مكة ترى الإسلام تهديداً سياسياً وخطراً على سيادتها واقتصادها

alarab
باب الريان 02 يونيو 2017 , 08:34ص
احمد حافظ
عاشت مكة في سعة من العيش، يأتيها رزقها من كل مكان؛ بفضل عاملين: أحدهما سيطرتها على طرق التجارة بين شمال الجزيرة العربية وجنوبها، ومهارة أهلها الكبيرة وخبراتهم المتراكمة في هذا الميدان، وهي التي اكتسبوها عبر سنوات عديدة.
وثانيهما يعود إلى المكانة الروحية والدينية التي تمتعت بها مكة بين القبائل العربية، لقيامها على خدمة زوار البيت الحرام، وهو السبب نفسه الذي وفر لها عوامل الأمن والسلام مع محيطها الجغرافي، كما وفر لها السيادة والرياسة، بالإضافة إلى عوامل الاستقرار التي تمتعت بها قريش دون غيرها من القبائل المتناثرة في فيافي مترامية لاهثة وراء الكلأ والمرعى.
ولما كثرت روافد الخير، وتكدست الثروات، جنح أشراف قريش إلى التكبر والقسوة والجحود، ووجدوا أن أي تغيير في هذا النظام المتوارث يعد تهديداً مباشراً لمواردهم الاقتصادية وانتقاصاً من سيادتهم. فلما ظهر الإسلام في مكة، وأخذ رسول الله يدعو إلى الحق، اعتبروا هذا الشيء الوافد تهديداً لكل هذه المكتسبات، ومن ثم أعلنوا العداء والحرب من اليوم الأول، ولم يدخروا جهداً أو مالاً في سبيل التخلص من هذا التهديد.
وحاول الرسول -صلى الله عليه وسلم- جاهداً أن يقنع أهل مكة بأن قبولهم الحق لن يحرمهم شيئاً من الخير الذي تمتعوا به، لكن نفوسهم أبت سماع صوت الحق. قال الله تعالى: «وقالوا إن نتبع الهدى نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون». [القصص: 57].
من هنا كانت حرب مكة على الإسلام وعلى أتباعه، هي حرب اعتبروها دفاعاً عن كيانهم المادي ووضعهم الاقتصادي، بل إنهم صدوا القبائل الأخرى عن الدعوة الإسلامية، ومنعوها حتى أن تستمع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما كان يلتقي وفود القبائل التي تأتي إلى مكة للتجارة أو الحج، وكان أبو لهب يدور على هذه الوفود، ويحذرها من الاستماع إلى النبي، ويصفه بأبشع الصفات وأشدها.
وأغلق المجتمع المكي الباب دون الدعوة الإسلامية، وأصم الآذان دون السمع، وأعمى العيون دون النظر إلى نور الحق، وتحول إلى مجتمع طارد للنبي وأصحابه. وعلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بهذا مبكراً، وعرف أنه لا بد من إيجاد مجتمع جديد يكون بديلاً عن مكة، ويكون نواة لتأسيس البناء الإسلامي، ومن ثم جاءت الهجرة إلى الحبشة، وخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وعدد من القبائل، ولقاؤه عدداً من وفود القبائل التي تأتي إلى مكة، ثم لقاؤه بنفر من أهل يثرب، لتولد مرحلة جديدة من عمر الدعوة الإسلامية في هذه المدينة التي أعلنت أنها مستقبل الإسلام.