يوسف جاسم الدرويش.. ورحلة الحياة

alarab
حوارات 01 نوفمبر 2020 , 12:30ص
يوسف بوزية

ابتعد عن قيود الحجر الصحي وضغوط العمل إلى رحابة سوق واقف

كلفت بجمع المقتنيات التراثية لتأسيس المتحف الوطني.. وموّلتُ «أول إذاعة قطرية» من «كيس الوالدة»
تشرّبت القومية على أثير «صوت العرب».. وأكملت تعليمي في «جامعة الحياة» المفتوحة
طرحنا إصدار جريدة يومية باللغة العربية.. و«قطر اليوم» أولى مشاركاتي في الإعلام
 

صال السيد يوسف بن جاسم الدرويش وجال في معترك التجارة والأعمال منذ نعومة أظافره، حيث نال شهادة معتمدة من «مدرسة الحياة» التي لا تُغلق أبوابها ولا يزال «طالباً على مقاعدها»..
الحياة التي عركته وجعلته خبيراً في شؤونها.. هي الرّافد الأوّل الذي من خلاله التحق يوسف جاسم الدرويش بـ «جامعة الحياة» المفتوحة، فمن سحائب هذا المصطلح العفوي المهيب، مصطلح الحياة اليومية ذاتها، نهل يوسف الدرويش مهاراته في إدارة الأعمال واستقى خبراته لعبور «بوابة النجاح».. متسلحاً بالتجارب التي تراكمت لديه وغرست فيه حب العمل الدؤوب والعطاء من أجل الوطن الحبيب.. ورسمت خطوطها على قسماته..
متكئاً على مسند كرسيه الوثير، في مكتبه الأثير على طريق الدائري الثالث المزدحم بالملفات والصور التذكارية المعلقة على جدرانه - التي تبين تاريخ عظيم - يتحدث يوسف بن جاسم الدرويش عن ذكرياته كما يتحدث عن أحد مقتنياته الثمينة، حيث كل «قطعة» شفهية تغريك بالإنصات إليها.. والحنين إلى زمنها..!

الحجر المنزلي

يستعرض رئيس مجلس إدارة مجموعة شركة الدرويش المتحدة، جدوله اليومي، على مدار الأسبوع.. حيث يقضي ردحاً من اليوم في متابعة أعمال «الشركة الأم» وصفقاتها التي تختص شركاتها الاثنتا عشرة الموزعة في مختلف أنحاء الدولة، وتعمل في مجالات المقاولات والخرسانة ومقاولات الطرق والبنية التحتية والصناعات الخشبية، وقطاع التعدين والخدمات والديكور، والسياحة والسفر، وأنظمة الكمبيوتر، والتكييف والكهرباء والاستثمار العقاري.. إلــخ، ثم يعطي نفسه قسطاً من الراحة والهدوء بعيداً عن أجواء العمل، بعيداً عن ضجيج الحياة اليومية، عن قيود الحجر المنزلي وأشباح "كورونا" وأخبارها التي تطاردنا سحابة النهار على شاشات التلفاز والهاتف المحمول، إلى رحابة سوق واقف، حيث جدران الأبنية التراثية المتآخية تمنح الزائرين إحساساً بالألفة والبساطة، وحيث اعتاد على أن «يقرأ».. مع رشفات الشاي السيلاني الأحمر، وجوه «أهل السوق» الذين أصبحوا جزءاً من المشهد التراثي العام في المدينة!

هنا إذاعة الجامع الكبير
الصحافة في قطر كانت «مدينة» له بالفضل منذ إصداره أول مجلة شهرية في الدوحة، تحت مُسمى "قطر اليوم"، تبعها إصدار أول صحيفة باللغة الإنجليزية تحت مسمى "الجلف تايمز"، ثم تصميمه على أن يكون لديه محطة إذاعية، أسوة بإذاعات "الشرق الأدنى" من قبرص، أو "هنا أنقرة" أو إذاعة "صوت العرب" التي غّذت لديه مشاعر القومية العربية، وبدأت الفكرة، باقتراضه مبلغاً من المال (1400 روبية) من والدتــه لشراء جهاز اللاسلكي من شركة البترول الواقعة في منطقة دخان؛ بهدف تحويله إلى مشروع إذاعة محلية، تبث اسطوانات القرآن الكريم للشيخ عبد الباسط على موجات FM والموجات القصيرة، وذلك من رحاب الجامع الكبير "بعد أن كنا نمد إيريل 20 متراً تقريباً لنسمع صوت العرب.. وهو ما تم بالفعل، وبعد ذلك تم إنشاء الإذاعة الرئيسية للدولة.

شواهد التراث القطري
يستحضر السيد يوسف بن جاسم الدرويش قصة انشغاله في ذلك الوقت بصناعة الإعلام، من دون أن يؤثر ذلك على ممارسة هوايته المحببة، والمتمثلة في جمع التحف والمقتنيات الأثرية.. وعندما أراد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني -رحمه الله- تحويل قصر الحكم القديم في منطقة «اسلطة» إلى متحف وطني، ليحفظ في جنباته شواهد التراث القطري القديم بعد انتقاله وأبنائه إلى منطقة الريان، أمر الشيخ خليفة -رحمه الله- بتشكيل لجنة خاصة لجمع الآثار، برئاسة يوسف جاسم الدرويش وعضوية عشرة أشخاص آخرين، منهم ناصر العثمان، وجاسم زيني وغيرهم، حيث بذلوا جهوداً مضنية في إقناع العديد من أصحاب المقتنيات القديمة، سواء كانوا من الأسرة الحاكمة أم ممن تتوفر لديهم بعض المقتنيات الشخصية والأثرية القيمة، بالتنازل عنها لصالح "الوطن الغالي".
وهنا يضيف جاسم الدرويش: وقد أثمرت تلك الجهود الرسمية والشخصية عن تحصيل مجموعة من الكنوز التراثية، بعد أن تنازل العديد من المواطنين في ذلك الوقت عن مقتنياتهم لصالح المتحف، وقدموها للدولة عن طيب خاطر، بينما طلب آخرون من أعضاء اللجنة أن يعطوهم قيمة تلك المقتنيات الشخصية الثمينة حقاً.

إرادة وريادة
يواصل يوسف بن جاسم الدرويش حديثه سارداً ذكرياته بعفوية لا تخلو من التواضع والفخر بالماضي، ثم يتوقف بين الحين والآخر ليأخذ رشفة صغيرة من الشراب الساخن مع العسل، وتبقى نبرة الشجن راسخة في صوته، تحفها الذكريات وحلاوة السنين التي تدحرجت إلى الوراء. ثم يروي قصة دخوله مجال الإعلام:  أصدرنا أول مجلة شهرية في الدولة تحت مُسمى "قطر اليوم" باللغتين العربية والإنجليزية، وقد أرسلت أول نسخة منها إلى مكتب سمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في ذلك الوقت، حيث طلبني مدير مكتبه سعادة الدكتور عيسى بن غانم الكواري، وأبلغني شكر سموه على إصدار المجلة التي تخاطب الناطقين باللغة الإنجليزية المقيمين في الدولة، قلت له إنها مجلة إعلانية لا ترتقي إلى مستوى الصحافة التي تتناول مختلف القضايا والشؤون العربية والدولية، أو تعبر عن مواقفنا وحقوقنا العادلة في مختلف القضايا العربية والإسلاميــة. 

استدعاء مفاجئ

وماذا بعد؟
سألناه.. فأجاب: بعد ذلك بأيام تم استدعائي للديوان الأميري، حيث أبلغني مدير مكتب سمو الأمير الدكتور عيسى بن غانم الكواري بأنه عرض الأمر على سمو الشيخ خليفة، والذي أمر بالبدء في إصدار أول جريدة ناطقة بالإنجليزية في قطر بالمواصفات التي سردتها، فاعتذرت في بادئ الأمر؛ لعدم تفرغي وتخصصي، واقترحت أن تتولى إدارة الإعلام إصدار الجريدة، ومن دون أي فرصة لقبول اعتذاري، أمر سموه أن تكون الرخصة والإصدار لصاحب الفكرة، وهو ما كان بالفعل، فاخترت تسعة من "الأعضاء المؤسسين" ممن لهم مكانة في المجتمع ولديهم ميزانية قوية وملاءة مالية تسند الجريدة، من خلال إصدار الإعلانات المطلوبة، أذكر من بينهم: الشيخ علي بن جبر آل ثاني رحمه الله، أول رئيس مجلس إدارة للمؤسسة، وآخرين من رجال الإعلام وذوي المناصب المهمة حيث تمت الموافقة عليهم، وأسسنا "شركة الخليج للنشر والطباعة" في بداية العام 1978، حيث بدأنا في الإعداد والتجهيز بإحضار المطابع، وتم اختياري لمنصب العضو المنتدب للجريدة، وفي ديسمبر من العام 1978 صدرت جريدة "الجلف تايم" الأسبوعية باللغة الإنجليزية، وجلبنا البريطاني السيد براين نيكولس ليشغل منصب مدير التحرير، ثم صدرت كجريدة يومية من دون أن يتوقف إصدار عددها الأسبوعي الخاص لـيوم الخميس، إضافة إلى صدورها كجريدة يومية.