باب الريان
01 أغسطس 2013 , 12:00ص
هناء محمد وحيد الدين الغايش
الإسلام دين ودولةٌ، فإذا أقيم الدين استقامت الدولة، وبإقامة الدين واستقامة الدولة تنطلق الأمة في مجالات رحبة؛ من الدعوة والتعليم والحسبة، وباختلال الدولة تختل واجباتٌ دينية جماعية؛ كالجهاد والقضاء بالعدل وجمع الزكاة وغيرها. ولا شك أن الإمامة العظمى منصب شرعي، فلا دولة بلا إمامة وسلطة تقوم بإدارة شؤون الدولة. وقد بين الإمام المواردي أن الإمامة موضوعةٌ لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجبٌ بالإجماع، وإذا كان عقدها واجبا شرعيا فهذا أعلى درجات المشروعية. وقد أكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن كلمة أهل العلم متفقة على أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإنَّ الناس لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس؛ لأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجُمَع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة.
خامساً: السياسة ومقاصد الشريعة
تلتقي جميع مقاصد الإسلام في مقصد أعلى تتفرع عنه في شكل شبكي، هذا المقصد الأعلى هو حفظ نظام الأمة، وقد بين الشيخ الطاهر بن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية وأكد أن استدامة صلاح نظام الأمة بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه. هذا الصلاح هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بعبارة عمارة الأرض: {هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}، وهذه العمارة -أو العمران- قائمة على ما يصلح للإنسان ليقوم بمقتضيات الاستخلاف في الأرض.
سادساً: صفات الحاكم الراشد
لقد شهدت الحضارة الإسلامية حُكاماً عظاماً، أعظمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القدوة في كل شيء، لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}. وقد رأت الدنيا أجيالاً متتالية من الحكام المسلمين ممن اتبعوا آثار الرسول صلى الله عليه وسلم وتربوا على سنته وما كان لهم في الأرض نظير، وفي مقدمة هؤلاء الحكام يأتي الخلفاء الراشدون، أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- ومن بعدهم جاء خامس الراشدين الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز، والخليفة العباسي هارون الرشيد -أعظم ملوك الأرض في عصره- وغيرهم من الحكام الذين اشتهروا بالعدل والاستقامة مثل السلطان صلاح الدين الأيوبي والسلطان العثماني سليمان القانوني، وقد عملوا جميعا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته».
وقد أدركوا أن مسؤولية الحاكم عظيمة القدر لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به». وعلى هذا فلا بد أن يكون الحاكم على المسلمين أهلا لها بما يتوفر فيه من صفات تجعله ينهض بأعباء المسؤولية على خير وجه، ومن أهم هذه الصفات اعتقاده أن السلطة تكليف وليست تشريفاً، فقد اختاره الشعب وبايعه بالرئاسة لكفاءته، وبايعه على السمع والطاعة، وجعلوه وكيلاً عنهم في حماية أمور الدين وتدبير شؤون الحياة، ومن حق الشعب أن يراقبه ويحاسبه، أو يعزله إذا انحرف من خلال أهل العقد والحل، وعلى الحاكم المسلم أن يعلم أنها أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إذا لم يؤد حقها، فقد قال أبو ذر -رضي الله عنه-: «يا رسول الله، ألا تستعملني (تولني إمارة)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، إنك ضعيف إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها». فالحاكم يجب أن يكون ذكياً فطناً عالماً بأحكام الدين وقواعده العامة، وبذلك يستطيع تمييز الحلال من الحرام فهو الأمين على مصالح الأمة والراعي لها، كما ينبغي له أن يكون على أعظم معرفة بأمور الدنيا مثل الحرب والبيع والشراء وعقد المعاهدات وغير ذلك، وأن يتصف بالصفات الحسنة كالأمانة والعفة والكرم، وأن يبتعد عن كبائر الذنوب وصغائرها، وأن يلتزم مبدأ الشورى في تدبير أمور الأمة في الأشياء التي ليس فيها نص من القرآن أو السنة، فيستشير أهل الرأي والخبرة ليستفيد من عقولهم، وليستنير بحسن تدبيرهم. وينبغي أن يكون سليم الحواس والأعضاء من نقص يمنع القيام بأعباء الحكم، فلا يكون له أمراض كالجنون والصمم والخرس، وفَقْد بعض الأعضاء مثل اليدين والقدمين، وكل ما يؤثر على عمله وقيامه به خير قيام. وهكذا ندرك أن الإسلام أعطى مكانة عظيمة للسياسة والحكم؛ لما لهما من أهمية ونفع في تسيير أمور الحياة.
سابعاً: صفات المحكومين الراشدين
إن فكرة التوحيد في الإسلام تقوم على أن المسلم لا يبغي غير الله ربا، ولا يتخذ غير الله وليا، ولا يبتغي غير الله حكماً، كما بينت ذلك «سورة الأنعام». وعقيدة التوحيد في حقيقتها ما هي إلا ثورة لتحقيق الحرية والمساواة والأخوة للبشر، حتى لا يتخذ بعض الناس بعضاً أرباباً من دون الله، وتبطل عبودية الإنسان للإنسان، ولذا كان الرسول الكريم صلوات الله عليه يختم رسائله إلى ملوك أهل الكتاب بهذه الآية الكريمة:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
إن الإسلام الحق كما شرعه الله دين كامل شامل، وكلمة رجل دين ليس لها نصيب في الإسلام، وإنما المسلم رجل دين، ورجل سياسة، ورجل اقتصاد، ورجل علم ومعرفة يعرف ما عليه أن يعرفه من أمر دينه ولو بالحد الأدنى وهو ما تم الاصطلاح عليه «ما يجب العلم به من الدين بالضرورة»؛ لتستقيم حياته وبعدها إن خفي عليه شيء {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. فالإسلام وضع في عنق كل مسلم فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويعبر عنها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قالوا: يا رسول الله لمن؟ قال: لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم» وهي التي صح اعتبارها الدين كله، وقد يعبر عنها بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهما من الشروط الأساسية للنجاة من خسران الدنيا والآخرة كما وضحت ذلك «سورة العصر». فشخصية المسلم صنعتها عقيدته وشريعته وعبادته وتربيته، حيث إن الإسلام له قواعده وأحكامه وتوجيهاته في سياسة التعليم، وسياسة الإعلام، وسياسة التشريع، وسياسة الحكم، وسياسة المال، وسياسة السلم، وسياسة الحرب، وكل ما يؤثر في الحياة. وهذا سر وقوف المشركين وكبراء مكة في وجه الدعوة الإسلامية بمجرد رفع راية «لا إله إلا الله» فقد كانوا يدركون ماذا وراءها، وماذا تحمل من معاني التغيير للحياة الاجتماعية والسياسية، بجانب التغيير الديني المعلوم بلا ريب.