الإيمان بقضاء الله وقدره يخفف المصيبة بحادث الحريق
محليات
02 يونيو 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال الداعية اليمني فضيلة الدكتور محمد بن موسى العامري البيضاني مدير عام مركز الدعوة العلمي بصنعاء إن مما يخفف المصيبة بحادث الحريق الذي ذهب ضحيته 19 شخصا معظمهم من الأطفال هو الإيمان بقضاء الله وقدره، وإن الميت حرقا من المسلمين شهيد بإذن الله، وبين بخطبة الجمعة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن من أكبر الشدائد التي تمر بها أمة الإسلام هذه الأيام هي ما نشاهده من مصائب في بلاد الشام سواء بفلسطين أو سوريا.
الخلق فقراء إلى الله
وأوضح فضيلة الشيخ البيضاني أن الله تعالى له الغنى المطلق، والخلق لهم الفقر المطلق، مشيراً إلى قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ»، وقال إن غناه سبحانه وتعالى فوق كل غنى، ولا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية عاص، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. ثم بين سبحانه كمال غناه في الرفق وفي الخير والعطاء فقال: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المِخْيَطْ إذا أدخل البحر».
وبين البيضاني أن كثيرا من الناس تمردوا على الله وأعرضوا عن أبوابه فلم يضروا إلا أنفسهم ولم يضروا الله شيئا، قال تعالى: «وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ»، ومن يشكر الله يعظم له أجرا، وإن الله تعالى لكمال غناه يفتح بابه للتائبين وهو مستغن عن توبتهم، ويعاملهم بباب التوبة معاملة الرحمة والشفقة، قال تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»، والله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، قال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، فهذه معاملة الغني للفقراء.
وقال البيضاني: إن الله تعالى يدعو عباده لأن يدعوه ويعدهم بأن يستجيب لهم، قال تعالى: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ» وقال: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»، والله جعل الآخرة مأوى للمحسنين المتقين «مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، «هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ»، فكلنا فقراء إلى الله، أصحاب الجاه والسلطان، أصحاب المال والعقار والأطيان، وكل من هم سواه فقراء إليه.
شدائد أهل الشام
ونحن فقراء إلى الله لأنه خلقنا، قال تعالى: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا»، وهو الذي أعطانا هذه الجوارح والحواس، «وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ» وهو الذي رزقنا الأقوات والطعام وهو الذي علمنا ما لم نكن نعلم «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ونحن فقراء إلى الله فقرا ذاتيا، ونحن فقراء إليه في دفع المكاره وإزالة الشدائد، ونحن فقراء إلى الله ليدفع ما حل بالأمة من نكبات وشدائد، ومن أكبر الشدائد ما نشاهده اليوم في بلاد الشام سواء في فلسطين وما يعانيه أهلها من الصلف اليهودي الحاقد، أو ما نشاهده بسوريا من محن وكوارث تحل بشعب عربي مسلم، ولولا أنا نشاهد ذلك بأعيننا لما صدقنا أن هناك من ينكل بشعبه هذا التنكيل، قسوة لا ترحم امرأة ولا طفلا ولا شيخا كبيرا، ولا نكاد نعرف عن تلك المجازر إلا بتاريخ التتار والنازية.
وأوضح البيضاني أن ما يحدث في بلاد الشام يستدعي من المسلمين النصرة، ها هي الكوارث تحل بأرض الشام والله تعالى يقول إن الطائفة المنصورة في تلك البلاد، والله تعالى يمهل ولا يهمل، فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، قال: ثم قرأ: «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد»، وقال إننا ندرك أن سنة الله ستنال هؤلاء الظلمة المتجبرين.
وبين البيضاني أن جميع المسلمين اليوم مطالبون بنصرة أهل الشام, ذو السلطان بسلطانه وذو المال بماله وذو القوة بقوته والعالم بعلمه، مشيراً إلى قوله تعلى: «وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ»، موضحا أن الأحداث التي حلت بالشام عرّت نظما كانت تدعي المقاومة, وكشفت أقواما كانوا يدعون نصرة الحق؛ فإذا بهم يقفون إلى جانب الظالم وينصرونه في ظلمه، كما كشفت أحداث الشام عن مواقف مشرفة وقفت إلى جانب أهل الحق ولم تقبل دعم الظالم، فشكر الله كل من أعان أهل الشام وكل من وقف إلى جانب المظلوم حتى ينال حقوقه.
من الفقير؟
وقال البيضاني: إن كثيرا من الناس لا يفهمون من الفقير، فيظنون أن الفقير هو من لا مال له, وهذا صحيح في بعض جوانبه ولكن الفقر الحقيقي هو الفقر إلى الله الذي يستوي فيه سائر الخلق، واستشهد بأبيات من الشعر تقول: فقيراً جئتُ بابك يا إلهي/ ولستُ إلى عبادك بالفقيرِ/ غنياً عنهمُ بيقينِ قلبي/ وأطمعُ منك في الفضلِ الكبيرِ/ إلهي ما سألتُ سواك عونا/ فحسبي العونُ من ربٍ قديرِ/ إلهي ما سألتُ سواك عفوا/ فحسبي العفوُ من ربٍّ غفورِ/ إلهي ما سألتُ سواك هديا/ فحسبي الهديُ من ربٍّ بصيرِ/ إذا لم أستعن بك يا إلهي/ فمن عوني سواك ومن مجيرِ
مشيراً إلى أن الإمام ابن تيمية رحمه الله كان ينشد أبياتا تقول: أنا الفقير إلى رب البريات/ أنا المسيكين في مجموع حالاتي/ أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي/ والخير إن يأتنا من عنده ياتي/ لا أستطيع لنفسي جلب منفعة/ ولا عن النفس لي دفع المضرات/ وليس لي دونه مولى يدبرني/ ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي/ إلا بإذن من الرحمن خالقنا/ إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات/ ولست أملك شيئا دونه أبداً/ ولا شريك أنا في بعض ذرات/ ولا ظهير له كي يستعين به/ كما يكون لأرباب الولايات/ والفقر لي وصْفُ ذاتٍ لازم أبداً/ كما الغنى أبداً وصْف له ذاتي/ وهذه الحال حال الخلق أجمعهم/ وكلهم عنده عبد له آتي/ فمن بغى مطلبا من غير خالقه/ فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي/ والحمد لله ملء الكون أجمعه/ ما كان منه وما من بعد قد ياتي.
حادث الحريق
ونوه البيضاني إلى أن الحريق الذي حدث في أحد المجمعات التجارية في مدينة الدوحة وذهب ضحيته 19 شخصا معظمهم من الأطفال، وقال لا شك أن الموت مصيبة, وقد قال تعالى: «يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ» موضحا أن ما يخفف المصيبة للمؤمن إيمانه بقضاء الله وقدره، والله تعالى هو الذي يقدر الأرزاق والآجال، والله يقول: «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ»، وإن مما يخفف المصيبة للمسلم أن الموت بالحريق هو شهادة في سبيل الله، وقد جاء في سنن النسائي ومسند الإمام أحمد أن الشهداء سبعة منهم الحريق، وسأل الله العلي القدير أن يرحم أموات المسلمين جميعا.
- الشيخ محمد بن موسى العامري البيضاني من مواليد عام 1385هـ بمنطقة خصب بني عامر، محافظة البيضاء. نال درجة الدكتوراه بامتياز من جامعة أم درمان- السودان على بحثه الموسوم بـ «دلالة المفهوم وأثرها في تفسير الإمام القرطبي»، وقد تلقى تعليمه الأساسي بمنطقة العقلة ثم رحل إلى السعودية, وواصل تعليمه فيها ثم عاد إلى اليمن, والتحق بدماج، وصعدة مركز الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى, وحفظ القرآن, ودرس على الشيخ مقبل في التوحيد والحديث والمصطلح والأصول واللغة العربية لمدة ما يقارب سبع سنوات، ثم رحل إلى أرض الحرمين مرة أخرى، واستفاد من بعض مشايخها, كالشيخ عبدالعزيز بن باز وابن عثيمين رحمهما الله تعالى, والشيخ سفر الحوالي، والشيخ عبدالمحسن العباد والشيخ محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي.
عاد إلى اليمن وشارك في تأسيس مركز الدعوة العلمي, ومن العلماء الذين استفاد منهم ودرس عليهم القاضي محمد بن إسماعيل العمراني, والدكتور عبدالكريم زيدان, والدكتور علي السالوس, والشيخ علي سالم بكير, والدكتور وهبة الزحيلي، وغيرهم.
شارك في تأسيس جمعية الحكمة, وجمعية الإحسان, وهيئة علماء اليمن، كما شارك في عدة مؤتمرات, وله العديد من الدراسات والبحوث منها رسالة الماجستير في مقاصد الشريعة في ضوء سورتي النساء والمائدة, ورسالة الدكتوراه في دلالة المفهوم وأثرها في تفسير القرطبي كلاهما من جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان، ويعمل حالياً مدرسا لمادة التفسير بمركز الدعوة العلمي وإمام وخطيب جامع الدعوة, وعضو رابطة علماء المسلمين, ونائب رئيس هيئة علماء اليمن, والأمين المساعد لهيئة الفضيلة, ورئيس مجلس أمناء موقع منبر علماء اليمن.