دفع الزكاة إلى القاتل عمداً

alarab
باب الريان 01 أغسطس 2013 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
هل يجوز أن يعطى القاتل عمداً من مال الزكاة في حال سقوط القصاص عنه من أجل أن يدفعها للورثة والحال أنه فقير معدم؟ إنه من المعروف أن الله -عز وجل- كما أعطى لوليه القتيل الحق في القصاص منحه أيضاً الحق في العفو وحضه عليه، وبيّن أنه تخفيف ورحمة منه بهذه الأمة، قال تعالى: «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ»، فقد جعل تعالى إباحته للعفو إلى الدية أو دونها تخفيفاً منه على هذه الأمة ورحمة بها، حيث لم يوجب عليهم القصاص في القتل كما أوجبه على من قبلهم، بل خيرهم بينه وبين العفو، وقال في آية أخرى: «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» (الإسراء: 33)، وقال صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفتدي وإما أن يقتل» رواه الجماعة، ورغب النبي -صلى الله عليه وسلم- في العفو وحض عليه، ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً»، رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. وعن أنس قال: «ما رفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو» رواه الخمسة إلا الترمذي. ومن ذلك ما ورد فيما رواه وائل بن حجر في رجل ادعى على آخر أنه قتل أخاه فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ قال: ما لي مال. قال: فترى قومك يشترونك. قال أنا أهون على قومي من ذلك، فرمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ولي القتيل نسعة القاتل وقال: دونك صاحبك، فلما انطلق به، قال رسوله الله -صلى الله عليه وسلم- هو مثله إن قتله، فسمع ذلك أخ القتيل فرمى بنسعته وخلى سبيله». رواه مسلم والنسائي. ففي هذا الحديث حضه -صلى الله عليه وسلم- على العفو وترغيبه فيه كما في رواية أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم عرض على القاتل أن يبعثه يسأل الناس ليعينوه، فدل ذلك على أن هذا من المواضع التي يشرع فيها السؤال ويحبذ فيها لذوي السعة المساعدة بما أمكنهم من المال، لما في ذلك من حقن للدماء وإطفاء لنار الفتنة، ففي الحديث: عن أنس رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع» رواه أصحاب السنن بسند حسن، والدم الموجع مثل دية توجهت عليه ولا يجدها، فصاحب الغرم المفظع أو الدم الموجع ممن تجوز لهم المسألة والمتحمل للدية إذا لم يكن لديه مال يسددها منه ينطبق عليه وصف ذي الدم الموجع والغرم المفظع، كما هو واضح، ويدل له أيضاً ما في حديث عطاء بن يسار رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم.. الحديث». رواه أبو داود وأحمد والحاكم وصححه. والمتحمل للدية من الغارمين الذين تحل لهم الصدقة، كما يدل عليه ما ورد من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي –رضي الله عنه- قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً عن عيش.. الحديث.. رواه مسلم وأبو داود والنسائي. قال القرطبي: في المفهم والحمالة ما لزم الإنسان تحمله من غرام أو دية، وقد وعده النبي -صلى الله عليه وسلم- بمال من الصدقة، لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات. وقد ذكر العلماء أن الغارمين نوعان: غارم لنفسه وغارم عن غيره، والغارمون هم المدينون الذين ضاقت أموالهم عن أداء ما عليهم من الديون، بحيث يفقد دائنوهم شيئاً من أموالهم أو يفقد المدينون ما بقي لهم من مال لإقامة أود الحياة فيكون الصرف من مال الصدقات رحمة للدائن والمدين. وكلهم ممن يستحق الصدقة بوصف الغرم المذكور في قوله تعالى في آية الصدقات «والغارمين»، راجع أحكام القرآن للشافعي (1/1166) والأم (2/61) وتفسير الرازي (6/412) وتفسير القرطبي (8/183-185) وتفسير ابن كثير (3/414) والمهذب للشرازي مع شرح المجموع (6/205 -11م)، وروضة الطالبين (3/197)، والمبدع شرح المقنع (2/421)، ومطالب أولي النهى (2/143)، وشرح النووي لمسلم (7/133)، ونيل الأوطار (4/235). وإذا كان المتحمل عن غيره لإطفاء نار الفتنة له حق الأخذ من الصدقات باعتباره غارماً فمن باب أحرى إذا كان متحملاً لها عن نفسه لفك رقبته وإحياء نفسه، خصوصاً أن هذا الدين مما يحبس فيه الجاني، وقد عرف كثير من الفقهاء الدين الذي يستحق صاحبه الأخذ من الصدقات بأنه الدين الذي يحبس فيه صاحبه، أي يستوجب الحبس ولو منع من تنفيذ الحبس مانع مثل أبوة المدين للدائن ونحو ذلك، فإن قيل هذا تداين في فساد ومن تداين أو تحمل في فساد فلا يعطى من الزكاة، فالجواب أن الراجح هو أن من تاب يعطى من الزكاة، نص عليه المالكية والشافعية والحنابلة. انظر الإنصاف في الراجح من الخلاف للمرداوي (3/247)، والمهذب للشيرازي (1/570) مع أن متحمل الدية هنا لم يستدن في محرم وإنما غرم بسبب جناية محرمة بعدما أقلع عنها وتنصل منها، وفرق بين الأمرين استدانة في محرم واستدانة جاءت تغريماً لارتكاب أمر محرم، ويدل لذلك ما ذكره بعض أصحاب الفروع من جعل من تحمل بسبب إتلاف مال، أو نهب غارما يحل له الأخذ من الزكاة نص عليه المرداوي في الإنصاف (3/233)، والمبدع (2/421) وغيرهما. وروي عن مالك أن قال: يعطى من الغارمين من دخلت عليه معلقة «من دم» النوادر (2/283)، والمعلقة ما يتعلق به من أجله كما يعلم من مراجعة لسان العرب مادة «علق». وإعطاء الدية من مال الصدقات إذا عجز الجاني عن سدادها أو منع مانع من أخذها منه مثل جحده لما ادعى به عليه مع عجز ورثة المجني عليه عن إقامة البينة عليه وامتناعهم عن حلف أيمان القسامة، يدل له ما ورد في مقتل الأنصاري في خيبر لما أنكرت يهود قتله وامتنع أولياؤه من حلف أيمان القسامة، فكره -صلى الله عليه وسلم- «أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة». وفي رواية «أن يطل دمه» متفق عليه من رواية البخاري ومسلم. وقد حمله بعض العلماء على ظاهره وأنه -صلى الله عليه وسلم- دفع دية ذلك القتيل عمداً من مال الصدقة كراهية أن يطل دم مسلم وجلباً للمصلحة ودفعاً للمفسدة، حتى لا تقع فتنة بين الأنصار ويهود خيبر، ورواية فوداه من إبل الصدقة صحيحة رواها البخاري ومسلم وزعم بعضهم أنها غلط لتصريح الراوي يحيى بن سعيد بقوله فعقله النبي -صلى الله عليه وسلم- من عنده، غير سديد لأن تغليط الراوي العدل الجازم بالرواية لا ينبغي ما أمكن حملها على ما يقتضي عدم منافاتها لغيرها من الروايات قاله القرطبي في المفهم ورواية من مال الصدقة ورواية من عنده لا تنافي بينهما، إذ رواية من إبل الصدقة إنما هي مفسرة للرواية الأخرى ومبينة لها، إذ الكل من عنده، لأن مال الصدقة كان تحت يده -صلى الله عليه وسلم- يفرقه ويصرفه في مصارفه، وتأول من تأول من العلماء أنها كانت من أموال الفيء أو من أموال بيت المال المعد للمصالح العامة لا دليل عليه، ولا مانع يمنع من صرف الزكاة في هذا النوع من المصالح العامة، لأنه من سبيل الله، وتلك من مصارف الصدقات والنبي -صلى الله عليه وسلم- هو المبين عن الله بقوله وفعله ففعله تفسير للمصارف المذكورة في الآية. ومما يدل للصرف من أموال الزكاة في المصالح العامة كما قاله ابن حجر في الفتح ما ورد في حديث أبي لاس قال: «حملنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إبل من إبل الصدقة في الحج» والحديث علقه البخاري في كتاب الزكاة ووصله أحمد وابن خزيمة والحاكم وغيرهم. راجع فتح الباري (3/338 و398 و12/244)، والمفهم بشرح مسلم (5/15)، وإكمال المعلم لعياض (5/457) ونيل الأوطار (7/183-184)، فدل هذا على أنه لا مانع من دفع بعض أموال الزكاة دية لورثة القتيل عمداً إذا عجز القاتل عن دفعها ولم يوجد من يتبرع بدفعها، حقناً للدماء وإعانة لورثة القتيل الذين رزئوا في فقيدهم، فيعطون ما يخفف عنهم ألم فراقه، وتحسم بذلك أسباب الشرور والفتن. وأما القول بأن العاقلة لا تحمل العمد فهذا أمر مسلم، ولكن لم تمنع العاقلة من مساعدة القاتل إذا رغبت في ذلك، وهذا أمر معروف ومقرر عند كثير من الفقهاء، ومن المعلوم أن دية العمد في مال القاتل وهذا إذا كان له مال. ولكن ما الحل إذا كان فقيراً لا مال له وأصبح المال متعلقاً بذمته للآخرين، وهم ورثة المقتول الذين عفوا إلى الدية؟ والذي أراه أنه يجوز أن يعطى من مال الزكاة لعدم المانع الشرعي، وأما القول بأن إعطاء القاتل عمداً من مال الزكاة مع أنه فقير معدم أن ذلك يعتبر اغتيالاً لحق الفقير من أجل إعفاء قاتل عمداً من القصاص، فأقول إن هذا ليس اغتيالاً لحق الفقراء، بل هو إعطاء لصاحب حق، لأنه أصبح من الغارمين، والغارمون من مصارف الزكاة بنص القرآن، ثم إن إعفاءه من القصاص حصل من صاحب الحق الذي جعل الله له سلطاناً، وعلى هذا فليس في مساعدته من مال الزكاة أخذ لحق فقير، بل هو من جملة الفقراء المستحقين.