خيرية ليلة القدر وزيادة العمر بها
باب الريان
01 أغسطس 2013 , 12:00ص
عبدالسلام البسيوني
لا تقدر قيمة ليلة القدر بالوقت من المغرب للفجر كسائر الليالي؛ بل هي مختلفة في عظمها وحجمها وبركتها.
فمن المعاني العجيبة في قيمتها ما قاله الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: عنى بألف شهر: جميع الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء؛ كما قال تعالى: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) يعني جميع الدهر. أي يود لو عاش للأبد فلم يمت!
وقال في التحرير والتنوير: وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله: (واحدٌ كألف) وعليه جاء قوله تعالى: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر، للرعي على الفاصلة، التي هي بحرف الراء.
والمعنى الثاني أنها تعنى: الأفضلية على ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهذا قول أبي العالية رحمه الله، وجمهرة العلماء.
قال سيدي الإمام مالك في الموطأ: إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته -ألا يبلغوا من العمل مثلما بلغ غيرهم في طول العمر- فأعطاه الله ليلة القدر، خيرا من ألف شهر»اهـ.
وخيريتها هنا بحسب ما يقع فيها من الخير والثواب والبركة. قال القرطبي: (ليلة القدر خير من ألف شهر) بين فضلها وعظمها.
وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل.
وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. والله أعلم.
ومعنى هذا أنه يمكننا أن نضاعف أعمارنا بعمل مئات السنين، فمن يدرك ليلة القدر عشر مرات فكأنما عاش ثلاثا وثلاثين وثمانمائة عام، ومن أدركها عشرين مرة فكأنما عاش ستّا وستين وستمائة وألفا من الأعوام، وهكذا..
وتخيل أخي أن أموت أو تموت في متوسط أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتب الله تعالى في كتاب حسناتك أعمال ألف سنة أو أكثر..
أليس معنى هذا أننا نكافأ كما لو عشنا أطول من أعمار أطول الناس أعمارا من الغابرين؟
رابعا: محور السلام في ليلة القدر
السلام هو كف الأذى عن الناس وحسن معايشتهم.. قال في لسان العرب: السلام والسلامة: البراءة. وقال ابن الأعرابي: السلامة العافية وقوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) معناه تسلما وبراءة، لا خير بيننا وبينكم ولا شر!
قال ابن عرفة: أي قالوا قولاً يتسلمون فيه، ليس فيه تعدٍّ ولا مأثم، وكانت العرب في الجاهلية يحيون بأن يقول أحدهم لصاحبه: أنعم صباحا، وأبيت اللعن، ويقولون: سلام عليكم، فكأنه علامة المسالمة، وأنه لا حرب هنالك، ثم جاء الله بالإسلام فقصروا على السلام، وأمروا بإفشائه.
وقوله عز وجل: (سلام هي حتى مطلع الفجر) أي لا داء فيها ولا يستطيع الشيطان أن يصنع فيها شيئا..
والسلام والتحية معناهما واحد، ومعناهما السلامة من جميع الآفات، ولم يرد في القرآن غالبا إلا منكّرا، كقوله تعالى: (سلام عليكم بما صبرتم) والسلام في الأصل: السلامة، ومنه قيل للجنة: دار السلام؛ لأنها دار السلامة من الآفات. وروى يحيى ابن جابر أن أبا بكر رضي الله عنه قال: السلام أمان الله في الأرض.
قال الزجاج: سميت دار السلام؛ لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع ولا تفنى، وهي دار السلامة من الموت والهرم والأسقام!
ويطلق السلام على التحية والمدحة، وفسر السلام بالخير؛ والمعنيان حاصلان في هذه الآية، فالسلامة تشمل كل خير؛ لأن الخير سلامة من الشر ومن الأذى، فيشمل السلام: الغفران، وإجزال الثواب، واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة.
والسلام بمعنى التحية والقول الحسن، مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة؛ فيما حكاه قوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار). قال مجاهد: هي ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى. وروي مرفوعا.
وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر؛ يمرون على كل مؤمن، ويقولون: السلام عليك أيها المؤمن.
وقيل: يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها.
والحاصل هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ليلة القدر، فهذه بشارة.
وهل في ذلك إشارة إلى أن المسلم الذي يحييها لن يصيبه ضر، ولا أذى، ولا مرض، ولا عناء، ولا وباء، ولا بلاء، إلا الموت؟ وأن الله تعالى يعطيه الأمان في هذه الليلة من كل ما يضره؛ لأنها ليلة سلام؟ أم فيها أمر من الله تعالى –في صيغة الخبر– بأن يكون المسلمون فيها مسالمين، فيكفوا أيديهم وألسنتهم عن الخلائق، لا يلحقهم منهم أذى؟ أم فيها إشارة إلى أن الإسلام من أول نزوله جاء بالسلام على العالمين، خصوصا، وأن جذره اللغوي (س ل م) مشترك مع السلامة، والمسالمة، وهو اسم من أسماء الرحمن الرحيم سبحانه، عكس الأديان الأخرى المنسوبة لأنبيائها ومصلحيها؟