

أكد باحثون وأكاديميون عرب ودوليون، بالوثائق والتحليل، أن الخطاب الإعلامي المهيمن لم يكتفِ بالتحيز للاحتلال الإسرائيلي خلال حربه على غزة، بل شارك فعلياً في نزع الإنسانية عن الفلسطينيين، وتبرير الإبادة، وحماية المجرم من المساءلة.
ولفتوا خلال فعاليات المؤتمر العلمي الدولي «الإعلام الدولي والحرب على غزة: مُوجهات الخطاب وأنواع السرديات»، إلى نجاح الشبكات الاجتماعية والصحفيين المحليين في تفكيك السردية الإسرائيلية وإحداث أول تصدع حقيقي في الهيمنة الإعلامية الغربية منذ عقود.
وأشاروا إلى أن تضحيات صحفيي غزة تكتب تاريخاً جديداً للإعلام العالمي، حيث تزعزعت هيمنة الإعلام الغربي.
وشهد اليوم الثاني والأخير لجلسات المؤتمر الذي نظمه مركز الجزيرة للدراسات بالتعاون مع قسم اللغة والثقافة والاتصال بكلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية في جامعة حمد بن خليفة، مناقشات مكثفة ركزت على تحليل الخطاب الإعلامي الغربي والإسرائيلي، وكشف آليات الرقابة الرقمية، ودور الصحفيين الفلسطينيين والشبكات الاجتماعية في مواجهة السردية المهيمنة.
وافتتح الجلسات بمحاضرة رئيسية ألقاها أ. وضاح خنفر، رئيس منتدى الشرق، حذّر فيها من تحول الفكر الليبرالي في الغرب إلى أداة هيمنة عندما يرتبط بمراكز القوة.
وقال خنفر: «الفكرة الليبرالية أو غير الليبرالية في الغرب إذا اتصلت لأي سبب بمراكز القوة تتحول إلى أداة للهيمنة والسيطرة».
وأضاف أن مراكز السلطة الغربية تنظر إلى المنطقة العربية «على أنها منطقة لها علاقة بالغابة، وأن هؤلاء الذين يعيشون فيها تشبه حيوانات بشرية»، وهو ما يُنزع به الإنسانية عن الفلسطينيين ويبرر القتل والذبح والتدمير ويعفي المجرم من المسؤولية. وخلص خنفر إلى أن المنظومة الدولية ترى العرب ككيان واحد، وأن إسرائيل والولايات المتحدة لا تفرقان بين من طَبَّع ومن لم يطبع، داعياً إلى إعادة تعريف أنفسنا وطنياً وإقليمياً.

إبادة جماعية تُنقل على مرأى ومسمع من العالم
شددت د. إيمان بركات، أستاذة الترجمة في اليمن، على أن ما يحدث في غزة ليس حربًا، وإنما إبادة جماعية مستمرة تُنقل على مرأى ومسمع من العالم، منتقدة البيانات الإسرائيلية التي تُروّج لصورة «أمة إسرائيلية موحدة» تبرر أفعالها بدوافع قومية وأخلاقية.
كما تناول إسلام هلال، باحث سوسيولوجيا القانون والدين، «الرقابة الرقمية» كسلطة قانونية موازية تُعيد تعريف المسموح والممنوع ضد السردية الفلسطينية، ومن جانبه أكد عمر كويش، باحث علوم الاتصال، أن اللغة دائمًا متحيزة في الحروب، وأن وسائل الإعلام الغربية متهمة بتلطيف التوصيفات المرتبطة بإسرائيل وتهميش الجهات الأخرى.
وحذرت د. مي العبدالله من خطورة انتشار المقاطع المعدّلة وتأثيرها على مصداقية المواد، مشيدة بدور الصحفيين المحليين في توثيق الانتهاكات وتحويل الرأي العام العالمي.
واعتبرت د. وفاء أبو شقرا أن أخلاقيات الإعلام «لم يعد لها وجود» في هذه الحرب، وأن الإعلام أسهم في «خلق أجواء للتلاعب بالرأي العام» عبر أكاذيب منهجية.
وأخيراً، كشفت د. شهيرة عبدالله من تونس عن تحيز تحريري خبيث، في تغطيات بعض وسائل الإعلام الغربية لحادثة سفينة «مادلين» الإنسانية، حيث أُسقطت روايات النشطاء عن الانتهاكات والاحتجاز القاسي لخدمة مصالح جيوسياسية.
واختتم المؤتمر بتوصيات دعت إلى تعزيز الإعلام العربي البديل، وتطوير أدوات رقمية لمواجهة الرقابة، وتوثيق منهجي للخطاب الإعلامي المتحيز، مؤكدين أن الحرب على غزة شكلت نقطة تحول في تاريخ الإعلام العالمي وكشفت عن هشاشة السرديات المهيمنة أمام صمود الحقيقة الميدانية.
بيئة العمل الصحفي في غزة «الأسوأ عالميا»
استعرض د. وائل عبد العال، أستاذ مساعد في قسم الإعلام بجامعة قطر، خلال جلسات اليوم الأخير للمؤتمر، معاناة الصحفيين الفلسطينيين، مشيراً إلى أنهم «كانوا يعانون مما يعانيه باقي المدنيين في غزة من تجويع ونزوح»، لافتا إلى أن منظمة «صحفيون بلا حدود» وصفت بيئة العمل الصحفي في غزة بأنها «الأسوأ في العالم».
وأكد عبد العال أن القيم المهنية التقليدية كالموضوعية والحياد «تعرضت لاختبار قاسٍ»، وأن كثيراً من الصحفيين واجهوا «تجربة مريرة» في تغطية الأحداث.
أما الباحثة شهد أنور أبو محفوظ، المتخصصة في ترجمة المرئي والمسموع، فكشفت عن تفاوت لغوي صارخ بين الإعلام العربي والغربي، موضحة أن عناوين الأخبار الغربية تجنبت استخدام كلمات مثل (مذبحة) و(إبادة) في وصف الأحداث بغزة، بينما كانت وسائل الإعلام العربية أكثر وضوحاً في هذا الشأن.
وفي ورقة لافتة، أكد د. نهاد الشيخ خليل، أستاذ مشارك في الجامعة الإسلامية بغزة، أن خطاب الكراهية في إسرائيل كان موجوداً حتى قبل أحداث 7 أكتوبر، وأن اللغة الإسرائيلية تصف المدنيين الفلسطينيين بأنهم عائق أمام تحقيق أهداف الحرب، ولذلك يجب التخلص منهم، متجاهلة أو نافية حقوقهم بل وداعية إلى استهدافهم.
من جانبها، رأت د. بشرى زكاغ، أستاذة علم الاجتماع، أن حرب الإبادة الجماعية على غزة حوّلت الشبكات الاجتماعية إلى ساحة صراع سردي نجحت فيها هذه الشبكات ووسائل إعلام عربية في «تفكيك السردية الإسرائيلية» ومواجهة ادعاءات شرعية الأفعال الإسرائيلية.
وفي سياق الرقابة الرقمية، أشار د. حمدي أشكاو، أستاذ مساعد بجامعة الأخوين في المغرب، إلى وجود إستراتيجيات منظمة لإزالة المحتوى الفلسطيني من منصات التواصل، لكنه أشاد بجهود الصحفيين والنشطاء الذين «بذلوا قصارى جهدهم» لإيصال الحقيقة رغم المحاولات الممنهجة للمنع.
بدوره، اعتبر د. إبراهيم أبو شريف، أستاذ مشارك في جامعة نورث ويسترن بقطر، أن الحرب على غزة أدت إلى تزعزع الهيمنة الغربية في المجال الإعلامي، بفضل تضحيات الصحفيين الفلسطينيين الذين ضحى بعضهم بحياته من أجل نقل الحقيقة، داعياً إلى المزج بين البحث الأكاديمي والممارسة الفعلية وكسر الحاجز بين الأكاديميا وتدريب الشباب على مواجهة السرديات الكاذبة.