

منذ خلق الله أبانا آدم وحواء إلى بعثة الرسول الخاتم قام الدين على أساس من التوحيد الكامل لله. وهذا التوحيد يقتضي تنزيه الخالق -سبحانه وتعالى- عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله، كما يقتضي اللجوء إليه والاستعانة به، والسؤال منه وحده دون غيره.
لذلك يروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه نادى على ابن عباس قائلا له: «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
ولكن غواية الشيطان للإنسان لم تتوقف عند حدود إغرائه بالخروج على أوامر الله تعالى في مجال السلوك، كما حدث في الأجيال من آدم إلى نوح، بل امتدت إلى دائرة العقيدة لإخراج بني آدم من التوحيد إلى الشرك، ولم يتمكن الشيطان من تحقيق ذلك إلا في زمن قوم نوح انطلاقا من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق».
ويروي ابن عباس: «.. أن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا، فأوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت، بعث الله عبده ونبيه نوحا ليرد قومه إلى التوحيد من جديد، وبعد ألف سنة إلا خمسين عاما من دعوته إياهم لم يستجب له إلا آحاد منهم، ولما يئس نوح من هداية قومه دعا الله تعالى عليهم فجاء الطوفان الذي أفناهم وطهر الأرض من شركهم، ونجى الله عبده نوحا والذين آمنوا معه».
وتكرر هذا الأمر مع مئة وأربعة وعشرين ألف نبي. اصطفى الله تعالى من بينهم ثلاثمئة وبضعة عشر رسولا. وظل الشرك بالله هو أوسع مداخل الشيطان لغواية الإنسان، يبدأ الشيطان في إغراء الإنسان بتعظيم فرد من بني آدم، أو شيء مما خلق الله حتى يتسرب الشرك إلى قلبه دون أن يشعر به، ولذلك قيل: الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء. ويقول ابن كثير في تفسيره: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا، لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له.
ويقول ابن عباس: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد.. وبعث الرسول الخاتم والأرض غارقة في بحار من الكفر والشرك والضلال».. وفي ذلك يقول: «.. إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم -عربهم وعجمهم- إلا بقايا من أهل الكتاب».
وبعد أن قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مختلف صور الشرك بالله، وأقام دولة الإسلام على ركائز من التوحيد، حذر من افتراق أمته، فقال: «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة». وفي حديث آخر قال: «ما أنا عليه وأصحابي». وقال: «لا تقوم الساعة حتى تلتحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى يعبدوا الأوثان»، وقال: «.. ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم فقال رجل: وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله».
وفي أيامنا هذه رأينا مغاوير جنوب لبنان يتركون العدو الإسرائيلي خلف ظهورهم، ويغيرون على الشعب السوري المسلم يحملون الأعلام الصفراء واللافتات السوداء التي تنادي على الحسين بدلا من الاستعانة بالله، وكأنهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فلم يدركوا أن ذلك باب من أخطر أبواب الشرك بالله. والله تعالى يحذر من هذا السقوط بقوله العزيز: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} صدق الله العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.