المقدح والفتيل والصل وسائل تراثية في صناعة المراكب

alarab
تحقيقات 01 ديسمبر 2014 , 07:06ص
تعد المواد والأدوات المستخدمة في بناء السفن التقليدية من أهم الوسائل التراثية التي تعكس طبيعة الحياة في الخليج طوال عقود سابقة، حيث كانت هذه المراكب الوسائل الأساسية في الصيد والسفر إلى الخارج وحتى النقل. وكما تنتقل الأيدي الماهرة في صناعة المراكب التقليدية بين شواطئ بلدان الخليج العربي إلى ملتقيات المهرجانات الدولية لصناعة المراكب التقليدية تنتقل معها أيضاً الوسائل التقليدية الخاصة ببناء وصيانة والسفن بحراً في المراكب نفسها بما تحويه وسائل قديمة في الصيد وأيضاً وسائل الصيانة القديمة والمعدات التقليدية. المحامل التي أسهمت قديماً في نقل البضائع من تمور وأنواع مختلفة للبخور وغيرها. وبما تحويه من مستودعات لحمل الأغذية والمواد المختلفة وأيضاً وسائل الحفاظ عليها من سلال مصنوعة من سعف النخيل وزاد من أهميتها أنها تؤرخ للتجارة الموجودة في بلدان الخليج. كما أن أنواع المراكب التقليدية تختلف بحسب استخدامها كما يقول المشارك في عرض المحامل التقليدية من سلطنة عمان درويش البلوشي الذي يقول بأن أول أنواع هذه المراكب وهو الساج الهندي المعروف بمتانته وتنوع أحجامه لنقل البضائع. وصيانة هذا النوع من المراكب بحاجة إلى العديد من الخبرات في ربط الأخشاب ببعضها وتثبيتها باستخدام وسائل قديمة، كما يقول لم يعد الكثير من أبناء الحرفة حتى يعرفونها كالمطارق الرفيعة والمدببة وحبال الليف وغيرها.
الدوحة - أيمن يوسف

ويتابع البلوشي أن ربط الأخشاب في الماضي كان يأخذ وقتاً أطول لإتاحة تجربة المركب ومتانته في عرض البحر قبل استخدامه أما الآن فالمركب تصنعه المعدات الحديثة والمناشر وحتى ربط الشراع يتم في الورش وهذا يوفر الوقت ولكن الجودة برأيه تختلف. ففي قديم الزمن كانت الأخشاب ترص إلى بعضها باستخدام المطارق الحديدية وتثبت عبر ربط كل لوح إلى آخر ثم ربط كل قطعة في المركب بشكل مستقل أما اليوم فالمركب يصنع ويضغط باستخدام وسائل ميكانيكية ومع ذلك فإن الربط باستخدام الحبال ما زال أفضل من الربط الميكانيكي لما توفره هذه الوسيلة من قدرة على سد الفراغات بين الأخشاب.

المقدح
أحد العاملين في صناعة المراكب التقليدية وهو خلفان البلوشي المشارك من سلطنة عمان بمهرجان المحامل التقليدية في «كتارا» قال لـ «العرب» إن صناعة بعض المراكب التقليدية كبيرة الحجم أصبحت تتم في الورش الكبيرة التي تستخدم وسائل حديثة، بينما المراكب المتوسطة والصغيرة فلا يزال لوسائل البناء التقليدية مكان في صناعتها، كالمقدح الذي استخدم في فرز الخشب وفي ضغط الألواح إلى جانب بعضها. فالمقدح يستخدم في ربط الأجزاء الكبيرة ببعضها البعض قبل استخدام الحبال. ووجوده في السفن الكبيرة أو «البدن» ضروري لأن استخداماته متعددة أثناء الرحلات البحرية الطويلة أو عند الرسو في البحر. الوسائل الحديثة اليوم تفيد أكثر في تركيب الأجزاء المختلفة للمركب ومع ذلك فوجود الدريل والمقدح في المركب لتثبيت الأخشاب بشكل جيد يسهم في التقليل من خطورة ابتعاد الأخشاب عن بعضها وبالتالي خطورة الغرق.
ويتابع البلوشي بأن استخدام المعدات القديمة التي تتكون من معدن وخشب أفضل لعدم الإضرار بأخشاب المركب القديمة. ويتابع بأن الماكينات الحديثة تضغط على الأخشاب أحياناً بطريقة تفقد أخشاب المراكب مرونتها، مؤكداً على ضرورة الحفاظ على المراكب التقليدية لعدة أغراض ومنها التذكير بالتراث البحري للمنطقة وطريقة نقل البضائع قديماً.

الفتيل
من الوسائل التقليدية المستخدمة في ربط الحبال أو في صيانة الأخشاب والتي ما زالت تستخدم في المراكب الخشبية التي انحسرت أعدادها في الخليج العربي، فالفتيل كما يقول خلفان البلوشي أحد صناع المراكب التقليدية من سلطنة عمان يستخدم في ربط الشراع بجسم المركبة وهو ألياف نباتية كثيرة التعقيد تفرد باستخدام المياه وبأمشاط خشبية وتفتل مرة أخرى لتشكل حبالا قوية. كما أن للفتيل استخدامات أخرى كسد الفراغات الناشئة في جسم المركب عندما تنشأ هذه الفراغات نتيجة لاصطدام أحمال ثقيلة على ظهر المركب أو نتيجة لضغط المجداف على جسم المركبة في مراكب سباقات التجديف.
كما أن للفتيل أهمية في ربط الشراع بجسم المركب وفي تثبيت العمود الأساسي في الصناعات التقليدية التي اشتهر بها أبناء الخليج العربي منذ القدم والتي ارتبطت بسفرهم عبر البحار إلى منافذ مختلفة في عالم صناعة السفن، تلك الصناعة التي برعوا فيها وكانت لهم بصماتهم الواضحة عليها أياً كان نوعها حيث كانت تختلف باختلاف استخدامها، فمنها البانوش والشوعي والبوم والبغلة وغيرها من الأنواع التي تستخدم في صيد الأسماك والغوص لصيد اللؤلؤ ونقل الركاب والبضائع.

الصنع والتركيب
ويقول البلوشي بأن الألياف التي تستخدم في المراكب تنفع في حال كان المركب مصنوعاً من أخشاب جيدة معروفة المصدر كخشب الساج والصنوبر المقاوم للرطوبة، كما أن المراكب الخشبية ما تزال تستخدم وسائل قديمة رغم دخول الآلة في صناعتها كأدوات النجارة مثل المجدح والقدوم والمنشار. وتبدأ صناعة السفينة في المحطة المخصصة لها على شاطئ البحر حيث يحدد بناء المراكب أو «القلاف» حجمها من حيث الطول والعرض والارتفاع بحسب نوعها والغاية التي ستستخدم لها وفق قياسات متناهية الدقة كي تحفظ توازن السفينة عند إبحارها مما يعكس مهارة القلاف.
وبعد تحديد الحجم يتم البدء في مباشرة العمل بتركيب الهيكل الرئيسي بتثبيت البيص وهو العمود الفقري للسفينة، مروراً بتركيب أضلاع الهيكل حينها يبدأ القلافون في تثبيت الألواح الخارجية بمسامير حديدية وبعدها يتم تركيب (الفنة) وهي سطح السفينة، ومن ثم يثبت (الدقل) الصاري وتختتم عملية الصناعة باستخدام القطن (الفتيل) والصل لسد الفراغات وتدهن بزيت الصل.
كما تحرص المراكز المختلفة لصناعة المراكب في بلدان الخليج للحرف اليدوية على تدريب يد عاملة بهدف المحافظة على هذه الصناعة من خلال بعض الحرفيين المهرة الذين برعوا في صناعة السفن الخشبية بشكلها التقليدي ولكن بأحجام مصغرة يمكن للسائح اقتـناؤها وحملها كهدية تذكارية.

الصل والنورة والخُن
السفن الخشبية التي تجاوز عمر بعضها المائة عام لم تكن لتحافظ على بدنها لولا المواد الجيدة التي يستخدمها رواد الحرفة كما يقول إبراهيم جبر، فجعل السفينة ذات بنية متينة لتقوم بمهام الحمل والتنقل وحتى الاستعراض في المياه بما يحافظ على خشبها الصلب في مقاومة تيارات مياه البحر. والرحلات الطويلة التي قطعتها هذه السفن أكسبت النواخذة خبرة في انتقاء المواد التي تحافظ على المركب فمادة «الصل» التي تحتاجها الآن المراكب التقليدية في الخليج تدهن بشحم الحوت.
كما أن للأجزاء المختلفة من المركب طرقاً ووسائل للحفاظ عليها إضافة إلى المواد المناسبة لذلك. فالنصف السفلي من المركب، الغاطس في المياه كان يطلى بمادة تعرف باسم «النورة». وهي عبارة عن مادة كلسية خشنة تسحق بطريقة معينة، ويضاف إليها شحم الحوت، وهذه العملية في بناء السفن تعرف ملاحياً باسم «الشونة»، بينما تسد الشقوق بين الألواح الخشبية الصلبة، بقطن خاص جداً يدعى «الفتيل»، ويدهن داخل السفينة المعروف باسم «الخُن» بمادة القار الأسود.
وذلك منعاً لتسرب المياه إلى داخل السفينة، وكانت هذه الألواح الخشبية التي تعرف «بالجذور»، تثبت بواسطة الخياطة بحبل من ليف جوز الفارجيل الذي يتميز بقوة وصلابة أليافه. ومن ثم صنعت في ما بعد مسامير من حديد صلب جداً لتثبيت الألواح الخشبية لسفن البوم القديمة التقليدية.

المجداف
المراكب التي ستخدم للحمل والنقل وبعضها للمسبقات، تنوعت في الماضي بحسب الغرض منها، البلوشي قال إن المراكب التقليدية اعتمدت على الألياف النباتية بكثرة في تصميم السلال. فمنها سلال حفظ الطعام وأيضاً الليف الذي يشكل حبالا قوية تستخدم في ربط الشراع وفي توفير الحبل القوي لتحسين الربط بين المراكب الشراعية كما أن العديد من المراكب التقليدية تحمل نفس طريقة التصميم القديمة كالمراكب مثل المحمل الذي يحمل الأوزان الثقيلة وحمولات البضائع والسنبوك الصغير الذي كان في الماضي وسيلة للنقل أما اليوم فأصبح وسيلة للسياحة والترفيه.
أنواع ومسميات المراكب كما يقول خلفان البلوشي تختلف بحسب حجمها والغرض المستخدمة لأجله فبعضها يصل طوله إلى الـ150 قدماً، ووزنها يتراوح ما بين الـ300 وإلى الـ750 طناً وتسمى البوم ومنها ما يبحر إلى البعيد، ويعرف باسم «السفّار». ونوع آخر يعرف باسم «القطاع» والذي يستخدم في الإبحار لوجهات قريبة من موانئ الخليج العربي. المراكب الصغيرة أو السمبو كانت بسعة محدودة لغرض نقل البضائع بسرعة بين الشاطئ والمركب أو بين المراكب نفسها. أما اليوم فهي تشارك بمسابقات التجديف ويحتاج هذا النوع من المراكب إلى المجداف لصغر حجمها وتأثير الرياح حتى الخفيفة عليها والأفضل استخدام عدد كبير من المجاديف. بينما اليوم تبرز في النشاط الرياضي ومسابقات السرعة والتحمل.
تحول في صناعة المراكب
شهدت صناعات واستخدامات سفن البوم في الخليج جملة تحولات تاريخية، تجسدت بصيغ تحاكي كل تحديث نحو المستقبل. فتحول بعض من سفن «البوم» الكبيرة إلى فنادق عائمة 5 نجوم يتهادى في نزهات بحرية في مياه الخليج ومنها ما هو ثابت، حيث يفِد إليها السياح وأبناء البلاد والمقيمون على أرضها بهدف تناول أفخم الأطعمة في ظل أجواء مطعمة بخلفية موسيقية هادئة، لتكتمل بذلك جدارية القديم والحديث معاً، ولتتحقق فكرة التمازج فيما بينهما، حيث ترسو السفن لتقدم المأكولات المتنوعة مع التركيز على المأكولات البحرية التي يشرف عليها طهاة من كل أنحاء العالم، وآخرون متخصصون في تقديم الوجبات التراثية الخليجية.
وتشهد هذه الفنادق العائمة إقبالا كبيراً في المناسبات الخاصة، ومنها في شهر رمضان المبارك، حيث تحتضن خلال ذلك «البوفيهات المفتوحة»، فيقدم كل ما لذ وطاب من المأكولات التراثية والعربية والعالمية. ويقبل الناس في هذه المناسبات بشكل كبير على نوعية تلك الفنادق- السفن. كما نجد سفناً خشبية صغيرة تشبه الجندول تتهادى فوق سطح الخليج على امتداد الإمارات السبع، تحمل السياح في نزهات بحرية في الأعياد والمناسبات الوطنية، وفي احتفاليات رياضية تقام على سطح المياه. كما تشهد سفن «البوم» إقامة الأعراس ومناسبات الفرح، وهي مجهزة لتنظيم هذه الحفلات.