وعدد من تلاميذه ومفسري السلف نحو ذلك.
قال: ويحتمل أن يكون المراد: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} حالا بعد حال. قال: هذا -يعني المراد بهذا- نبيكم صلى الله عليه وسلم، على أن (هذا) و(نبيكم) يكون مبتدأ وخبرا، والله أعلم.
ولعل هذا يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة، كما قال أبو داود والطيالسي، وغُنْدَر: بسندهما إلى ابن عباس: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} قال محمد صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر وابن مسعود وابن عباس، وعامة أهل مكة والكوفة، {لَتَرْكَبَنَّ} بفتح التاء والباء.
وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى الشعبي قال: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية {طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} سماء بعد سماء. يعنون ليلة الإسراء.
وجاء أيضا عن ابن عباس في تفسير الآية: منزلا بعد منزل. وأمرا بعد أمر. وحالا بعد حال.
ومعنى هذا: أن الآية تبشر بحادث الإسراء المعروف قبل وقوعه.
قال الإمام الرازي: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ} فيه مسائل:
المسألة الأولى: قريء: {لَتَرْكَبُنَّ} على خطاب الإنسان في يا أيها الإنسان: بالضم على خطاب الجنس؛ لأن النداء في قوله: {وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} [الانشقاق:6] للجنس بكسر الباء، على خطاب النفس، وليركبن بالياء على المغايبة أي ليركبن الإنسان.
المسألة الثانية: الطبق: ما طابق غيره، يقال: ما هذا يطبق كذا، أي لا يُطابقه، ومنه قيل للغطاء: الطبق، وطباق الثرى: ما يطابق منه، قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق، ومنه قوله تعالى: {طبقا عن طبق}، أي حالا بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول.
ويجوز أن يكون جمع (طبقة): وهي المرتبة، من قولهم: هو على طبقات، والمعنى: (لتركبُنَّ أحوالا بعد أحوال)، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة.
ولنذكر الآن وجوه المفسرين، فنقول: أما القراءة بضم الباء، وهو خطاب الجمع، فتحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون المعنى: لتركبُن أيها الناس أمورا وأحوالا، أمرا بعد أمر، وحالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل، إلى أن يستقر الأمر على ما يُقضَى به على الإنسان أو له، من جنة أو نار، فحينئذ يحصل الدوام والخلود، إما في دار الثواب، أو في دار العقاب، ويدخل في هذه الجملة أحوال الإنسان من حين يكون نطفة، إلى أن يصير شخصا، ثم يموت، فيكون في البرزخ، ثم يحشر، ثم ينقل، إما إلى جنة وإما إلى نار.
وثانيها: أن معنى الآية: أن الناس يلقون يوم القيامة أحوالا وشدائد، حالا بعد حال، وشدة بعد شدة، كأنهم لما أنكروا البعث أقسم الله: أن البعث كائن، وأن الناس يلقون فيها الشدائد والأهوال، إلى أن يفرغ من حسابهم، فيصير كل أحد إلى ما أعدَّ له من جنة أو نار، وهو نحو قوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} [التغابن: 7] وقوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] وقوله: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} [المزمل:17].
وثالثها: أن يكون المعنى: أن الناس تنتقل أحوالهم يوم القيامة عما كانوا عليه في الدنيا، فمن وضيع في الدنيا، يصير رفيعا في الآخرة، ومن رفيع يتضع، ومن متنعم يشقى، ومن شقي يتنعم، وهو كقوله: {خافضة رافعة} [الواقعة: 3]. وهذا التأويل مناسب لما قبل هذه الآية؛ لأنه تعالى لما ذكر حال من يؤتى كتابه وراء ظهره، أنه كان في أهله مسرورا، وكان يظن أن لن يحور، أخبر الله أنه يحور، ثم أقسم على الناس أنهم يركبون في الآخرة طبقا عن طبق أي حالا بعد حالهم في الدنيا.
ورابعها: أن يكون المعنى لتركبن سنة الأولين ممن كان قبلكم في التكذيب بالنبوة والقيامة.
القراءة بفتح الباء في (لتركبَن):
وأما القراءة بفتح الباء ففيها قولان:
القول الأول: قول من قال: إنه خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا التقدير ذكروا وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر والغلبة على المشركين المكذبين بالبعث، كأنه يقول: أقسم يا محمد لتركبَنَّ حالا بعد حال، حتى يختم لك بجميل العاقبة، فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم.
وفي هذا الوجه احتمال آخر يقرب مما ذكرنا، وهو أن يكون المعنى: أنه يركب حال ظفر وغلبة بعد حال خوف وشدة.
واحتمال ثالث: وهو يكون المعنى: أن الله تعالى يبدله بالمشركين أنصارا من المسلمين، ويكون مجاز ذلك من قولهم طبقات الناس.
وقد يصلح هذا التأويل على قراءة من قرأ بضم الباء، كأنه خطاب للمسلمين بتعريف تنقل الأحوال بهم وتصييرهم إلى الظفر بعدوهم، بعد الشدة التي يلقونها منهم، كما قال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [آل عمران: 186].
وثانيهما: أن يكون ذلك بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بصعوده إلى السماء لمشاهدة ملكوتها، وإجلال الملائكة إياه فيها، والمعنى: لتركبَن يا محمد السماوات طبقا عن طبق، وقد قال تعالى: {سبع سماوات طباقا}[الملك: 3]. وقد فعل الله ذلك ليلة الإسراء، وهذا الوجه مروي عن ابن عباس وابن مسعود.
وثالثها: لتركبن يا محمد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى.
القول الثاني في القراءة بفتح الباء في (لتركبَن):
القول الثاني: في هذه القراءة: أن هذه الآية في السماء وتغيرها من حال إلى حال، والمعنى لتركبن السماء يوم القيامة حالة بعد حالة، وذلك لأنها أولا تنشق كما قال: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الإنشقاق:1]. ثم تنفطر كما قال: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار:1] ثم تصير: {وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن:37] وتارة: {كَالْمُهْلِ} [المعارج:8] على ما ذكر الله تعالى هذه الأشياء في آيات من القرآن، فكأنه تعالى لما ذكر في أول السورة أنها تنشق، أقسم في آخر السورة أنها تنتقل من أحوال إلى أحوال، وهذا الوجه مروي عن ابن مسعود.
وقال الإمام القرطبي في تفسيره: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}: قرأ أبو عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومسروق، وأبو وائل، ومجاهد، والنخعي، والشعبي، وابن كثير، وحمزة، والكسائي: (لتركبَنَّ) بفتح الباء، خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: (لتركبَنَّ يا محمد حالا بعد حال)، قاله ابن عباس.
وعن الشعبي: (لتركبَنَّ يا محمد سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى).
وعن ابن مسعود: (لتركبن السماءُ حالا بعد حال)، يعني: حالاتها التي وصفها الله تعالى بها؛ من الانشقاق والطي، وكونها مرة كـ(المهل) ومرة كـ(الدهان).
وعن إبراهيم، عن عبدالله: (طبقا عن طبق) قال: (السماء تقلَّبُ حالا بعد حال). قال: تكون: (وردة كالدهان)، وتكون: (كالمهل).
وقيل: أي: لتركبَنَّ أيها الإنسان حالا بعد حال، من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حيا وميتا، وغنيا وفقيرا. فالخطاب للإنسان المذكور في قوله: (يا أيها الإنسان إنك كادح). وهو اسم للجنس، ومعناه الناس.
وقرأ الباقون لتركبُنَّ بضم الباء، خطابا للناس، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما ذكر قبل هذه الآية: (فمن أوتي كتابه بيمينه)، (ومن أوتي كتابه بشماله). أي: لتركبن حالا بعد حال من شدائد القيامة، أو لتركبن سُنَّة مَن كان قبلكم في التكذيب واختلاق على الأنبياء.
قال القرطبي: وكله مراد، وقد جاءت بذلك أحاديث.
قال صلى الله عليه وسلم: (لتركبُنَّ سَنَن من كان قبلكم شبرا بشبرا، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟). خرَّجه البخاري.
وأما أقوال المفسرين، فقد ذكرها القرطبي وهي تدل على التغير من حالة إلى حالة: من صغر إلى كبر، ومن رضاعة إلى شيخوخة، ومن استقامة إلى اعوجاج، ومن سنة إلى بدعة، ومن رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، ومن ضعة في الدنيا إلى رفعة في الآخرة، والعكس، ومن الشدائد والأحوال من الموت وما بعده من أمور الآخرة... إلخ.
فقال عكرمة: حالا بعد حال، فطيما بعد رضيع، وشيخا بعد شاب، قال الشاعر:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل
يركب على طبق من بعده طبق
وعن مكحول: كل عشرين عاما تحدثون أمرا لم تكونوا عليه.
وقال الحسن: أمرا بعد أمر، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة.
سعيد بن جبير: منزلة بعد منزلة، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا مرتفعين فاتّضعوا في الآخرة.
وقيل: منزلة عن منزلة، وطبقا عن طبق، وذلك، أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لأن كل شي يَجُرّ إلى شكله.
وعن ابن زيد: ولتصيرن من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة.
وقال ابن عباس: الشدائد والأهوال: الموت، ثم البعث، ثم العرض.
والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد: وقع في بنات طبق، وإحدى بنات طبق، ومنه قيل للداهية الشديدة: أم طبق، وإحدى بنات طبق: وأصلها من الحيات، إذ يقال للحية: (أم طبق) لتحوِّيها.
والطبق في اللغة: الحال كما وصفنا، قال الأقرع بن حابس التميمي:
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره.. وساقني طبق منه إلى طبق
وهذا أدل دليل على حدوث العالم، وإثبات الصانع.
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: {عن طبق} أي: بعد طبق كقول الشاعر:
ما زلتُ أقْطَعُ مَنْهَلًا عنْ مَنْهَلٍ *** حتَّى أنخْتُ ببابِ عبدالوَاحِدِ
ووجه هذا أن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء آخر، فقد صار إلى الثاني بعد الأول، فصلحت (بعد) و(عن) معاقبة، وأيضا فلفظة (عن) تفيد البعد والمجاوزة، فكانت مشابهة للفظة (بعد).
* {فما لهم لا يؤمنون}:
أي: أيُّ شيء يمنعهم من الإيمان، بعدما وضحت لهم الآيات، وقامت الدلالات، وهذا استفهام إنكار، وقيل: تعجيب، أي: اعجبوا منهم في ترك الإيمان، مع وجود هذه الآيات.
قال الإمام الرازي: الأقرب أن المراد: فما لهم لا يؤمنون بصحة البعث والقيامة؛ لأنه تعالى حكى عن الكافر: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14]. ثم أفتى سبحانه بأنه يحور، فلما قال بعد ذلك: {فما لهم لا يؤمنون}، دل على أن المراد: فما لهم لا يؤمنون بالبعث والقيامة، ثم اعلم أن قوله: {فما لهم لا يؤمنون} استفهام بمعنى الإنكار، وهذا إنما يحسن عند ظهور الحجة، وزوال الشبهات، الأمر هاهنا كذلك، وذلك لأنه سبحانه أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها، وهو ضوء النهار، ولما بعدها، وهو ظلمة الليل، وكذا قوله: {والليل وما وسق}، فإنه يدل على حدوث ظلمة بعد نور، وعلى تغير أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النوم، وكذا قوله: {والقمر إذا اتسق} فإنه يدل على حصول كمال القمر بعد أن كان ناقصا، إنه تعالى أقسم بهذه الأحوال المتغيرة على تغير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعا على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير الأجرام العلوية والسفلية، من حال إلى حال، وصفة إلى صفة، بحسب المصالح، لا بد وأن يكون في نفسه قادرا على جميع الممكنات، عالما بجميع المعلومات. ومن كان كذلك كان لا محالة قادرا على البعث والقيامة، فلما كان ما قبل هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة على صحة البعث والقيامة لا جرم قال على سبيل الاستبعاد: {فما لهم لا يؤمنون}. اهـ.
وهذه الآية وأمثالها دليل على أن الإيمان مقدور لكل إنسان، وأن الله تعالى مكن الإنسان بحكم فطرته وإنسانيته من الإيمان بربه، ومن هنا أنكر عليه ابتعاده عن الإيمان، ونفوره منه، مع ما قربه الله إليه من الدلائل والموجبات، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ}[الحديد:8].
{وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ}:
قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}[الحشر:21]. فكيف يُقرأ على هؤلاء المشركين القرآن ثم لا يخضعون ولا يلينون له. كما هو شأن العقلاء الذين يدعوهم سماع القرآن إلى الإيمان والخشوع لله، كما قال تعالى: { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة:15].
*{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ}:
أي: يكذبون بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقه.
والمعنى: أن الدلائل الموجبة للإيمان، وإن كانت جلية ظاهرة، لكن الكفار يكذبون بها، إما لتقليد الأسلاف، وإما للحسد، وإما للخوف من أنهم لو أظهروا الإيمان لفاتتهم مناصب الدنيا ومنافعها. وهذه كلها لا تنفعهم، ولا تغني عنهم شيئا، فعملهم إنما هو تكذيب محض، لا يسنده عقل ولا فطرة.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ}:
أصل الكلمة من الوعاء، فيقال: أوعيت الشيء، أي: جعلته في وعاء، كما قال: {وجمع فأوعى} [المعارج: 18] والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من الشرك والتكذيب والحسد والبغي والبغضاء، فهو مجازيهم عليه في الدنيا والآخرة. أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب.
* {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}:
أي: أنذرهم يا محمد، باستحقاق هذا العذاب الموجع على تكذيبهم وكفرهم، والتبشير هنا من باب السخرية بهم، فإنما هو إنذار.
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}:
فيه قولان قال: صاحب «الكشاف»: الاستثناء منقطع، وقال: الأكثرون: معناه إلا من تاب منهم، فإنهم وإن كانوا في الحال كفارا، إلا أنهم متى تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر، وهو الثواب العظيم، وهو أجر غير ممنون.
ومعنى: {غير ممنون}: أن ذلك الثواب يصل إليهم بلا مَنٍّ ولا أذًى، من غير انقطاع، ومن غير تنغيص، ومن غير نقصان.
ونرى الأولى أن يحمل اللفظ على الكل، لأن من شرط الثواب حصول الكل، فكأنه تعالى وعدهم بأجر خالص من الشوائب، دائم لا انقطاع فيه، ولا نقص، ولا بخس، وهذا نهاية الوعْد، فصار ذلك ترغيبا في العبادات، كما أن الذي تقدم هو زجر عن المعاصي والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
يتبع غداً إن شاء الله...