الضلالات كثيرة والمُضللون كثيرون والهادي واحد هو الله

alarab
باب الريان 02 أغسطس 2011 , 12:00ص
أسماء القرآن وأوصافه ونقل الإمام الزركشي عن أبي المعالي عُزيزي بن عبد الملك المعروف بشيدلة في كتابه (البرهان): اعلم أنَّ الله سمَّى القرآن بخمسة وخمسين اسماً، سمَّاه كتاباً ومبيناً في قوله: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الزخرف:1، 2، والدخان:1، 2]. وقرآناً وكريماً في قوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77]. وكلاماً: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]. ونوراً: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً} [النساء: 174]. وهدى ورحمة: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 3]. وفرقاناً: {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1]. وشفاء: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} [الإسراء: 82]. وموعظة: {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57]. وذكراً ومباركاً: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50]. وعلياً: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4]. وحكمة: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} [القمر: 5]. وحكيم: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1]. ومهيمناً: {مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة: 48]. وحبلاً: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} [آل عمران: 103]. وصراطاً مستقيماً: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} [الأنعام: 153]. وقيماً: {قَيِّماً لِيُنْذِرَ} [الكهف: 2]. وقولاً وفصلاً: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [الطارق: 13]. ونبأ عظيماً: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 1، 2]. وأحسن الحديث ومثاني ومتشابهاً: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ} [الزمر: 23]. وتنزيلاً: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192]. وروحاً: {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]. ووحياً:{إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء: 45]. وعربياً: {قُرْآناً عَرَبِيّاً} [يوسف: 2]. وبصائر: {هَذَا بَصَائِرُ} [الأعراف: 203]. وبياناً: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 138]. وعلماً: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 145]. وحقاً: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 63]. وهادياً: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي} [الإسراء: 9]. وعجباً: {قُرْآناً عَجَباً} [الجن: 1]. وتذكرة: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ} [الحاقة: 48]. والعروة الوثقى: {اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256]. وصدقاً: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: 33]. وعدلاً: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام: 115]. وأمراً: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} [الطلاق: 5]. ومنادياً: {يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193]. وبشرى: {هُدًى وَبُشْرَى} [النمل: 2]. ومجيداً: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} [البروج: 21]. وزبوراً: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} [الأنبياء: 105]، وبشيراً ونذيراً:{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً} [فصلت: 3، 4]. وعزيزاً: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41]. وبلاغاً: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} [إبراهيم: 52]. وقَصَصاً: {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3]، وسماه أربعة أسماء في آية واحدة: {صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} [عبس: 13، 14] انتهى). إنزال الكتاب {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} أنزلناه: الله سبحانه وتعالى يتحدَّث عن نفسه بلغة التعظيم، ومَنْ أعظم من الله؟ دائماً القرآن يقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} [يوسف: 2]، {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} [الحجرات: 3]، لا يقول: أنا خلقتكم وإنما يقول: {إِنَّا} سبحانه هو خالق الخلق، ومالك الملك، ومُدبِّر الأمر. والنُّزول عادةً يكون حركةً من أعلى إلى أسفل، والقرآن نزل من السماء إلى الأرض، بل نزل من اللوح المحفوظ من أعلى العُلى إلى هذه الأرض، من الله إلى الخلق، والله سبحانه يقول: {وَإِنَّهُ} أي القرآن {فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف:4]، القرآن وصفه الله بأسمائه. العليُّ الحكيم: من أسماء الله، ولذلك القرآن وُصف بأنه {عَلِيٌّ} وبأنه {حَكِيمٌ} وبأنه مجيد {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} [البروج:21]، وهو عزيز {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت:41]. كيفيَّة نزول القرآن الكريم فما معنى:{أَنزَلْنَاهُ}؟ أنزلناه من اللوح المحفوظ – من أمِّ الكتاب – إلى السماء الدنيا؟ هكذا يقول ابن عباس –رضي الله عنهما– فيما صحَّ عنه من عدَّة طرق أنه قال: «أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العُليا إلى السماء الدنيا جملةً واحدة، ثم فُرِّق في السنين، قال: وتلا هذه الآية: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75]، قال: نزل متفرِّقاً: «أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا». وابن عباس لا يمكن أن يقول هذا الكلام من رأيه. كيف يعرف هذا؟ وهذه من أنباء الغيب – ولذلك قالوا: إذا قال الصَّحابيُّ رأياً أو تفسيراً لا مجال للرأي فيه، ولم يكن ممَّن عُرف بالأخذ عن أهل الكتاب، اعتُبر هذا الحديث الموقوف على الصحابي في حكم المرفوع إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولذلك نحن نقول: إنِّ القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، والليلة التي نزل فيها هي ليلة القدر، ليلة القدر، ليلة نزول من السماء من أعلى علِّيين –من أمِّ الكتاب، من اللوح المحفوظ– إلى السماء الدنيا. تفسير ابن عباس لكيفية نزول القرآن الكريم سُئل ابن عباس: كيف يكون القرآن نَزَل في ليلة القدر، وقرآن نزل في رمضان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]؟ القرآن نزل في رمضان، وفي شوال وفي ذي الحِّجة والمُحرَّم وصفر –ينزل طوال السنة– كيف ينزل في ليلة القدر؟ قال رضي الله عنه: «أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا». وبعضُ العلماء الذين لم يَرْضَوا بهذا التفسير قالوا: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} يعني: ابتدأنا إنزالَهُ في ليلة القدر، يعني أوَّل ما نَزَل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، ولذلك قال بعضهم: سبعة عشر من رمضان هي ليلة القدر. نزولُ القرآن وتنزُّلاته نحن نقبل ما جاء عن ابن عباس أنَّ القرآن نزل أولاً إلى السماء الدنيا، ثم بعد ذلك –بعد ما قَرُبَ من الأرض– أصبح ينزل حسب الوقائع والحوادث في حوالَي ثلاث وعشرين سنة، كلَّما حدثت حادثة ينزل فيها القرآن، يُعلِّم الناس ويُجيب عن تَسَاؤلاتهم، ويَحُلُّ مشكلات المجتمع الجديد والأمة الجديدة التي يبنيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم– على أُسس قرآنية: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان:33]، {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} [الإسراء:106]. الأول: إنزالٌ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. الثاني: نزوله حسب الوقائع والحوادث، وهو ما يدل عليه قوله سبحانه: {تَنْزِيلُ} أي: نزَّلناه تنزيلاً حسب الوقائع؛ لأن كلمة {تَنْزِيلُ} معناها التفعيل، وهو يفيد التكثير، كثرة النزول، مرَّة بعد مرة، وحالة بعد حالة. {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} يا محَّمد، لم تُنْشِئُه أنت ولم تصنعه، بل أنزل عليك، ليس لك منه إلا أن تَتَلقَّاه {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى} [الأعلى:6]. وتحفظه وتُبلِّغه إلى الأمة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة:67]. وتُبيِّنه للناس: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]. وتطبِّقه عليك، لأنَّ بيانك ليس بمُجرَّد القول ولكن بالعمل، عليك أن تُبيِّن هذا القرآن وتُطبِّقه، لأنك الأسوة لهذه الأمة. عدم توقع الرسول نزول القرآن عليه فالرسول أُنزل إليه هذا الكتاب، ليس له دَخْلٌ فيه، وكما قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [القصص:86]، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى:52]. أُنزل إليه الكتاب، وما كان يتوقَّع، ولذلك حينما نزلت الآيات الأولى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]. حينما ضمَّه جبريل وغطَّه غطّاً قوياً، وقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ – أنا أُمِّيٌّ – قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1- 5]، فرجع إلى زوجه خديجة وفؤاده يرجف وجسمه يرتعش (زمِّلوني زمِّلوني– غطُّوني -) ما كان يتوقع هذا! أُنزل إليه وما كان يرجوه وما كان يتوقَّعه، ما له دخل فيه، ولذلك أحياناً يُبطئ عليه الوحي لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ينتظر حتى يأتيه الوحي. عالمية الرسالة المحمدية {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} الأنبياء جاؤوا ليخرجوا أقوامهم من الظلمات إلى النور، كما سيأتي بعد قليل أنَّ الله تعالى قال لموسى: {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم لم يبعث لقومه خاصَّة وإنما بُعث إلى النَّاس كافَّة، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم. عدَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خصائصه، فقال: «وكان النبيُّ يبعثُ إلى قومه خاصَّة، وبُعثتُ إلى النَّاس عامَّة» ولذلك هنا لم يقل: (لتُخرج قومك)، وإنما قال: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ} العرب والعجم، أهل الشرق وأهل الغرب. الحكمة من جمع الظلمات وإفراد النور جمع الظلمات وأفرد النور. لم يقل: من الظلمة إلى النور، ولم يقل: من الظلمات إلى الأنوار، لماذا؟ لأنَّ الظلمات تُمثِّل الضلالات، وضلالات النَّاس وأباطيلهم شتّى. ليس هناك باطل واحد، هناك ألف باطل وباطل، إنما الحقُّ واحد لا يتعدَّد. أبواب الضلالات كثيرة، ولكن باب الهدى واحد، المُضلُّون كثيرون ولكنَّ الهادي واحد، هو الله. ولذلك تعدَّدت الظلمات كما ذكرت في القرآن الكريم: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257]، {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد:9]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق: 10- 11]. فالظلمات كثيرة والباطل كثير الألوان والأنواع. ولكن الحق واحد، ومصدر الحق واحد هو الله عزَّ وجل. كثرةُ الظلمات وتراكمُها النَّاسُ ضلُّوا ضلالاتٍ كثيرة، عَبَدُوا من دون الله آلهَةً لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَع، ولا تُعْطي ولا تَمْنَع، ولا تَضرُّ ولا تَنْفَع، ولا تَمْلِكُ مَوْتاً ولا حَيَاةً ولا نُشوراً. الناسُ ضَلُّوا سواءَ السبيل في عقائدهم، في عباداتهم، في معاملاتهم، وَأَدُوا البنات، قتلوا أولادهم من إملاق أو خَشْيةَ إملاق، شَرِبوا وسَكِروا، ارتكبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اقْترفوا المظالم، افترس الأقوياء الضعفاء، تجبَّر السادة على العبيد، كانت الدنيا هكذا. فالغاية من إنزال القرآن وبعثة الرسول هي إخراج الناس –كل الناس– ليس إخراج قريش وحدها، ولا العرب وحدهم، بل إخراج الناس من الظلمات إلى النُّور. الحكمة من إنزال الكتاب على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صرَّح هنا بالهدف من إنزال هذا الكتاب إلى محمد صلى الله عليه وسلم. لماذا أَنَزَل الله إليه هذا الكتاب؟ قال: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: لِتَهديَ الناس بهذا الكتاب الذي هو أعظمُ هَادٍ للنَّاس من ضَلالاتهم. فجاء محمَّد -عليه الصلاة والسلام– وأوحى الله إليه بهذا الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. هذه مهمّة هذا الكتاب، ومهمَّة الرسول الذي أُنزل إليه هذا الكتاب أن يُخرج الناس من الظلمات إلى النور، أن يُعلِّمهم من جَهَالة، وأن يهديَهم من ضلالة، يُخرجهم من ظلمات الشِّرك إلى نور التوحيد، من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، من ظُلمات الرذيلة إلى نور الفضيلة، من ظلمات الجهل إلى نور العلم، من ظلمات الانحراف إلى نور الاستقامة، من ظلمات الباطل إلى نور الحق، من ظلمات الطاغوت إلى نور الله عزَّ وجل، وهو أساس النور في هذا الوجود كلِّه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35]. على هذا الرسول أن يُخرج الناس من الظلمات: ظلمات الاعتقاد، وظلمات الفكر، وظلمات السلوك، وظلمات التقاليد، وظلمات الأنظمة الجاهليَّة، والقوانين الجاهلية، ليخرجهم من هذه الظلمات كلها إلى نُور الإسلام بإذن الله عزَّ وجل. {لِتُخْرِجَ النَّاسَ} الذي يقوم بمهمة الإخراج هو محمد عليه الصلاة والسلام، عليه أن يقوم بالجهد لإخراج الناس، فهم لن يخرجوا بمجرَّد أن يتلوَ عليهم القرآن، فهم بحاجة إلى جهدٍ جَهيد لإخراجهم من الظلمات إلى النُّور، يحتاجون إلى دعوة، إلى ترغيب، إلى ترهيب، إلى تشويق، إلى تخويف، إلى تربية، إلى متابعة... وهكذا كان عمل النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم يعايش الناس، كان لهم أسوةً حسنةً في كلِّ أمور حياتهم، يجدون في حياته: الأسوة الحسنة لهم. الشاب يجدُ أسوته في حياة محمَّد -عليه الصلاة والسلام- وسيرته، والمتزوِّج يجد أسوةً في سيرته، والعَزَب يجد أسوةً فيه حينما كان عزباً، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والمسالم والمحارب، كلُّ الناس يجدون أسوتَهم فيه -عليه الصلاة والسلام-. والأنبياء جاؤوا ليخرجوا أقوامهم من الضلالة إلى الهداية. دلالة قوله سبحانه: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}: محمَّد -عليه الصلاة والسلام- هو الذي عليه أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}، يعني بتوفيق اللهِ سبحانه وتعالى وبتيسيره. فلولا أنَّ اللهَ يشُدَّ أزْرَك، ويُوِّفقك، ويساعدك ما استطعتَ أن تَهْديَ أحداً {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [القصص: 86]. أنتَ عليكَ أن تُبيِّن، وعليك أن تَتْلُوَ القرآن، وعليك أن تَعْمَلَ لهداية الناس، ولكن بدون توفيق الله، لن يهتديَ أحدٌ. ولذلك قال: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]. دلالة كلمة الرب في القرآن الكريم ولكنَّ القرآن هنا اختار أن يكون بإذنِ ربهم، وكلمة الرب قد ذُكرت في القرآن كثيراً مضافة مثل: (ربهم)، (ربُّنا)، (ربُّكم)، (ربُّكما)، (ربُّ العالمين)، ذكرت في القرآن أكثر من تسعمائة وخمسين مرة، وهي تدلُّ على السِّيادة المُطْلَقة، وتدلُّ على المِلْكيَّة، فالعرب تقول: ربُّ الدار، وربُّ الدابَّة: يعني مالكها. وتدلُّ على الرعاية والتربية، رعاية الشيء حتى يبلغ كمالَهُ المُقَدَّرَ لنوعه، فالله هو الراعي، هو المُربِّي، هو الذي يرعى هذا الكون، ويرعى الإنسان، ويرعى كلَّ شيء في هذا الوجود حتى يبلغ كمالَهُ المقدَّرَ لمثله. {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} صراطُ العزيزِ الحميد العلماء يقولون: هذه بدل من كلمة: {إِلَى النُّورِ} بدل كلٍّ من كلٍّ، أي: تُخرجهم من الظلمات إلى النور، ما هو هذا النور؟ {صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.. تنقل الناس من الضلالات، من الأباطيل، من المفاسد، من الرذائل إلى النُّور، أي: إلى صراط الله العزيز الحميد. إضافة الصِّراط في القرآن الكريم الصِّراط هو: الطريقُ الواسع، الذي ذكره الله تعالى في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7،6]، الصِّراط المستقيم هو: صراط الله، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى:52، 53]. وأحياناً يضاف إلى سالكيه: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] من النبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين. وأحياناً يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعي إليه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153]. وأحياناً يضاف إلى مَنْ شَرَع هذا الصِّراط، وإلى غاية هذا الصِّراط، لأنَّ لهذا الصِّراط غاية؛ أن يُوصِلَكَ إلى الله: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} [النجم:42]. إلى رضى الله ورضوان الله، إلى مَثُوبة الله، وهذا غاية الغايات. هناك طريق يوصلك إلى سَخَط الله، إلى عذاب الله، إلى جهنَّم وبئْسَ المصير، هذه سُبُل على رأس كلٍّ منها شيطان يدعو إليه، أما الصِّراط فهو الذي يوصلك إلى الله، إلى رضوانه ومثوبته. وَصْف الصِّراط باسمين من أسمائه الحُسنى القرآن اختار هنا بدل ما يقول: {صِرَاطِ اللَّهِ} كما قال في سورة الشورى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [الشورى:52، 53]، وَصَف الصِّراط هنا ببعض أسمائه الحسنى: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، واختار هذين الاسمين الكريمين من أسماء الله الحُسنى لدلالاتهما، لأنَّ أحدهما يدلُّ على العزَّة: القوة والغَلَبة. {الْعَزِيزِ} المنيع الذي لا يغلبه شيء، ولا يقهره شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. و{الْحَمِيدِ} أي: المحمود على كلِّ حال، والمحمود بكلِّ لسان، المحمود في ذاته، والمحمود في صفاته، والمحمود في أفعاله.. فالاسم الأول يُمثِّل: أسماء الجلال، والاسم الآخر يُمثِّل: أسماء الجمال، وللهِ تعالى أسماءُ الجلال وأسماء الجمال: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:78]. الجلال يُمثِّل القوَّة والإكرام، والجمال يُمثِّل الرحمة والإحسان... فالله سبحانه وتعالى له الملك وله الحمد. {الْعَزِيزِ} يمثِّل الملك، و{الْحَمِيدِ} يُمثِّل الحمد. هناك أناس لهم الملك ولكن ليس لهم الحمد، لهم الجبروت ولهم التَّسلُّط على عباد الله، يقهرون الضعفاء ويتسلَّطون على المساكين والفقراء، لكنهم ليسوا محمودين. الله وحده هو الذي له الملك وله الحمد: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن:1]. سُنَّة القرآن في إضافة اسم من أسماء الحمد بعد اسم (العزيز) {صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.. دائماً القرآن إذا ذَكر (العزيز) يذكر اسماً من أسماء الحمد، أي من أسماء الجمال. وهنا ذكر {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، وبعد آيتين سيذكر: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} في قوله: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وأكثر ما قُرن باسم (العزيز) في القرآن (الحكيم)، ولكن أيضاً يوجد {الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]، و{الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [ص: 66]، و{الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} [ص: 9]، و{الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 5]، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 9].... وهكذا القرآن يقرن دائما اسم العزيز باسمٍ من أسماء الحمد والجمال. سرُّ اقْتران اسم العزيز بالحكيم ومَنْ يتأمَّل هذه الأسماء التي اقترنت في القرآن: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يجد أنَّ هناك حكمة في ربط اسم بقرينه.. قد تكون الحكمة واضحةً وقد تحتاج إلى تأمُّل. بعضُ الناس توقَّف عند قوله تعالى على لسان عيسى –عليه السلام-: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118]. فربما توقَّع بعض الناس (وإن تغفر لهم فإنَّك أنت الغفور الرحيم) لا.. هنا {أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} إذا غفرت لن تَغْفِرَ عن ضَعْف، تغفر عن عزّة وقوَّة، ولا تضع الأشياء في غير موضعها، بل أنت حكيم، تغفر لمن يستحق المغفرة. كذلك قوله تعالى: {وأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:63]. هنا ذكر العزَّة والحكمة، لأنَّ تأليف القلوب المتنافرة أمرٌ عسير. كيف تُؤلِّف بين قلوب الناس ولهم أهواء شتّى؟ وكل واحد مملكة في نفسه، له مطالبُهُ وله خُصوصيَّاته، كيف تُؤلِّف هذه القلوب؟ تحتاج إلى عزَّة وإلى حكمة أيضاً: {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:63]. اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} مَنْ هو العزيز الحميد؟ {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} هناك قراءتان: قراءة تقول: {اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} هو الله {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}. وقراءةٌ على الجر ليس على الرفع: {اللَّهِ الَّذِي مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} بدل ممَّا قبله: {صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ق