أخرس يعمل في مهنة تعتمد على المناداة

alarab
منوعات 01 أغسطس 2014 , 07:24ص
الحزن يهد الجبال وقمة الأسى عندما تجري الدموع من عيون الرجال فالدموع لا تعرف السلطة ولا القوة ولا تهاب الإنسان مهما كان قرار الاستمرار وعدم الانكسار أو اليأس هو أهم قرار من المؤكد تتخذه في حياتك بتلك الكلمات بدأ ابن «عم عماد» كلامه عن والده الذي عاش حياته يعمل مسحر خلفا «للحاج عدوي المسحر» الذي ورث عنه مهنة المسحر عن حب وعشق لهذه المهنة لذلك لم يستطيع اليأس أن يتسرب إلى نفسه عندما فقد صوته حيث أصيب بفتق في المعدة كان سببا في فقده النطق.
ولأنه أصبح أخرس فاستبدل المزمار بصوته وعلق على صدره طبلة لإيقاظ الناس للسحور ولم يسلم من سخرية البعض في أن يعمل رجل أخرس في مهنة تعتمد على المناداة وطالبه المقربون بالعمل في مهنة أخرى تناسب ظروفه الجديدة لكنه الثبات وقرار الاستمرار وعدم اليأس فلم يبتعد عن عمله الذي أحبه وقرر أن يرثه ابنه عنه فكان يصطحب ابنه الطفل معه باستمرار في عمله حتى صار شابا وأمسك المزمار خلفا لوالده مرددا «اصحى يا نايم....» وتسرب إلى قلب الابن نفس العشق لمهنة الأب وورث الابن المهنة من والده وتميز فيها أكثر بحكم ظرف والده المرضي الذي يمنعه من الكلام، وخلال سنوات قليلة طور من أدائه وأصبح هو ووالده الثنائي الذي ينتظره سكان القاهرة من العام للعام، حيث بمجرد ظهورهما في الشارع يضفيان عليه جواً من المرح والبهجة يتعاطى معها سكان المنطقة.. «الناس بتستنانا كل سنة في رمضان، بنلف من 11 بالليل لحد الساعة اتنين الصبح، بنطبل والعيال والناس اللي سهرانة تطبل معانا، والكل بيبقى فرحان».
وقد ظهرت مهنة المسحر في عصر الدولة العباسية خلال عهد الخليفة المنتصر بالله. ويذكر المؤرخون أن والي مصر، عتبة بن إسحاق، هو أول من طاف شوارع القاهرة ليلا في رمضان لإيقاظ أهلها ودعوتهم إلى تناول طعام السحور في العام 238هجرية (853 ميلادية)، ليصير هو «المسحر» الأول.
«عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة»، كان نداؤه.. ومرت السنون ليتطور النداء ويصير أشهره «اصحى يا نايم.. وحد الدايم» وتضاف أدوات الطبل والمزمار إلى صوته الجهير للمساعدة في تنبيه النائمين ليستعدوا للصيام.. بالماء والطعام.
وكان المسحر في العصر العباسي يحمل طبلة صغيرة يطبل عليها مستخدماً قطعة من الجلد أو الخشب ومعه طفل أو طفلة صغيرة مع شمعة أو مصباح لتنير له طريقه وكانت النساء تترك له على باب منازلهن قطعة نقود معدنية ملفوفة داخل ورقة ثم يشعلن أحد أطرافها ويلقين بها إلى المسحر الذي يستدل على مكان وجودها من ضوء النار فيدعو لأصحاب البيت ويقرأ الفاتحة. وكان ابن إسحاق أول من أيقظ الناس على الطبلة بذهابه ماشياً من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص. أما أهل بعض البلاد العربية كاليمن والمغرب فقد كانوا يدقون الأبواب بالنبابيت، وأهل الشام كانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطنابير وينشدون أناشيد خاصة برمضان، وتطورت بعد ذلك مهنة المسحر فاستخدم المسحر الطبلة الكبيرة منشداً الأشعار والأغاني الشعبية.
وهكذا انتشرت المهنة وشهدت أوجها، وفي عديد أشهر رمضان مضت، لم يخل شارع عربي من «مسحر» يقرع طبلته قبل الفجر قبل أن تشيخ مهنة المسحر مع مولد الأجهزة التكنولوجية الحديثة ومنبهاتها.