قطر.. تحركات مكوكية من أجل سلام دارفور
محليات
02 أبريل 2014 , 12:00ص
الخرطوم - العرب
لعبت دولة قطر دورا فاعلا في قضية دارفور منذ اندلاع الأزمة في فبراير 2003 وما لبثت تواصل جهودها لإحلال السلام في الإقليم الغربي، إلى أن توجت تلك الجهود في التوصل إلى توقيع وثيقة الدوحة لسلام دارفور في 14 يوليو 2011 بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة بقيادة رئيسها د.تجاني سيسي التي ضمت أكثر من 14 فصيلا مسلحا وفيما بعد التحقت حركة العدل والمساواة فصيل بخيت دبجو بالاتفاقية.
واتسم الدور القطري في قضية دارفور بالفعالية والمرونة والانفتاح على كافة مكونات المجتمع الدارفوري والسعي في الوصول إلى تسوية سياسية شاملة لأزمة دارفور ويتضح ذلك في ما قامت به فعلياً، من تحركات مكوكية لتجميع الحركات الدارفورية وتوحيدها وتسهيل دور الوساطة بفعالية وفتح منابر التفاوض دون شروط أو ضغوط.
يقول رئيس المجلس الثوري لحركة التحرير والعدالة ورئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس السلطة حسين الفاضل لـ (العرب): إن ما قامت به قطر تجاه قضية دارفور لم تقم به أي دولة أخرى وليس متوقعا أن تقوم به جهة مستقبلاً، مشيراً إلى استضافتها للحركات الدارفورية واحتضانها في دوحة العرب لأكثر من ثلاثين شهراً. ويستطرد حسين قائلاً: على مدى ثلاث سنوات لم يتضايق القطريون يوماً ولم نر منهم أي موقف رافض أو تبرما من أحد بل حتى رافضي الدوحة ظلوا مكان احترام وتقدير رغم رفضهم للتوقيع على الاتفاقية، وهو ما يتضح فعلياً ليلة التوقيع على الاتفاقية ووجود قادة العدل والمساواة بالدوحة ومكوثهم عدة أشهر بالدوحة بعد إبرام الوثيقة رغم رفضهم للتوقيع عليها.
ولعل الدور المحوري لقطر يتلخص في تنظيمها لخمسة مؤتمرات فيما عرف وقتها بـ (أهل المصلحة) بمشاركة واسعة لكافة الممثلين من فعاليات المجتمع المدني الدارفوري، حيث كان حضور كل مؤتمر يتراوح بين 300 إلى 400 مشارك وقد تكفلت قطر بتحمل كافة تكاليف تذاكر السفر ذهابا وإياباً على متن الخطوط الجوية القطرية من مدن الإقليم نيالا والفاشر والعاصمة الخرطوم إلى الدوحة وبالعكس، بالإضافة إلى توفير الإقامة والإعاشة.
ويعتبر الفاضل أن الجهود القطرية نجحت في وضع أرضية مشتركة بين مكونات المجتمع الدارفوري من جهة والحركات من جهة أخرى وفتحت آفاق التفاهم حول المشكلة، مشيراً إلى أن بعض النازحين واللاجئين وقادة الحركات جرت بينهم نقاشات حادة حول المشكلة في المنابر وقاعات الفنادق بالدوحة وهذا ما لم يتوفر في أي منبر من قبل منذ اندلاع الصراع.
ويشير مراقبون إلى نجاح قطر في بلورة رؤية جامعة حول اتفاقية الدوحة من جانب بالإضافة إلى أنها استطاعت توحيد أكثر من 14 فصيلا في جسم واحد سمي بـ «حركة التحرير والعدالة» بقيادة د.تجاني سيسي.
واعتبر نهار عثمان نهار المسؤول السياسي لحركة العدل والمساواة فصيل بخيت دبجو، أن الدور غير المعلن الذي قامت به دولة قطر لتحقيق السلام في دارفور وبعيداً عن أعين الإعلام أكثر مما هو ظاهر على السطح، ويؤكد نهار في حديثة لـ (العرب) على أن كرم الضيافة الحاتمي والاستضافة التي تكرمت بها قطر تفوق حد الوصف، مشيراً إلى أن قطر استضافت وفود الحركات لمدة 3 سنوات وأن سعادة نائب رئيس الوزراء أحمد بن عبدالله آل محمود تحديدا لعب دورا فاعلا في حل الأزمة وكان يأتي ليلاً في الفندق بعد الساعة 12 ويجتمع بقادة الحركات ويتفقدهم عن أي عوائق واجهتهم ليتولى مهمة إزالة العقبات بنفسه، ومضى نهار مؤكداً على أن أبواب القطريين ظلت مفتوحة ولم توصد في وجه أحد يوماً، ويقول نهار: إن موقف قطر النبيل ما هو إلا نتاج للمواقف الإنسانية وعوامل الدين واللغة بالإضافة إلى عوامل تاريخية وهذه الأسباب هي التي دفعت قطر للوقوف بثقلها لحل أزمة دارفور، وأشار إلى حديث آل محمود في أحد خطاباته بعد التوقيع على وثيقة الدوحة عن أن ما تقوم به قطر يأتي في إطار رد الجميل لدور دارفور التاريخي تجاه شعوب الخليج والمنطقة وقوله لأهل دارفور: «أجدادكم كانوا يقومون بكسوة الكعبة».
جهود تنموية
عندما احتدم النقاش في مؤتمر أهل دارفور الذي عقد بالفاشر في نهايات يونيو 2012 بين المشاركين من المجتمع المدني الدارفوري، اعتدل رئيس السلطة الإقليمية د.تجاني سيسي ووقف أمام الجميع بحضور النائب الأول لرئيس الجمهورية وقتها علي عثمان محمد طه وأمسك بـ (المايك) قائلاً: «أرجو أن تسمعوني إخوتي وأخواتي لقد طفت على الكثير من البلدان وعملت في دول مختلفة وأعرف تفكير المجتمع الدولي، فالأفضل لكم التمسك بالقطريين وصدقوني لو فرطتم فيهم لن تجدون أفضل منهم في العالم لحل مشكلة دارفور»، تلك العبارات أدخلت الكثير من الحضور في صمت مع الذات وأربكت حسابات الحضور، وبالنظر إلى دور قطر نجد أنها لم تتوقف على تهيئة أجواء التفاوض وتقريب الشقة بين السودانيين بل مبكراً، وظل الهلال الأحمر القطري ومنظمة «راف» و»عيد الخيرية» تقدمان معونات للنازحين واللاجئين دون إعلام وضجيج، وتوسعت الجهود القطرية بعد إبرام وثيقة الدوحة لتصبح أشبة بدور الأم في رعاية مولودها، فقامت بوضع حجر الأساس لخمس قرى نموذجية في دارفور، قرية في كل ولاية بتكلفة 6 ملايين دولار للقرية الواحدة.
ويقول مدير عام إدارة التوطين بمفوضية العودة الطوعية وإعادة التوطين بالسلطة الإقليمية آدم حمدان لــ (العرب): إن تلك القرى أتت في إطار المبادرة القطرية للمنظمات الخيرية القطرية ببناء خمس قرى نموذجية بتكلفة 6 ملايين دولار للقرية الواحدة تتضمن تأسيس البنيات التحتية، مشيراً إلى أن قريتين منها سيتم افتتاحهما في مايو القادم، وأضاف كل قرية توفر فيها خدمات نموذجية ببناء مركز صحي ومركز شرطة ومدرستين لكل قرية أساس وثانوي للبنين والبنات ومحطة مياه مزودة بشبكة مياه لكل القرية وبناء 15 منزلا للإداريين ومسجد ومنزل للإمام، على أن تكمل هذه القرى إلى 75 قرية بواقع 15 قرية لكل ولاية من ولايات دارفور. ويضيف حمدان أن العمل في بعض القرى وصل إلى %90 وسيتم افتتاحها قريباً، ويضيف: لم تتوقف قطر على توصيل الأطراف إلى منصة الاتفاق وتركهم وإنما تواصلت إلى تبنيها لتنظيم مؤتمر المانحين الذي دشنته بتبرع سخي وتقدمت البلدان المانحة في وضعها مبلغ 500 مليون دولار ورعايتها للمؤتمر حتى نجاحه.
ويقول الكاتب الصحافي: المهتم بالشأن الدارفوري الحسين إسماعيل أبوجنة لــ (العرب): إن قطر بذلت مجهودا كبيرا ومقدرا في ما يجمعها بالسودان والتواصل عربياً وإسلامياً ولم تدخر جهداً في قضية دارفور لم تقم به ونظمت اللقاءات والمؤتمرات حتى التوقيع على وثيقة الدوحة بل مضت إلى تنظيم مؤتمر للمانحين، غير أن الحسين يلفت إلى أن العلة تكمن في افتقار كادر الحركات المسلحة إلى التأهيل في مجال الحكم. ونبه إلى ضرورة استيعاب كوادر مؤهلة ومدربة لها القدرة على إدارة الأزمة وتحقيق واقع التنمية بدارفور.
أبعاد ثلاثية
ويتضح أن الدوحة في سبيل إنجاحها لاتفاق دارفور كونت لجنة دولية للمتابعة تجتمع كل ثلاثة أشهر لتقييم سير تنفيذ الوثيقة ولم تزل جهودها متواصلة، بجانب تنفيذ التزامات المانحين تجاه دارفور حيث دخل صندوق دارفور لإعادة الإعمار والتنمية في عقود مشروعات بمبلغ 800 مليون جنية وطرح على إثر ذلك عطاءات لأكثر من 1000 مشروع، وقد أعلن الأمين العام لصندوق دارفور للإعمار والتنمية هاشم حماد عن توقيع عدد من المشروعات وأن الأيام المقبلة ستشهد التوقيع على عقد لإنفاذ 315 مشروعا تنمويا في إطار استراتيجية دارفور للتنمية التي تمت إجازتها خلال مؤتمر المانحين بالدوحة، مشيراً إلى أن الصندوق بالتنسيق مع المنظمات القطرية والجهات ذات الصلة يسعى لتحقيق التنمية في الإقليم، مؤكداً على وفاء الدوحة بما التزمت به في مؤتمر المانحين لتنمية دارفور، لافتا إلى الجهود المبذولة لافتتاح القرى النموذجيّة التي تشيدها الحكومة القطرية عبر منظماتها الخيرية خلال الفترة القادمة.
ويؤكد المهتم بالشأن الدارفوري محمد عبدالله لــ (العرب) جدية قطر وصدقها في حل قضية دارفور وتنميتها، ويشير إلى أن قطر تنطلق من ثلاثة أبعاد وتتكامل تلك الأبعاد في توجهاتها الكلية، فالبعد الأول نابع من صدقية قطر وقناعتها بحل المشكلة وتنمية دارفور، وأن ذات البعد الأول ذو علاقة ببعد تاريخي ذي عمق ينطلق من تقديم السودان ودارفور لقطر ودول المنطقة ولعبه لدور إيجابي سابق ويأتي الاهتمام القطري في إطار رد الجميل وأن كل ذلك يخدم الرؤية الكلية لقطر في المنطقة كفاعل إقليمي ودولي على مستوى المنطقة العربية.