السبت 7 ربيع الأول / 24 أكتوبر 2020
 / 
09:23 م بتوقيت الدوحة

«ستراسبورغ» مدينة الحب والأمل

علي سفر *

الأحد 02 فبراير 2020
«ستراسبورغ» مدينة الحب والأمل
عاصمة الوحدة الأوروبية الراهنة والمكرسة بأبنيتها الجميلة

فيها يتجاور الشرق مع الغرب بعد حروب قديمة مكتفية بصناعة الجمال

تتوضع على الجهة اليسرى لنهر الراين القادم من ينابيع جبال الألب

الحدود بين البلاد الأوروبية مجرد علامات منسية لن ينتبه إليها أحد!

حي فرنسا الصغرى تم تسجيله في التراث المادي لليونيسكو 1988

البيوت الألزاسية الخشبية القديمة مزدانة بالأزهار في شرفاتها وممراتها

حديقة النهرين تجسّد الوحدة الأوروبية بجسر للمشاة بين فرنسا وألمانيا 

الجاليات التركية والعربية تسهم بفعالية في الأنشطة الاقتصادية المتنوعة 

جامعة ستراسبورغ ضمن أفضل 100 جامعة وطلابها من 100 جنسية

قال لي الدبلوماسي الفرنسي الذي قابلته لأحصل على سمة الدخول إلى فرنسا، حين علم أن مقصدي هو مدينة ستراسبورغ: لابد أنك ستجد أشياء غريبة هناك أكثر مما تتوقع، لقد اخترت أكثر مدن فرنسا إشكاليةً وتناقضًا، ولكنك أيضًا لن تبتعد عن فضائك الشرقي، ففي ستراسبورغ سترى الشرق كله يتجاور مع الغرب، يتبادلان أنخاب التاريخ، بعد أن أخذ كل منهما حصة منه!
بدت لي القصة بعد كلماته المفتونة بالبلاغة قريبة إلى المدونات التاريخية، ولكنني شعرت منذ هبوط الطائرة التي أقلتني من مطار إسطنبول الجديد إلى مطار ستراسبورغ الدولي  (SXB) في انتزهايم على بعد 10 كلم من المدينة، أنني أمام عقدة شكلّتها الخيوط السرية، التي يزرعها التاريخ في العقل الباطن لمن يعيشون تفاصيله، فيذهبون بعد كل ما شهدوه من حروب وصراعات ومذابح إلى اختيار الهدوء والصمت، والاكتفاء بصناعة الجمال، ثم الالتفات أيضًا إلى صنع الأثر الذي يذكّر بالماضي، فلا يستعاد إلا على شكل قصة قديمة؛ يجب أن تعيش في العقل، بينما يقوم بصناعة المستقبل! 

ولكن كيف تبدأ الحكاية؟

إنها تبدأ من اسمها الألماني الأصل (شتراس بورغ)، أو شتراسبوري باللهجة الإلزاسية؛ أي مدينة الطرق، وهو بمعناه هذا يطابق بين البلاغة وبين الواقع، فهي تتوضع في شمال شرق فرنسا، فتصبح على الجهة اليسرى لنهر الراين القادم من ينابيعه في جبال الألب، وهي أكبر مدن مقاطعة الألزاس والعاصمة الإدارية لمنطقة الباران (الراين الأسفل)، وهي ولأسباب تاريخية وسياسية باتت المدينة الثالثة لجهة الأهمية في العالم بعد مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، ومدينة جنيف السويسرية، بعد أن صارت العاصمة السياسية لأوروبا!
وتبعًا لهذا ستصبح رحلتي "السياحية" للمدينة أكثر من مجرد تجوال في ثناياها، ففي الدروب إليها سيلاحظ الزائر أن عناقيد العنب وعرائشه تقتحم عينيه أكثر مما ينبغي، وأينما توجّهَ وذهبتْ قدماه سيجد أن هذه الثمرة تحافظ على حضورها، فتدلُّ عليها تلك المنحوتات الحجرية المعرّقة على جوانب أبواب المباني الكبيرة، لا لترسم مشهدًا يحيل إلى دنان الخمر الذي يشتهر الإقليم كله بصناعته، حيث طالما جرى تقديم المدينة اقتصاديًّا على أنها فاعلة في تقطيره وتسويقه، بل لتضع العابرين في المسار الأولي لطريق العنب، أي ذلك الطريق الممتد من جنوب مدن الألزاس إلى شمالها، حيث سيمتزج التاريخ مع جغرافية المكان، لنكتشف أننا لسنا في مكان سياحي تقليدي، بل نحن في بؤرة صراع أوروبي مزمن، لم تخمد نيرانه، إلا ليشتعل من جديد على شكل تجربة سلام قلما رأى العالم مثلها!





الألزاس واللورين عقدة الحروب الأوروبية

صغارًا، وعلى مقاعد الدراسة، كان أستاذ التاريخ في مدرستي التي تطل شبابيكها على سور دمشق القديمة يحدثنا عن الألزاس واللورين، المنطقتين اللتين تفصلان بين ألمانيا وفرنسا، ففيهما حدثت أقسى الحروب بين البلدين، وكان صراع الدولتين يتركزعلى الاستحواذ عليهما، فمن أمسك بالسيطرة ههنا، امتلك وسط أوروبا، وصار الأقوى!
مراجعة أوقات تبادل السيطرة على المدينة توضح كم كانت القصة عنيفة وقاسية في التاريخ وفي الذاكرة أيضًا، فبعد أن كانت ستراسبورغ طيلة قرون محكومة من قبل أساقف المدينة، حدثت فيها صراعات مجتمعية بين الهيئة الدينية الحاكمة وبين المواطنين الذين تمردوا عليها، ما أدى في النهاية إلى أن تصبح ستراسبورغ مستقلة، ولكنها سرعان ما فقدت حريتها على يد جيوش لويس الرابع عشر التي غزت الألزاس فحوّلتها مدينةً فرنسية في عام 1681. ثم أمست مدينة ألمانية بعد الحرب الفرنسية البروسية سنة 1871، في وقائع غير سارّة لكل من يتذكرها من الفرنسيين الذين وقعوا صك الاستسلام وسلموا الألزاس واللورين للألمان الذين أسروا الإمبراطور نابليون الثالث، ودفعوا مبلغًا ماليًّا كبيرًا مقابل فك أسره. لتعود مرة أخرى إلى فرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918 حيث أجبر الفرنسيون أعداءهم على توقيع بيان هزيمتهم في عربة القطار رقم 2419D الشهيرة، وهنا سيتذكر البعض أن المدينة أعلنت نفسها جمهورية مستقلة، ولكن الجيش الفرنسي المنتصر سرعان ما أعادها إلى سيطرة الدولة الفرنسية.








قصة عربة القطار الشهيرة

خضعت ستراسبورغ أثناء الحرب العالمية الثانية للسيطرة الألمانية مرة أخرى، وهنا عاد المنتصرون ليجبروا المهزومين (حكومة بيتان) على إعلان استسلامهم في العربة ذاتها، بعد أن أخرجت بعنف من المتحف، وأخيرًا – وحال عودة الفرنسيين للسيطرة على الإقليم وعاصمته – أعادوا الكرة ليرغموا الضباط النازيين على توقيع إعلان خسارتهم الحرب في العربة نهاية عام 1944!
غير أن حكاية المدينة لم تنته هنا، فتبادل السيطرة عليها بين البلدين الجارين، والذي كان يجري محمولًا بجرعات عالية من القسوة والقهر النفسيين، يمكن لآثاره أن تستمر لعقود أخرى، كان يحتاج لإرادة رجلين امتلكا من الشجاعة ما يكفي لأن يقوما بإطفاء النيران المشتعلة في النفوس، وهذا ما فعله الرئيس الفرنسي شارل ديغول والمستشار الألماني كونراد أديناور في العام 1963، حينما وقّعا اتفاق المصالحة الفرنسية الألمانية، ليس في عربة القطار الشهيرة سيئة الصيت، بل في رأس عربة قطار سياسي افتراضي سيذهب بعيدًا في طريق التحولات باتجاه الوحدة الأوروبية الراهنة، والتي تبرز فيها ستراسبورغ بوصفها عاصمتها السياسية المكرّسة.

من الحروب إلى السلام

رحلتنا في مدينة ستراسبورغ لن تقترب من السياسة والتاريخ مجددًا، بل ستكتفي برؤية الأبنية الجميلة لمؤسسات الوحدة الأوروبية (البرلمان الأوروبي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمجلس الأوروبي)، وبرؤية علم الاتحاد الأوروبي وهو يجاور العلم الفرنسي في كل الأمكنة التي يمكن زيارتها هنا، وأيضًا سنلاحظ أن الأسماء التي سنقرأها على اللافتات ههنا ستُظهر كيف يمكن للمرء أن يتخلى عن عصبيته التي تغذت حربًا وقهرًا طيلة عقود، ليحلّ محلها التعاون والعمل المشترك، وفي السياق ذاته يمكن للزائر أن يركب الترامواي D ، ليأخذه من وسط مدينة ستراسبورغ وضواحيها، إلى مدينة كيهل الألمانية المجاورة، هاتين المدينتين اللتين يفصل بينهما نهر الراين فحسب، حيث تتحول الأفكار إلى وقائع عملية، فتنهار الحدود بين بلدين متحاربين طيلة قرون، ليحل محلها الطرق المفتوحة، وتقاسم الضفاف والجزر التي تتوسط الراين، ولاسيما منها (حديقة النهرين) التي افتتحت عام 2004، وإن حدث واسترجعت السؤال عمّا يرسم الحدود بين البلاد الأوروبية فقد تصدمك أنها مجرد علامات منسية لن ينتبه إليها أحد في الطريق! 
وهكذا كنا نمضي في طرق الألزاس نتبع طريق العنب، فنعبر الحدود بين فرنسا وألمانيا، مع الدراجات الهوائية في يوم سنوي مكرّس للزراعة وللبيئة وللتعاون بين البشر.








الجزيرة بين الجداول والأنهار

تتركز ستراسبورغ السياحية بشكل أساسي في وسطها التاريخي والثقافي، أي في حي فرنسا الصغرى، الذي تم تسجيله في العام 1988 في سجل التراث المادي لدى اليونيسكو، حيث يعود تاريخ بناء هذا الحي إلى القرن السادس عشر الميلادي.
إنها مدينة ألزاسية مصغرة، تقوم على تقاطع عدة فروع لنهر الأيل الذي يجتاز المنطقة ذات المشهدية الخلابة، التي تجتذب السواح من كل أوروبا، حيث يأتون لمشاهدة البيوت الألزاسية الخشبية القديمة، التي زرعت الأزهار ذات الألوان البهية على شرفاتها وممراتها، فتناغمت مع بياض جدرانها وأخشابها البنية اللون، حتى صارت أشبه بلوحة متناسقة، يهرع لرسمها الفنانون الذين يكمنون في زوايا شوارعها، يرسمونها ويبيعون لوحاتهم للزوار الذين يقضون بدورهم ساعات في هدوء الحي، الذي لا يعكر صفوه سوى صوت القوارب السياحية وهي تعبر المكان، تقدم للسياح رؤية بانورامية للأمكنة التاريخية المتلاصقة هنا، ولاسيما منها سد وسجن فويان الشهير! 
وبالقرب من فرنسا الصغرى يعبر الزوار أفواجًا صوب كاتدرائية سيدة ستراسبورغ الشهيرة، التي استغرق بناؤها أكثر من 250 سنة، فغدت صرحًا شاهقًا يمكن رؤية قمته من كل جهات المدينة، إذ يبلغ ارتفاعها 147 مترًا، لتكون أكبر كاتدرائية في العالم بين الأعوام 1647 و1874، قبل أن تسبقها كاتدرائية مدينة روان الفرنسية أيضًا، والتي يبلغ ارتفاعها حوالي 152 مترًا. 

صروح معمارية في عالم سحريّ

وبحسب الأدلة السياحية فإن كاتدرائية سيدة ستراسبورغ واحدة من أشهر الصروح الدينية الكاثوليكية الرومانية في فرنسا وفي العالم أجمع. طرازها المعماري القوطي الفريد يحيل زائرها إلى عوالم تاريخية موغلة في القدم، ولعل الروعة الفنية التي تمنحها لزائرها تبقى كثيرًا في الذاكرة، كما أن إتاحة فضائها ليكون مساحة لعرض الأعمال الفنية ذات الصلة بطبيعتها جعلها أكثر من مجرد بناء ديني تعبدي! 
غير أن زوّارها التقليديين سرعان ما يحتشدون عند الناقوس الموضوع بإتقان في رأس سهم، وكذلك ساعتها الفلكية، وأيضًا شرفتها التي تطل على مساحات المدينة وريفها في آن معًا، كما أن جدرانها الخارجية المكسوة بشخصيات الحكايات الدينية المقدسة المنحوتة على الصخر الرملي الأحمر تحمل موعدًا سحريًّا لزوارها في الصيف، طيلة شهري يوليو وأغسطس، حيث تُضاء بألوان متماوجة، تُشعر من يراها أنه في حضرة عالم سحري غريب مستقى من الروايات والقصص!

المخترع الألماني والجنرال الفرنسي 

على مسافة قريبة من الكاتدرائية تأخذني قدماي إلى ساحة غوتنبرغ، المكرّسة لمخترع الطباعة في أوروبا الألماني يوحنا غوتنبرغ، وعلى بعد خطوات قليلة من هنا يقف تمثال آخر، لرجل طبقت شهرته الآفاق، كما وصلت شهرة قاتله السوري آفاق التاريخ أيضًا؛ ففي الساحة التي حملت اسمه يقف تمثال الجنرال بابتست كليبر، شامخًا فوق المكان الذي قيل إنه قد دفن فيه. الجنرال الفرنسي المولود في ستراسبورغ عام 1753 قاد جيوش نابليون في المشرق العربي وفي مصر تحديدًا في العام 1799، لكن الثائر السوري سليمان الحلبي الغاضب من تدنيس الأوروبيين للأرض المصرية لم يمهله كثيرًا إذ عاجلهُ بطعناته القاتلة مرديًا إياه قتيلًا في 14 يونيو من سنة 1800.
ومنذ بداية عام 1838 سجّيت جثة كليبر في قبو تحت نصبه التذكاري الذي يمثله متحديًّا الأميرال الإنكليزي كيس الذي يدعوه لسحب الجيوش الفرنسية من مصر، وبينما يحتفي الفرنسيون هناك بجنرالهم الغازي، لاتزال جمجمة قاتله سليمان الحلبي معروضة في متحف اللوفر، على أنها جمجمة رجل متوحش، عدو للمدنية والحضارة!

ساحات ومتاحف وقصور وجامعة

كرس الألزاسيون سكان ستراسبورغ جهدهم الكامل في سبيل تكريس مدينتهم كأيقونة لقيم الحرية والعدالة والمساواة، وهذا ما تدلنا عليه ساحاتها، والأبنية العظيمة فيها، ففي ساحة الجمهورية، سيرى الزائر أن المرحلة الألمانية من تاريخ الصراع على المنطقة تركت آثارها المعمارية ههنا،  في الأبنية الحكومية المتجاورة، والتي تحتوي أيضًا بناء المسرح والمكتبة الوطنيين!
وغير بعيد من هذه الساحة تجذبنا تجمّعات الفرنسيين في السوق التقليدي، في ساحة "بروغلي" الشهيرة التي بُنيت في القرن الثامن عشر بطلب من حاكم الألزاس آنذاك المارشال بروغلي، لتضم في مساحتها عدة معالم مهمّة في المدينة، كالقصر البلدي حيث ألقى الجنرال شارل ديغول خطاب ستراسبورغ الشهير في السابع من أبريل عام 1947، وكذلك مبنى دار الأوبرا الوطنية، وغيرها من الأبنية التي تتوسطها تماثيل لشخصيات عديدة.
غير أن اكتمال المعنى الفني لعبقرية الجمال في ستراسبورغ يأتي من متاحفها وقصورها وحدائقها، كمتحف الفن الحديث، والمتحف التاريخي، وقصر روهان التاريخي، وحديقة الأورانجري (البرتقالية) التي تقع أمام مجلس أوروبا، وتعتبر من أقدم حدائق المدينة، حيث أقيمت في عام 1804 على شرف جوزفين زوجة الإمبراطور نابليون.
أما حديقة النهرين، فهي حديقة حديثة جدًّا (2004)، كُرست لترسيخ الوحدة الأوروبية، ولاسيما بين البلدين المتصارعين تاريخيًّا: ألمانيا وفرنسا، حيث جرى تحويل منطقة حدودية بينهما تقدر مساحتها بحوالي 150 هكتارًا إلى حديقة يمرُّ عبرها جسر حديث مخصص للمشاة وسائقي الدراجات الهوائية المتنقلين بين مدينتي كيهل الألمانية وستراسبورغ الفرنسية!
وككل شيء في المدينة، أُريد لجامعة ستراسبورغ ألا تكون تقليدية وعادية، فهي متميزة بأقسامها وكلياتها ومعاهدها العلمية، إن كان على المستوى الوطني الفرنسي، أو على المستوى الدولي، إذ توضعت هذه الجامعة في قائمة أفضل مئة جامعة على مستوى العالم، حيث تستقبل سنويًّا عشرات الآلاف من الطلاب الفرنسيين والأجانب، الذين يمثلون أكثر من 100 جنسية.
غير أن أطرف ما يمكن مشاهدته في حي اسبلاناد، وعند باب الجامعة تحديدًا حيث ينتصب تمثال الربة أثينا، هو ذلك الفرنسي الذي ما برح منذ سنوات ينصب خيمته ليسكن هناك، ناشرًا ملابسه على حبل، دون أن يحاول أحد طرده من هناك، في مفارقة غريبة، قد تومئ إلى فضاء الحرية المقدّس، حيث لا يمكن للعلم أن يعيش دون حرية!

اقتصاد.. ومهاجرون ولاجئون

ساهمت ستراسبورغ في تكريس فرنسا بلدًا مُرحبًا باللاجئين الهاربين من بؤر الصراع حول العالم، ولكنها قبل حدوث موجات اللجوء كانت موئلًا للجاليات التركية والعربية المتعددة من سورية ولبنان والمغرب العربي، والتي ظلت لعقود تسهم في الأنشطة الاقتصادية المتنوعة كالزراعة والتجارة والتمويل المالي وإدارة الشركات، فهنا يندر أن تمر بشارع دون أن تعثر على مطعم دونر (شاورما تركية)، أو تجد متجرًا تجمع بضائعه بين ضفاف المتوسط كلها.
لقد باتت فرنسا ومنذ زمن طويل بلدًا متعدد الثقافات، ورغم ما تفضي إليه هذه الحال من صراعات فرنسية داخلية، بين قيم التعصب الوطني وبين فضاءات الانفتاح على العالم والإنسانية، إلا أنه من الثابت وجود أرضية لا يمكن القفز فوقها، تكرّس أخلاق المساعدة ودعم اللاجئين، والترحيب بهم، ما يجعل المهمّة على أصحاب النزعات العنصرية الرامية إلى طرد اللاجئين صعبة، لا بل شبه مستحيلة، فبرامج الحكومة في استقبال اللاجئين لا تتبدل، رغم ما يصيبها أحيانًا من تغيرات بحسب الرؤى الحكومية، وهي تكرّس اندماج هؤلاء في المجتمع الفرنسي بوصفهم قوة عاملة، تسهم في النمو الاقتصادي وبفعالية متنامية. 
وهكذا وأثناء زيارتنا لبعض الجمعيات التي تعمل على مساعدة القادمين الجدد من اللاجئين، سنرى كيف يسهم هؤلاء مع مستضيفيهم في العمل يدًا بيد من أجل تيسير حصول الجميع على إقامة جيدة تحترم حقوقهم وتوفر لهم الحد الجيد من الشروط الإنسانية.
وفي جمعية إيمايوس التطوعية التي تنتشر مقراتها في طول البلاد وعرضها (8 فروع في الألزاس وحدها) يتم بيع الأغراض التي يقدمها المتبرعون بأرخص الأسعار، وذلك لتأمين حاجات الفقراء واللاجئين، ولتكرّس هذه المبالغ البسيطة من أجل تمويل أعمال المساعدة التي تقوم بها الجمعية!

ستراسبورغ عاصمة عيد الميلاد في العالم

لقد اتفق الجميع حول العالم على أن مدينة ستراسبورغ هي عاصمة احتفالات عيد الميلاد حول العالم، فمنذ نهاية الشهر العاشر من كل عام تبدأ ورشات البلدية بتزيين شوارعها، حتى لتخال العمال يزينون أشجار الميلاد في بيوتهم، كي تصبح كل أركان المدينة مضاءة، في تقليد مستمر من العام 1570، وفي ساحة بروغلي يعقد سوق عيد الميلاد الذي يتحول طيلة شهر كامل لكرنفال جميل، يرسل من خلاله سكان المدينة رسائل الحب والأمل.

* شاعر وإعلامي سوري

_
_
  • العشاء

    6:29 م
...