الإثنين 28 رمضان / 10 مايو 2021
 / 
07:47 ص بتوقيت الدوحة

إضافة نوعية لجامعة قطر.. د. رشيد بوزيان رئيس القسم لـ «العرب»: طرح بكالوريوس «اللغة العربية» للذكور لأول مرة «خريف 2021»

علي العفيفي

الأحد 02 مايو 2021
د. رشيد بوزيان متحدثاً لـ «العرب»

إطلاق أول برنامج للدكتوراه في اللغة العربية خريف 2022

تدشين التبادل الطلابي بين قسمي «العربية» في جامعتي قطر وبكين العام المقبل

خريجو «ماجستير 2014» ينتظرون بفارغ الصبر العودة للجامعة لاستكمال الدكتوراه

قانون حماية «العربية» أحدث حاجة ماسة لنخب قطريين بلغة «الضاد»

كشف الدكتور رشيد بوزيان رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر، عن طرح برنامج في بكالوريوس اللغة العربية للذكور لأول مرة في فصل «خريف 2021»، بعد فترة طويلة من اقتصاره على الإناث، معتبراً أن هذا الطرح الجديد إضافة نوعية للجامعة والمجتمع في قطر، ويأتي تفاعلاً مع قرارات الدولة لتعزيز الهوية اللغوية والثقافية والحضارية.
وقال بوزيان في حوار شامل مع «العرب»: إن الجامعة تفتح التسجيل في برنامج الدكتوراة في اللغة العربية الذي طال انتظاره في «خريف 2022»، وذلك بعد 7 سنوات من المراجعات، مؤكداً أن الخريجين من طلبة الماجستير «دفعة 2014» ينتظرون بفارغ الصبر العودة إلى رحاب الجامعة لاستكمال الدكتوراة. 
وأضاف رئيس قسم اللغة العربية: أن الجامعة تسعى لاستقطاب طلبة الثانوية العامة خاصة الذكور للالتحاق بالقسم، مؤكداً أن تخريج قطريين متخصصين في لغة «الضاد» قضية أمن قومي لغوي وثقافي للمجتمع.
وتحدث بوزيان أيضاً عن التعاون داخل أو خارج دولة قطر فيما يخص اللغة العربية، مستشهداً بالتبادل الطلابي مع جامعة بكين، والتحديات التي تواجهها اللغة داخل المجتمع، ودور الإعلام في الحفاظ على الهوية اللغوية للدولة.
وإلى نص الحوار:

 ما آخر التغييرات التي ستطرأ على البرامج الأكاديمية في قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر؟
- قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر شهد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة عملية مراجعة شاملة لبرامجه وخططه الأكاديمية لمرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا على حد سواء.
ولعل أبرز ما أفرزته هذه المراجعات من تحولات نوعية في المسيرة الأكاديمية لقسم اللغة العربية هو إتاحة برنامج البكالوريوس بنسختيه التخصص الرئيسي والتخصص الفرعي لفئة الذكور من طلبة جامعة قطر في فصل «خريف 2021»، بعد أن قضى فترة طويلة من عمره متاحاً للطالبات فقط دون الطلاب، وهذا التحول يمثل -في تقديري- إضافة نوعية ليس لقسم اللغة العربية بل لعموم جامعة قطر وللمجتمع القطري قاطبة؛ وذلك لأنه يأتي في سياق التفاعل مع القرارات القوية والنوعية التي اتخذتها دولة قطر في مجال تعزيز الهوية اللغوية والثقافية والحضارية للمجتمع القطري، وهي القرارات التي كان محورها وقلبها النابض القانون رقم 7 لعام 2019، الذي أصدره حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بشأن حماية اللغة العربية والذي نص على إلزامية اعتماد العربية الفصحى لغة للتعليم في المدارس والجامعات التابعة للدولة، وعلى أن «تلتزم الوزارات والأجهزة والهيئات والمؤسسات العامة باستعمال اللغة العربية ومناقشاتها، وفي جميع ما يصدر عنها من قرارات ولوائح تنظيمية وتعليمات ووثائق وعقود ومراسلات وتسميات وبرامج ومنشورات وإعلانات مرئية أو مسموعة أو مقروءة وغير ذلك من معاملات...»، لا شك أن دخول مقتضيات هذا القانون حيز التنفيذ أحدث في المجتمع حالة من «الحاجة الماسة» إلى نخبة جديدة في المجتمع القطري «بشقيه نساء ورجالاً» متخصصة في اللغة العربية وعلومها وآدابها، ومؤهلة تأهيلاً لغوياً عالياً يتناسب والسقف العالي الذي رسمه قانون حماية اللغة العربية إطاراً مرجعياً لتحصين الهوية اللغوية للمجتمع. 
ولا يخفى عليكم أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تزوّد الدولة والمجتمع بهذه النخبة الجديدة -التي يتوقع أن تقوم بدور الضامن الاستراتيجي على المدى المتوسط والبعيد لاستدامة سريان روح قانون حماية اللغة العربية ومقتضياته حية متوهجة في مفاصل الدولة والمجتمع- هي جامعة قطر بصفتها الجامعة الوطنية الوحيدة في الدولة، وذلك من خلال القسم العلمي المتخصص أي قسم اللغة العربية في كلية الآداب والعلوم، هذا هو السياق العام الذي سجلت جامعة قطر تفاعلاً خاصاً مع مقتضياته ومتطلباته، حين قررت فتح قسم اللغة العربية في وجه الشباب القطري الطموح إلى التفاني في خدمة وطنه، لا سيما ما كان من هذه الخدمة قياماً على ثغر الهوية اللغوية والثقافية والحضارية للمجتمع.
تطور في الدراسات العليا
 هل هناك تطور في برامج الدراسات العليا في قسم اللغة العربية؟
- أجل، برنامج الدراسات العليا في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة قطر هو أيضاً كان مشمولاً بعملية المراجعة الشاملة التي أشرت إليها في إجابتي السابقة. 
ومن أهم مخرجات هذه المراجعة موافقة الجامعة على الطلب الذي كان تقدم به القسم لتعزيز مرحلة الدراسات العليا فيه ببرنامج الدكتوراه وذلك بعد سبعة أعوام من عمر هذه الدراسات قضاها القسم يقدم درجة الماجستير فقط، وبهذه الموافقة التي حظيت بها هذه المبادرة الأكاديمية لتطوير الدراسات العليا، يكون قسم اللغة العربية قد استوفى أضلاع المثلث الأكاديمي الجامعي: البكالوريوس والماجستير والدكتوراة.
أما فيما يتصل بالجدول الزمني الذي حددته الجامعة للشروع في تنفيذ هذا البرنامج فهو خريف 2022، علماً بأنني آمل أن يتيسر الافتتاح فصلاً قبل ذلك أي في ربيع 2022، ونسأل الله أن ييسّر أسباب ذلك، لأن عدداً معتبراً من خريجي برنامج الماجستير منذ تخرج الدفعة الأولى عام 2014، ينتظرون بفارغ الصبر، منذ شاع خبر الدكتوراة قبل عامين، العودة إلى رحاب جامعة قطر لاستكمال مسيرتهم الأكاديمية للحصول على درجة الدكتوراة.

 ما عدد الطلبة الدارسين في قسم اللغة العربية؟ وكم نسبة القطريين منهم؟
- طلبة قسم اللغة العربية على ضربين: أولاً الملتحقات بالقسم للحصول على درجة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية وآدابها وعددهن حالياً حوالي 170 طالبة في الفصول المختلفة من مسيرتهن الدراسية، وثانياً عموم طلبة جامعة قطر ممن اختاروا اللغة العربية تخصصاً فرعياً «لا تخصصاً رئيسياً»، أو ممن اختاروا بعضاً من مقررات القسم ضمن مقرراتهم الاختيارية الحرة، ونسبة القطريين تتراوح بين 50% و60%، وتصل أحياناً إلى 70%، لا سيما في برامج الدراسات العليا.

استقطاب الطلاب
 كيف يستقطب قسم اللغة العربية الطلاب للالتحاق به؟ 
- عملية الاستقطاب تتم من خلال مجموعة من الوسائل في مقدمتها الفعالية التي تنظمها الجامعة لفائدة طلبة الثانوية العامة ولأولياء أمور الطلبة للتعرف عن قرب على مختلف البرامج التي تتيحها للطلاب المستجدين، كما أن القسم يستعين في إيصال رسالته في هذا الشأن إلى المجتمع القطري بوسيلتين إضافيتين: أولاً الزيارات الميدانية إلى المدارس، وهي الزيارات التي شهدت تراجعاً كبيراً بسبب ظروف الطوارئ الصحية التي يمر بها العالم، وثانياً اللقاءات مع وسائل الإعلام المرئي والمسموع.
وأغتنم فرصة هذا اللقاء الصحفي -بمناسبة الحديث عن دور الإعلام وعن مساهمته المأمولة في التفاعل مع مقتضيات قانون حماية اللغة العربية وأهميتها الحيوية للسياق القطري- أن أتوجه بنداء خاص إلى مختلف وسائل الإعلام أن تستشعر الأهمية الاستراتيجية لحملات توعية المجتمع -خصوصاً فئة الشباب- بقضية اللغة العربية وبقيمتها المحورية في معادلات الأمن القومي اللغوي والثقافي الخاصة بالسياق القطري، وكذلك بمحورية قسم اللغة العربية في جامعة قطر، بصفته القسم العلمي الوحيد المؤهل في دولة قطر لتخريج جيل جديد من الشباب القطري المؤهل علمياً وتخصصياً للتحكم على المدى المتوسط والبعيد في المعادلات الاستراتيجية المشار إليها آنفاً، أي معادلات الأمن القومي اللغوي والثقافي التي لا يمكن المحافظة على توازناتها في مجال الهوية والانتماء بدون خريجين قطريين متخصصين في اللغة العربية وعلومها وآدابها وحضارتها وتراثها وثقافتها.
غاية الأمر أن العلاقة بين المجتمع القطري وقسم اللغة العربية في جامعة قطر، يجب أن تدخل عهداً جديداً مبنياً على شراكة استراتيجية حقيقية تكون في مستوى التحديات، التي جاء قانون حماية اللغة العربية لتحصين المجتمع ضد مخاطرها، والإعلام المحلي تنتظره في هذا الشأن مسؤوليات من العيار الثقيل.

برامج التعاون
 ما اتفاقيات التعاون التي أبرمها قسم اللغة العربية داخل أو خارج قطر؟
- إبرام اتفاقيات التعاون يتم على مستوى الإدارة العليا للجامعة، وليس على مستوى الأقسام العلمية، ولأجل ذلك فإن برامج التعاون والتبادل التي تنخرط فيها الأقسام والكليات إنما تنشأ من العمل بالمقتضيات العامة المنصوص عليها في مذكرات التفاهم التي توقعها جامعة قطر مع المؤسسات الجامعية الدولية المرموقة، والتي لا يتم التنصيص فيها -في الغالب الأعم- على أقسام علمية بأعيانها إلا في الحالات التي يكون المجال المستهدف بمذكرة التفاهم منحصراً في دائرة محددة دون غيرها، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن عدداً معتبراً من مذكرات التفاهم التي وقعتها الجامعة يمثل غطاء جيداً يمكن لقسم اللغة العربية أن يستثمره في تنفيذ خططه للتفاعل مع نظرائه في عدد من الجامعات العالمية، ومن أمثلة هذا التفاعل التي يمكن الإشارة إليها في هذا السياق، التواصل القائم حالياً بين قسم اللغة العربية في جامعة قطر وقسم اللغة العربية في جامعة بكين الصينية، لتفعيل برنامج التبادل الطلابي المنصوص عليه في مذكرة التفاهم التي وقعتها الجامعة الصينية مع جامعة قطر، هذا وتجدر الإشارة إلى أن لقاء كان جمع -آخر الربيع الماضي- عدداً من أقسام كلية الآداب والعلوم ونظائرها في جامعة بكين ومنها قسم اللغة العربية، حيث تم الاتفاق على أن يكون التدشين الأولي لبرنامج التبادل الطلابي بين قسمي اللغة العربية في الجامعتين ابتداء من خريف 2021، وذلك على مستوى برنامج الدراسات العليا، حيث أبدى رئيس قسم اللغة العربية في جامعة بكين رغبة شديدة في إيفاد دفعة أولى من الطلبة الصينيين إلى جامعة قطر، للدراسة في برنامج ماجستير اللغة العربية وآدابها.

 ما الأدوار التي يقوم بها القسم لحماية اللغة العربية داخل المجتمع القطري؟
- قسم اللغة العربية في جامعة قطر تربطه بالمجتمع القطري -منذ نشأ هذا القسم قبل عقود- علاقات خاصة للغاية؛ فإليه يرجع جزء معتبر من الفضل في مد عدد من مؤسسات الدولة والمجتمع بالكفاءات المؤهلة في مختلف المجالات، لا سيما ذات الصلة بالحقل التعليمي والثقافي والفكري والإعلامي. وتجدر الإشارة -بهذه المناسبة مناسبة الحديث عن علاقة قسم اللغة العربية بالمجتمع- إلى أن المراجعات الشاملة التي قام بها القسم خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة كان من أهم مخرجاتها ضرورة إعادة رسم العلاقة بين قسم اللغة العربية وحاجات المجتمع القطري، وذلك في ضوء المتغيرات السياقية الجديدة التي أفرزتها سياسة الدولة في مجال حماية اللغة العربية وتعريب الحياة العامة على جميع المستويات في الدولة والمجتمع. 
ففي سياق التفاعل مع متطلبات هذه الضرورة، تقدم القسم بمجموعة من المبادرات من أجل الاستجابة لتطلعات المجتمع في هذا الخصوص، وفي مقدمة تلك المبادرات فتح برنامج بكالوريوس اللغة العربية وآدابها في وجه فئة الذكور من الطلبة وهم نصف المجتمع.

تحديات لغة الضاد
 برأيك... ما التحديات التي تواجهها اللغة العربية خاصة مع اتجاه أولياء الأمور إلى تعليم أبنائهم في مدارس اللغة الأولى بها ليست العربية؟
- التحديات التي تواجهها اللغة العربية من الجهة المخصوصة التي أشرتم إليها في سؤالكم، أي من جهة العلاقة بين المنظومة التعليمية والمنظومة اللغوية باعتبارهما الركنين الأساسيين في معادلة الهوية داخل أي مجتمع، لا سيما في تشابكها الجدلي مع قيم المواطنة والولاء للوطن، هي قضية اللغة الأم ومحوريتها في نجاح أي مشروع استراتيجي قائم على التعليم بوصفه المحرك الرئيسي لقاطرة التنمية والتطور في المجتمع، اللغة الأم -التي احتفل العالم بيومها الدولي قبل أكثر من شهر، والتي يمثل تخصيص الأمم المتحدة يوماً دولياً للاحتفال بها تنبيهاً للدول والمؤسسات إلى خطورة قضيتها في حياة الأمم والشعوب، تأكدت أهميتها في الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم حالياً، ظروف الجائحة والطوارئ الصحية، فالتعلم داخل البيت جعل الأسرة رقماً جوهرياً في معادلة التعليم والتعلم؛ وذلك بصفتها الجديدة بيئة حاضنة أساسية للمتعلم بدلاً من المؤسسات التعليمية التقليدية، ولا يخفى عليكم أن جودة الخدمة التعليمية المقدمة للمتعلم في هذه الظروف الاستثنائية مشروطة بأن تكون اللغة الأم هي لغة التعليم، علماً بأن الحاجة إلى الأسرة في تعزيز المنظومة التعليمية -في الظرف الاستثنائي الذي يمر به العالم- حاجة تتأكد يوماً بعد يوم؛ إذ إن المؤشرات العالمية المتعلقة بهذا الشأن تؤكد أن الحاجة إلى الدور المحوري للأسرة ستتواصل بشكل أو بآخر، ويتوقع أن تتجدد حيناً بعد حين حتى بعد التعافي من الجائحة، ولأجل ذلك يجب أن يتذكر الجميع حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن الرهان على دور الأسرة في التعليم لن ينجح على المدى المتوسط والبعيد إلا بالرهان على «مشروع اللغة الأم» القائم على فلسفة التوطين الكامل والراسخ والشامل لهذه اللغة في المنظومة التعليمية.
إن الأسرة تمثل فعلاً رقماً جوهرياً في المعادلة التعليمية، وهي كذلك في مختلف الدول المعروفة عالمياً بمراتبها المتقدمة جداً في السلم العالمي لجودة التعليم العام، والأسرة يصعب -بل يستحيل- الاستغناء عن دورها في التعليم، بل لا يمكن لجودة العملية التعليمية أن تتحقق في حدها الأدنى في غياب دور الأسرة جزئياً أو كلياً، فالأسرة كما ذكرت سابقاً صارت اليوم البيئة الحاضنة الأساسية للمتعلم بدلاً من المؤسسة التعليمية، وبما أن اللغة المتداولة في السياق الأسري هي اللغة الأم، فإن التعليم يجب أن يكون بهذه اللغة، وإلا فإن الأسرة لا يمكنها القيام بوظيفتها في هذا الشأن، أي بدور الرقم الصعب في المعادلة التعليمية، إن هذا الوضع الاستثنائي الذي صار إليه المشهد التعليمي يجب أن يدفع صانع القرار التعليمي والسياسات الأساسية في المجتمع إلى استهداف لغة التعليم بخطة استراتيجية محكمة، تضمن التحول الآمن نحو التوطين الشامل للغة الأم في المنظومة التعليمية.

أهمية اللغة الأم 
 في تقديركم... ما الذي يفسر هذه الأهمية القصوى التي تتمتع بها اللغة الأم في الأنظمة التعليمية المتقدمة التي أشرتم إليها قبل قليل؟
- تفسير ذلك أن اللغة الأم هي القلب النابض في جسم كل حضارة، بها تحيا وبدونها تندثر وتموت، والأدلة على ذلك كثيرة لا نستطيع الإحاطة بها عداً وإحصاء في سياق هذا اللقاء، لكن يمكن الاقتصار على استعراض دليل واحد، وهو دليل قوي في غاية القوة، ويمكن لمن أراد أن يشتق منه من الأدلة الفرعية ما لا يبقى معه معشار ذرة من الشك في «محورية اللغة الأم في التعليم»، وخلاصة هذا الدليل أن الحضارات الإنسانية القديمة الموغلة في القدم لولا أنها لم تعتمد اللغة الأم وعاء لحفظ معارفها وعلومها وآدابها وقيمها وثقافتها لما وصلنا -نحن المتأخرين- شيء من تلك الخبرات والمعارف والعلوم والآداب، بل لما حدث تطور أصلاً في الحياة الإنسانية؛ لأن التطور تراكم يتم بواسطة نقل «خبرات السابقين» إلى «اللاحقين»، وهذا النقل إنما يتم بواسطة اللغة الأم لا بغيرها، فاللغة الأم في ضوء هذا المشهد يمكن وصفها بكونها قيمة وجودية في كل حضارة من الحضارات الإنسانية، فالحضارة تبقى آثارها ما بقيت لغتها الأم، فإن استبيحت حرمة هذه اللغة ولم تُمنح القيمة التي تستحقها ذهبت الحضارة وانقطع أثرها ولم تترك عقِباً يرثها، فالوارث للحضارة إنما يرث وعاءها اللغوي، فإن كسرنا هذا الوعاء لم يبقَ شيء يستحق أن يورث.
غاية الأمر أن تعزيز دور اللغة الأم ليس في التعليم فقط بل في كل مناحي الحياة، لئن كان مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأسرة، فإن الأسرة واختياراتها في تعليم أبنائها تبقى الحصن الأول لضمان مكانة اللغة الأم، وحيوية دورها ليس في المحافظة على هوية المجتمع فقط، بل أيضاً في ضمان مستويات متقدمة من التنمية والتطور؛ فالأبحاث العلمية المتخصصة في هذا الشأن تؤكد أنه لا شيء يمكنه تحريك ملكة الإبداع لدى المتعلمين، ودفعها نحو الإثمار والإنجاب مثل التعلم باللغة الأم، فالعلاقة تلازمية وتناسبية بين درجة حضور اللغة الأم في النظام التعليمي ومستوى أداء الملكات الاجتهادية والإبداعية، والدليل على ذلك أن المراتب المتقدمة في الإبداع الفكري والعلمي وفي المنظومة العالمية لإنتاج المعرفة العلمية في مختلف الحقول والتخصصات، تكاد تكون منحصرة في الدول التي جعلت اللغة الأم لغة لتعليم شعوبها، وأبرز مثال على ذلك الأمتان الألمانية واليابانية وما صارتا إليه من الازدهار العلمي حتى مع الهزيمة النكراء التي أصابتهما في الحرب العالمية الثانية وخروجهما منها خراباً كاملاً وقاعاً صفصفاً، وقد تبعتهما في ذلك الأمم الآسيوية الأخرى وفي مقدمتها الصين وكوريا. 
الخلاصة أن قادة الإبداع العلمي في عالم اليوم هم الذي ربطوا مصيرهم الحضاري بين الأمم بربط أنظمتهم التعليمية باللغة الأم، ولأجل ذلك فإننا نحن الأمة العربية ما زال ينتظرنا في هذا الشأن عمل كبير، وأولى الأولويات التي يجب أن نوجّه إليها تفكيرنا الاستراتيجي هي توثيق الروابط العضوية والوشائج الوجودية بين لغتنا الأم «اللغة العربية الفصحى» وأنظمتنا التعليمية، والإشارة ههنا ليست إلى تعليم اللغة العربية في حد ذاتها، فهذا الجانب هو أهون ما في الموضوع وأيسر ما فيه، بل المراد هو توطين اللغة العربية في المنظومة التعليمية بصفتها لغة التعلم والتعليم الأولى في كل المجالات، بما في ذلك مجالات العلوم التجريبية والعلوم الدقيقة والتقنية والهندسة... إلخ، وذلك ليس خدمة للغتنا الأم وتعزيزاً لهوية المجتمع، بل خدمة للعلم والمعرفة والإبداع، ومساهمة في بناء الصرح الإنساني العالمي.

_
_
  • الظهر

    11:30 ص
...