الصفحات المتخصصة
02 يوليو 2016 , 12:06ص
عبد الله السادة
التأمل في آيات الله في الآفاق، والنظر في بديع صنع الخلاق، ينمي في صاحبه التفكر والاعتبار، ويبعث في قلبه تعظيم الواحد القهار، فيستدل العبد على عظمته سبحانه بآياته الكونية، ويدرك بها سننه الشرعية، ويعلم حقيقة الوجود، وأهمية العمل لليوم الموعود، يقول الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «ومعنى الآية أن الله تعالى يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيها من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات وثوابت، وبحار وجبال وقفار، وأشجار ونبات، وزروع وثمار، وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والطعوم، والروائح والخواص. {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا، وكل ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى: {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون. إخوة الإيمان: وفي خلق الإنسان من مواضع التفكر والعظة، ما يدل على إتقان خلق الجبار سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}، خلقه الله من مني يمنى، وحوله من نطفة إلى إنسان سوي مكرم، وميزه عن سائر المخلوقات {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ*ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ*ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}. آيات بينات في هذا المخلوق الضعيف، آيات في لحمه وعظمه، وجسده وروحه، وحركته وسكونه، وعقله وإدراكه، فهذا العقل الصغير الذي أعطاه الله من العلم ما استطاع به أن يبني هذه الحضارة العظيمة في مبانيها وصناعتها ومكتشفاتها، أرأيتم لو أن الله خلق الإنسان بلا عقل؟! هل يصل إلى ما وصل إليه في الماضي والحاضر؟! وما الذي كان سيميزه عن سائر الحيوان؟! وانظروا كيف يكون حال الإنسان حينما يسلب العقل؟! هذا العقل الذي حير أرباب العلم والطب، صنع الإنسان الحاسوب حتى يؤدي وظيفة العقل البشري، لكن ظهر أن العقل البشري يفهم ويميز ويحفظ، والحاسوب يحفظ فقط، بل إن مخزون العقل البشري من الذاكرة أكبر من مخزون الحاسوب، حتى أفاد علماء الحاسوب وصناعه أنهم إذا أرادوا صناعة حاسوب يختزن من المعلومات مثل ما يختزن العقل البشري حفظا فقط ومن دون فهم، فإن عليهم أن يصنعوا حاسوبا في حجم الأرض كلها.
أيها المسلمون: انظروا إلى كثرة بني آدم في الأرض، ليسوا بالآلاف ولا بالملايين، بل بالمليارات، ومع ذلك فألسنتهم وألوانهم مختلفة، فلا تجد شخصين متشابهين من جميع الوجوه، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}، قال ابن كثير رحمه الله: «فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة: كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام ظاهرا كان أو خفيا يظهر بالتأمل، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لا بد من فارق بين كل منهم وبين الآخر».
إخوة الإسلام: وفي أنواع الحيوان والنبات وسائر المخلوقات آيات بينات، مما يستحق أن يتفكر فيه العباد بعقول راجحات {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ}، سئل الإمام الشافعي -رحمه الله- عن وجود الله فقال: «هذا ورق التوت طعمه واحد، تأكله الدود فيخرج منه الحرير، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه روثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد!».