عبدالرحمن المحمود: ركبت أول سفينة ولم أبلغ السنة وأشعر أنني ولدت في قارب
منوعات
02 يونيو 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
جمع إليه فضائل العالم الذي وصل سقفه وجاب قاعه، متأملا وباحثا ومؤرخا ومنقبا عن جماليات الإنسان العظيمة، وفيا لأسلافه الرحالة من قبل ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان، وربما ابن ماجد أيضا وهو يدل «فاسكو دي جاما» على رأس الرجاء الصالح.
بيد أن العالم الذي كان مسرحا لخواطره وتأملاته وكشفه، وهو الذي أودع ذلك كله في سيل هائل من الكتب، بقي فيه منزل واحد يؤرقه الحنين دوما إليه «فريجه الأول أم غويلينة»، درج في مدرستها «الخليج العربي» التي غدت أنقاضا وأنشد أناشيد أولى فيها، ولعب مع صغار الحي في ساحاتها، رغب في دراسة الرياضيات إلا أن التقاليد العائلية البحرية، شدته إليها فغدا بحارا أمينا «لأصول هو أحد فروعها».
يدنو الرحالة والأديب القطري عبدالرحمن المحمود من عتبة الستين، لكنه وهو الذي يستكثر «عمرا أوصله إلى كل هذه السنين» بإمكانه ترديد مقولة الشاعر العالمي بابلو نيرودا «أشهد أنني عشت» عاش وشاهد، وأثر وتأثر، وفي أقصى صقيع الغرب البارد استعاد صاحب معجم العين، ومكتشف إيقاع الشعر العربي وأوزانه «الخليل بن أحمد الفراهيدي» فأسس مركزا للحضارة العربية الإسلامية يحمل اسمه ويخلده هناك.
وفي ذهابه وإيابه، برا وبحرا وجوا، كان المحمود يحمل معه أيضا هواجس أمته أينما حل، يبدي ضيقه إن لم يجد مسجدا حتى في أقاصي الأرض، ويؤلمه أن لا تصل معارف المسلمين إلى كل مكان ، اخذ خطوة متقدمة حين اراد أن يؤسس للمستشرقين معارف وأرضية أفضل لفهم الشرق ، بدلا من تركهم يقدمون قراءات وفق مرجعياتهم ثم سبهم بعد ذلك.
وفي أوكرانيا أسس مركزا «لبني أمية» الدولة الأكثر عروبية في ممالك وخلافة الأمة عبر تاريخها الطويل.
ستطول المقدمة كثيرا، في الحديث عن عبدالرحمن محمود الذي حاورته العرب وهنا فيض من حديث فيه سِفرٌ من الذكرى وأسْفارٌ أخرى عن أسفاره التي طالت..
درت العالم كله وبدا مسرحا لخواطرك وتجوالك، وصلت سقفه وقاعه، لكن ماذا عن «فريجك» الأول ومسرح خيالاتك الأولى، أعني ما الذي تذكره من مدارج الطفولة تلك؟
- يعيدني سؤالك إلى قول الشاعر العربي القديم:
كل منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل
وفي بيت الشعر جواب على حنيني الدائم «لأول منزل» فهو دائما الحبيب الأول مهما نقلت فؤادك مهما كان بسيطا ومتواضعا مقارنة مع منازل أخرى تنقلت فيها سواء في قطر أو في مناطق أخرى من العالم.
و «فريجي» الأول الذي تسألني عنه هو «أم غويلينة»، وهو بالنسبة لي ولأقراني ليس فريجا، بل أما حقيقية وليست مجازية كما يوحي الاسم! وقد يأخذنا الربط بين مذكر الفريج ومؤنث الاسم «أم غويلينة» إلى متاهة لسنا بحاجة إلى اجتيازها. فالأمر محسوم للأم التي هي دوما أم رؤوم، حنون، عطوف... أم غويلينة إذن كانت أكثر من فريج أو حي هي مدينة هادئة وادعة صغيرة، هي مدينة الدوحة في الخمسينيات (بداية الومضة الأولى في الذكريات). بل هي «وطن» صغير إذا خرجنا منه لأي سبب من الأسباب، نشعر بالوحشة والغربة، وصبية «الفرجان» الأخرى ينظرون إلينا نظرة وجل وريب وشك! ما لذي جاء بهؤلاء الغرباء إلى حينا؟! لقد كانت معظم -إن لم يكن كل- العائلات القطرية ممثلة في الفريج وكنا نعيش بانسجام. لا يستطيع أحد أن يميزنا عن بعض، نشارك بعضنا بعضا في الأفراح والأحزان والمناسبات الاجتماعية والدينية، كنا في مستوى اجتماعي ومعيشي وثقافي متطابق، ليس هذا فقط، بل كان لنا «نشيدنا» -إن جاز التعبير- نردده نحن تلاميذ مدرسة الخليج العربي الابتدائية، ألفه ولحنه لنا الأستاذ الفلسطيني «خالد نصر» رحمه الله وأحسن إليه حيا أو ميتا يقول في مطلعه: ياللا ودينا على أم غويلينة، كان أستاذنا يعزف على العود، ونحن نردد بحماس منقطع النظير النشيد ولم يفطن أي منا إلى أننا نردد النشيد ونحن في «أم غويلينة» فعلا لم نغادرها، فكيف إذن ودينا على أم غويلينة!
مبدعون من أم غويلينة
من أم غويلينة أشرقت نجوم وأسماء لامعة ليس فقط في سماء الوطن، بل وصلت إلى العالمية في كل المجالات العلمية والثقافية والفكرية والأدبية والفنون وغيرها، وفيها نشأ كتاب ووزراء ودبلوماسيون وفنانون ورياضيون، أذكر منهم على عجالة المفكر العربي الدكتور علي بن خليفة الكواري، والقانوني العالمي الدكتور نجيب النعيمي وزير العدل السابق، والطبيب الدكتور عبدالرحمن الكواري وزير الصحة الأسبق، وأبو المسرح القطري الحديث عبدالرحمن المناعي، والمفكر الأستاذ علي بن عبدالله المناعي، والممثل علي حسن، والفنان التشكيلي فرج دهام وإخوانه لاعبو الفريق الوطني القطري لكرة القدم، والصحافي الشهير أحمد علي وغيرهم كثير ممن يستحقون فعلا أن يكونوا في سجل شرف الفريج الوثائقي، لقد عكفت منذ فترة على تدوين ذكرياتي عن الفريج لإصدارها في كتاب بعنوان «أم غويلينة.. قصة المكان في نصف قرن» أخشى أن ينقضي عمري وهو لم يكتمل بعد، لأنني لم أحصل حتى الآن على سيرة ذاتية واحدة!
إطلالة الشيخ القرضاوي
من أم غويلينة انطلق نحو العالمية العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وما زلت أذكر وقفته في مسجد موزة الدرويش رحمها الله تعالى، وهو الجامع الرئيسي للفريج لأول مرة مقدما نفسه بأنه يوسف من الأزهر الشريف في مطلع ستينيات القرن الماضي، ثم دروسه التي بدأ بإلقائها للمرة الأولى في المسجد قبل أن ينتقل إلى مساجد أخرى وقنوات فضائية وإذاعات، ولقد ذكر الشيخ شيئا من هذا في مذكراته منها قوله: أول ما سكنت، سكنت في حي أم غويلينة ولم أعرف من هي غويلينة ولا أمها!
أما غويلينة فهي تصغير كلمة «غيلان» وهي كلمة عربية فصيحة ذكرها العلامة «ابن منظور» في «لسان العرب» وهي تعني شجر السمر الذي يستخرج النحل منه أفخر وأطيب وأغلى أنواع العسل، أما أم فهي على عادتنا نحن في الخليج نسبة المكان إلى ما يتصف به، أي الأرض التي تنمو فيها شجر الغيلان، أو كما نقول «أم الأفاعي» أي أرض الأفاعي وهكذا.
معالم في الفريج
أما أهم معالم الفريج فهي مدرسة «الخليج العربي» التي خرجت فطاحل الفكر والعلم والثقافة والأدب في قطر، فقد كانت هي المدرسة الابتدائية الأولى ليس لأم غويلينة فقط بل لفرجان -جمع فريج- أخرى مثل فريج الخليفات، وفريج الهتمي، ونجمة وغيرها، كانت تحمل تلاميذها حافلات وزارة المعارف (هكذا كان اسم وزارة التربية والتعليم على أيامنا تلك)، أما نحن فكنا نذهب إليها سيرا على الأقدام نقضي فيها سحابة نهارنا حتى ما بعد صلاة العصر ستة أيام في الأسبوع. وكنا نتناول فيها طعام الغداء الذي يقدم لنا ساخنا من مطابخ مركز التغذية التابع للوزارة، وكان مشتملا على ما لذ وطاب من «عيش وصالونة لحم» وخضراوات وفواكه وغيرها، بل كنا نحصل على كسوتي الصيف والشتاء، نلبسهما معا، أي كسوة الشتاء فوق كسوة الصيف إذا اشتد علينا البرد! ليس هذا فقط، بل كنا نحصل على «راتب» أي مكافأة شهرية أذكر أنها كانت في حدود 45 روبية هندية عملة ذلك الزمان، وهو مبلغ محترم جدا، أي كنا بمثابة موظفين ونحن تلاميذ صغار!
على ملعب المدرسة كانت تجري مباريات دوري المدارس، وكان هو أكبر وأهم من دوري الأندية الرياضية لأن اللاعبين هم من تلاميذ المدارس، والمشجعين من أولياء أمورهم وأقاربهم. والحماس كان منقطع النظير لأن المنافسات كانت تدور بين فرجان، أي «أوطان صغيرة» في حس ووعي أطفال ذلك الزمان، وكانت تجري في ساحة المدرسة تدريبات المهرجان السنوي الكبير الذي تشارك فيه جميع مدارس الدولة دون أي عذر لأي تلميذ مهما كان، وكان يشرف على التدريبات الأستاذ إبراهيم الزرد مفتش الرياضة في ذلك الوقت... كانت المدرسة تحوي متحفا للحيوانات المحنطة التي قام بتحنيطها الأستاذ علي فرج الأنصاري... وأذكر أن الأستاذ أحمد لوباني عمل سجلا بالصور لجميع التلاميذ الذين أنهوا دراستهم الابتدائية فيها، ولا أعرف مصير هذا السجل! فهو يحوي بحق ذكريات وتاريخ مدرسة كان لها دور كبير في تاريخ التعليم في قطر، وهذا يدل على وعي وبعد نظر الأستاذ لوباني.
اتصل بي منذ سنوات وأنا في أوكرانيا صديقي ابن الفريج الفي الدكتور أحمد القعاطري بادئا حديثة قائلا: عظم الله أجرك، مرت برهة من الزمن كانت كدهر لوقعها، فالخبر حزين بلا شك، ولكن من المتوفى يا دكتور؟ رد قائلا: لقد تم هدم مدرسة الخليج العربي لا اعتراض على هذا، فموقع المدرسة مطلوب لمشاريع أخرى، ولكن السؤال من أبناء المتوفاة: أين أرشيف وتاريخ وسجلات وذكريات المدرسة؟! إنها لم تكن مجرد مدرسة بالنسبة لنا، بل أم أخرى كأم غويلينة تماما!
إلى عالم البحر
البحر هو مركبك الأثير، ركبته مرارا، ما الذي قادك إليه، وما نافذتك الأولى على البحر؟
- لو نظرت إلى خريطة قطر الجغرافية، وتأملت فيها بشيء من الخيال لوجدت أنها تشبه السفينة وسط البحر بمقدمتها (شمالها) المدببة، ومؤخرتها (جنوبها) العريضة، هكذا هي السفن، ووضع جغرافي كهذا يحتم على سكان الأرض ليس فقط التعامل مع البحر، بل الاندماج فيه إلى درجة «الحلول» حسب التعبير الصوفي! فالبحر ليس فقط رزقا وغذاء وتجارة وحرفة، بل حب وإعجاب.
فلا غرابة أن أسير أنا على درب سارت عليه أجيال متعاقبة آخرها كان جدي الشيخ عبدالمحسن «النوخذا» الذي تحول إلى أمام مسجد ومدرس، ثم والدي النوخذا المحترف والمشهور في الخليج وشرق إفريقيا واليمن والهند، وكذلك أخوالي في الإمارات الذين امتهنوا ركوب البحر وكانت لهم سفنهم الخاصة، إذن هي نوافذ، وليست مجرد نافذة واحدة، وهذه العلاقة الحميمة التي كانت تربط عائلتي وتربطني أنا شخصيا أوحت لي بتدوين كتاب عن ذكرياتي البحرية، خاصة عملي على السفن اليونانية والسفينة القطرية «الدوحة» بعنوان «في غياهب اليم» والبحر بالنسبة لي ليس مجرد هواية، بل تخصص أكاديمي، وأستطيع أيضا إلى أن أشير إلى النافذة الأولى التي فتحها لي خالي عبيد بن حمد رحمه الله تعالى، البحار والميكانيكي البحري الموهوب الذي قضى في حادثة بحرية محزنة وهو في شرخ الشباب! وهذه الحادثة قربتني من البحر بدلا من أن تبعدني عنه أو تخيفني منه! ولعل من نافلة القول أن أشير إلى بحث نشره الخبير البحري العالمي البروفسور «كوبر» خلاصته أن عرب الخليج هم أول من أسس نظام نقل بحري في التاريخ، ومن حسن حظي أن يكون هذا الخبير العالمي هو من أشرف على رسالة الماجستير التي حصلت عليها من السويد في ديسمبر عام 1987، وهو من شجعني على المضي في بحث هذا الإنجاز الحضاري التاريخي العظيم ودراسته، ولكن «سفينة» رغبتي الصغيرة واجهتها أعاصير لم تمكنها من الإقلاع!
هل تذكر أول قارب امتطيته، ومتى كان ذلك، وكيف؟
- ركبت أول قارب أو سفينة وأنا لم أبلغ السنة، أي خارج تغطية الذاكرة، لذا لا تفاصيل عنها، ثم ركبته مرارا وتكرارا منذ ذلك الوقت إلى اليوم، إنني أشعر أنني قد ولدت في قارب!
حدثنا عن مراجع تكوينك الثقافي الأول والمدارس التي ارتدتها ومتى قررت أن تكون السندباد البحري؟
- قبل الإجابة عن هذا السؤال وإحقاقا للحق، فإن لقب السندباد البحري القطري مسجل باسم المغامر القطري خالد بن عبدالعزيز المناعي، وليس له -حسب علمي- منافس لا أنا ولا غيري، أنا أركب السفن المجهزة ملاحيا للإبحار، وهو يغامر بحياته على قطعة من خشب يقتحم بها أمواج بحر العرب العاتية، وكان بودي أن أرافقه في إحدى مغامراته قبل أن يداهمني الشيب والوهن، وهو قد عرض علي فكرة المشاركة فعلا وأعجبت بها، ولكن أصابته «عين الحسد» التي منعته من مواصلة مغامراته.
أما مراجع تكويني الثقافي الأولى والمدارس التي ارتدتها فهذا يعيدنا إلى المربع الأول وأقصد به أم غويلينة ومدرسة الخليج العربي، ففي ذلك الزمن -النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي بداية تكون الوعي وتراكم الذكريات- لم يكن لدينا من وسائل معرفة واطلاع إلا قناة شركة «أرامكو» البترولية السعودية والتي كانت تبث من مدينة الظهران، والتي كنا نشاهدها بشق الأنفس وحسب الأجواء مرة واحدة في الأسبوع ليلة الجمعة. وكانت تبث -فيما تبث- أفلاما أميركية مدبلجة بلغة عربية فصيحة، ومن ضمن الأفلام التي كانت تبثها أفلام القراصنة التي كانت تشدنا إليها شدا محكما لعلمنا بأنها حقيقية، وإن شط بها الإخراج نحو المبالغة، وكنا نرحب برطوبة الجو رغم ثقلها علينا، لكي يصفو لنا البث، وكنا نعيد تكرار المشاهد في ملعب المدرسة أثناء الاستراحة. أما القراءة فكانت من خلال مكتبة مدرسة الخليج، وكان يشرف عليها في ذلك الوقت أحد أدباء قطر وأعلامها وهو المرحوم يوسف الخليفي، ومن حسن حظي أنني تعرفت عليه شخصيا من خلال علاقة والدي القوية به، وكذلك ما يصل إلينا ونستطيع اقتنائه من مجلات وصحف عربية من خلال مكتبة أسسها المرحوم عبدالله حسين نعمة مؤسس صحيفة «العرب» التي أنا في ضيافتها الآن.
ثم ارتقت بنا وسائل المعرفة عندما التحقت بمدرسة الدوحة الإعدادية في راس أبوعبود، حيث كانت مكتبة المدرسة أكثر ثراء وتنوعا من مكتبة الخليج، وكان مشرف المكتبة هو أستاذ الفلسفة الأستاذ سليمان الستاوي، وكانت تحوي كتبا في الفلسفة والفقه والأدب وغيرها، وكنا نكب على قراءة ما يستهوينا منها، ولك أن تتخيل طلاب الإعدادية وهم على اطلاع على مدارس فلسفية كالوجودية وفلاسفتها سارتر وكيركيغورد وكامي وغيرهم، والفلسفة الإسلامية وفلاسفتها كابن عربي، والمتصوفة وأعلامها كالحلاج، والفردوسي وجامي والسهروردي والبسطامي وغيرهم، لقد نشأنا نحن أبناء الخمسينيات والستينيات على قاعدة ثقافية صلبة، أسسها لنا أساتذة كبار.
كانت اتجاهاتي الثقافية أدبية الطابع، ولكن كان عندي حب للرياضيات على اعتبار أنها ممارسة عقلية ممتعة، لذا قررت الالتحاق بالقسم العلمي وليس الأدبي، ثم شاءت الأقدار -ولا أقول الصدف- أن التحق بالأكاديمية العربية للنقل البحري للتخصص في الملاحة البحرية.
الآن وأنا على أعتاب الستين، هذا العمر الذي لم أتخيل أنني سأصل إليه على اعتبار أن عمري الافتراضي هو في حدود الأربعين! كيف؟ ولماذا؟ لا أعرف. لكن أقول إن جيلي أنا هو من أكثر الأجيال تميزا، فنحن «حلقة وصل» ما بين أجيال كانت تعيش على نمط واحد من العيش قرونا عديدة، بل آلاف السنين، مع شيء بسيط من التغيير «الأفقي» البطيء والطفيف، وما بين جيل يقفز قفزا نحو الأمام والأعلى، وذلك بفضل الانفتاح على العالم، والإنجازات التكنولوجية الهائلة والمتواصلة والسريعة، حتى إننا لا نستطيع ملاحقتها! فمعلوماتنا الجديدة الطازجة التي حصلنا عليها منذ سنة أو أقل تصبح بالية وقديمة.
عائلة بحرية
أما قراري بأن أكون بحارا فقد حسمته خلفية بحرية عائلية وهو تقليد سارت عليه أجيال من قبل، وهو منطقي، أما السفر والترحال فجميع الناس يمارسون هذه الهواية، ولكن الفرق هو في التأمل والدراسة والتدوين والتوثيق، وهذا عمل مضن لا يقدر عليه إلا من لديه صبر وجلد، أنا محظوظ لأنني كنت شاهدا على أحداث جسام في التاريخ منها عبوري من قرن إلى قرن آخر، وسقوط إمبراطوريات عظمى كالاتحاد السوفييتي (لدي صورة مع العلم القديم وأخرى مع الجديد). وانهيار نظام تشاوشيسكو في رومانيا التي زرتها مرات عديدة على عهده، وصعود قوى جديدة على المسرح الدولي كالصين والهند والبرازيل وغيرها، وهذه أحداث عظمى في التاريخ لا تتكرر في جيل أو حتى في أجيال.
رحالة ومؤرخ
انشغالاتك عديدة ومنها اهتمامك بالحضارة الإسلامية، من أين أتى هذا الاهتمام، وأي أثر لك على هذا الصعيد في أوكرانيا؟
- عندما تجد نفسك في مجال تحد هو واجب قومي وديني لا تستطيع الانسحاب أو التولي، أي الفرار، كل شيء كان كأنه صدفة ولكنه في حقيقته قدر! أنا أسافر لكي أتعرف على شعوب العالم وعاداتها وتقاليدها وأديانها، لم أدع معبدا إلا ودخلته وتعرفت على كهنته وحاورتهم حول تفاصيل دينهم وفلسفتهم، وبالتالي فأنا أيضا مطالب بالرد على تساؤلات كثيرة عن الإسلام، والحضارة العربية، وهذا يتطلب مني ليس فقط الإلمام، بل التخصص العميق، كنت في اسكندنافيا منذ نحو ثلاثة عقود (أكتوبر 1985 حتى ديسمبر 1987). تعرفت على تفاصيل دقيقة عن حياة الناس، وكتبت عنها مقالات كثيرة، ثم أخذني الاهتمام إلى أسباب التطور والتقدم عندهم، وكيفية الاستفادة منهم ومن تجاربهم في هذا المجال، ثم زرت بلدانا أخرى مثل كوبا حيث كتبت عنها مرجعا شاملا منذ عقدين، تطرقت فيه إلى تفاصيل لم ترد في مراجع أخرى لا من قبل ولا من بعد. فمثلا لكي أتأكد من اسم كوبا سافرت إلى منطقة بعيدة حيث رست سفن كولومبس وبقيت هناك عدة أيام فقط لكي يطمئن قلبي أن الاسم صحيح كما ورد في كتابي، كذلك فعلت مع القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا» حيث كنت -وربما لا أزال- أول كاتب عربي يصل إليها ويكتب عنها مرجعا شاملا، حيث سافرت إلى نيويورك لكي أقتني المراجع التي استمدت منها تفاصيل الكتاب، وما زال كتابي هو المرجع الوحيد في العربية عن تلك القارة المجهولة.
في أوكرانيا
وأخيرا وصلت أوكرانيا مارا بها إلى غيرها من دول الاتحاد السوفييتي السابق، ووقعت الفاجعة وأعني بها أحداث (سبتمبر)، وكنت قبلها بعدة أيام قد دونت حوارات مع مستشرقين وطلبة يدرسون اللغة العربية في الجامعات الأوكرانية، واتصل بي رئيس قسم اللغة العربية في جامعة اللغات الدكتور إسماعيل الطرشة لكي أشرح للطلاب براءة العرب والإسلام من تلك الأحداث، وكانت البداية التي تمددت لتصبح عقدا من الزمن، ولأصبح أنا مدرسا للعربية والحضارة الإسلامية في تلك الجامعة القوية وغيرها من جامعات، ثم أسست مع أستاذ كرسي الدراسات العربية والإسلامية، عضو أكاديمية العلوم البروفسور «فاليري ريبالكين» مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي لدراسة الحضارة العربية والإسلامية، وأصدرت من خلال هذا المركز عدة كتب ومراجع وقواميس بالعربية والروسية، وترجمات عديدة لأعمال أدبية قطرية إلى الروسية، آخرها كتب بالروسية عن تاريخ الأدب العربي الكلاسيكي «الجاهلي» الذي سيأخذ مكانه كغيره كمرجع معتمد في الجامعات الأوكرانية.
والأعمال لا تقاس فقط بالكتب والمراجع، بل بالطلاب الذين وصلوا إلى مرحلة الدكتواره وسيأخذون مراكزهم كمستشرقين وخبراء في الدراسات العربية والإسلامية، وكما ترى فهذا عمل مؤسسي لا يعتمد على جهود فرد واحد مهما كانت إمكاناته وطاقاته، وهي مناسبة أشكر فيها جامعة قطر على كرمها في توفير فرص دراسية مجانية لطلبتنا، الكثير منا ينتقد الاستشراق وأهله، ولكن مَنْ فكَّر في تقديم العون للمستشرقين والأخذ بأيديهم؟! بل من فكر في إنشاء مستشرقين وتكوينهم؟! أزعم أنني نجحت في جهودي بدليل أن العديد من الجامعات الأوكرانية عرضت علي التدريس فيها، بل تأسيس منهج دراسي شامل لتدريس اللغة العربية، لا تعوزني بفضل الله الإمكانات المادية، ولكن الإمكانات الفنية هي التي تقف حجر عثرة، وتعبت من مراسلة أهل الاختصاص للمشاركة وبمقابل مالي وليس مجانا ولكن لا حياة لمن تنادي!
على خطى الأوائل
لا بد وأنت تقطع العالم برا وبحرا وجوا قد خطر ببالك رحالة العرب الأوائل، من أثر أكثر في سيرتك؟ ابن ماجد، أو ابن بطوطة، أو ابن فضلان، أعني ما أثر الرحالة العرب في مسيرتك وتجوالك؟
- ذكرتني بلقاء صحافي أجريته مع رئيس جمهورية أستونا الراحا «لينارت ميري». وهو كان مؤرخا بل كاد أن يصبح رئيسا، ومن ضمن ما ذكره لي أن الشعب الأستوني شعب عريق في التاريخ، ولم يكن جزءا من روسيا ولا غيرها، واستشهد بما ذكره المسعودي المؤرخ العربي، وكذلك ترجمته لرسالة ابن فضلان عن الفنلندية التي نشرها المغترب العربي الأستاذ فاروق أبي شقرا أستاذ اللغة العربية في جامعة هلسنكي... الرحالة العرب القدماء كتبوا شهادات ميلاد أمم وشعوب، ومنهم ابن بطوطة وابن فضلان وغيرهم، قرأت لهم جميعا، لكل واحد منهم منهجه وأسلوبه.
أديب رحلات
أنت أديب رحلات بامتياز، ماذا عن أفق هذا الفن في التقريب بين آفاق العالم، ماذا أعطاك وماذا أخذ منك؟
- أنا لا أعتبر نفسي كذلك، أنا مجرد مجتهد يمارس هوايته على طريقته وكما قال الشاعر:
المرء ما دام حيا يستهان به ويعظم الرزء فيه حين يفتقد
ولا يعظم الرزء فيه إلا إذا قدم شيئا مفيدا للبشرية، وهذا ما أسعى إليه، أما التقريب بين آفاق العالم فيكفي مثلا أن تجد لك أصدقاء في أقصى شرق العالم، وأقصى غربه، وأقصى شماله، وأقصى جنوبه، تفتقدهم ويفتقدونك، ويترقبون عودتك إليهم... كتبت عن الجاليات العربية والإسلامية في الصحف والمجلات أكثر من 40 مقالة منذ حوالي 20 عاما، كتبت عن «فيا أراب» وهي منظمة تجمع بين جمعيات عربية في دول الأميركيتين، واقترحت إقامة شكل من أشكال التعاون بينها وبين الدول العربية، كان ذلك قبل دخول الإنترنت والفضائيات الساحة، وجدت سخرية من البعض، لكن الحمد لله أن الفكرة تم تطبيقها هنا في قطر، حيث تأسس على مستوى الرؤساء مؤتمر يعقد دوريا.
ثم فكرة تجمع علماء العرب في المهجر، حيث اهتمت بها دولة قطر وطبقتها دون سائر الدول الأخرى التي لديها أعداد كبيرة مهاجرة، وغير ذلك من أفكار، ثم بعد ذلك درست مشكلة المرجعية العليا للمسلمين في العالم، واقترحت أن تكون منظمة التعاون الإسلامي هي المرجعية، ولكن بشرط نقل مقرها إلى مدينة الدوحة، ومن ثم تطوير أدائها، لأن دولة قطر دولة فاعلة ومؤثرة على المستوى الدولي، وكتبت عدة مقالات حول هذا الموضوع لم تنشرها الصحف المحلية، نشرها موقع عربي في لندن، بل أعاد نشرها.
آخر زيارة لي كانت لنيوزيلندا وساموا وجزر كوك وكمبوديا وغيرها، اجتزت في تلك الرحلة خط التوقيت الدولي. أي أنني غادرت نيوزيلندا بعد صلاة الجمعة لكي أصل جزر كوك يوم الخميس أي أمس! وكان من ضمن أهدافي أداء صلاة الجمعة مرتين في يومين متتاليين! لم أجد مسجدا في جزر كوك، بل وجدت معبدا للبهائيين!... في ساموا وجدت أنهم أزاحوا خط التوقيت الدولي إلى الخلف، لكي ينضموا إلينا في نفس اليوم ولو بفارق عشر ساعات، الإزاحة تمت قبل وصولي بأسبوع وهو الخط الذي بقي صامدا في مواقعه قرونا عديدة! حظ رديء لا شك ولكن الحظ السعيد الذي وجدته هو دخول عالم من علمائهم الإسلام وهو البروفسور محمد يحيى ستانلي (محمد يحيى اسم مكتسب واسمه ا