من مفاتيح تدبر القرآن الكريم.. تلاوته وحفظه
باب الريان
01 أغسطس 2012 , 12:00ص
سعيد محمد عزيز الجناحي •
سبق أن ذكرت لكم أيها القراء الكرام مفتاحين من مفاتيح تدبر القرآن الكريم، وهما حب القرآن، واستحضار أهداف قراءته وهي خمسة أهداف (العلم، والعمل، والمناجاة، والثواب، والشفاء)، وننتقل إلى المفتاح الثالث، وهو مفتاح قراءة القرآن حفظا، فإنه أشد تأثيرا في النفس من قراءته نظرا، فإن القارئ من المصحف يضعف تأثره بالقرآن بإغلاقه بخلاف الحافظ الذي يردده، ويستحضره في مواقف حياته، فإنه يعيش بالقرآن ويتعظ به أيما اتعاظ، وإنما يتحقق ذلك إذا انتقل حفظ القرآن من حفظ الألفاظ إلى حفظ المعاني مع الألفاظ، وتربية النفس على معانيه العظيمة، ومواعظه المؤثرة، فحافظ القرآن كمسافر زاده التمر يأكله متى شاء، وغير الحافظ كمسافر زاده الدقيق يحتاج لعجن وخبز، وحافظ القرآن قد اختلط القرآن بلحمه ودمه، فأثر فيه أيما تأثير. ولأقرّب لكم أحبتي القراء هذا المعنى فلا بد من ذكر مثال يتضح به المقال، فحافظ القرآن لفظا ومعنى إذا ذكر له نعيم الدنيا وفرح أهلها بها يستحضر مباشرة قوله تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}، وإذا ذكر له علو الكفرة واستعلاءهم تذكر قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد*متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}، وحافظ القرآن إذا كان في عمله ففتر عنه تذكر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فعلت همته وأتقن عمله وخشي من غضب ربه، وهكذا يتنقل في بساتين القرآن، يقطف من ثمارها ما يناسب المقام، فيكون قرآنا يمشي على وجه الأرض.
ولما لحفظ القرآن من الأهمية والأثر العظيم في نفس حافظه، حث الله حل وعلا عليه فأثنى على الحفاظ قال جل وعلا: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}، وانظر كيف نفّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلو الصدر من آي القرآن فقال: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»، ومن المعلوم أن البيت الخرب مأوى للشياطين، فكذلك القلب الخرب الذي ليس فيه شيء من القرآن، أما القلب العامر بحفظ القرآن فلا يقربه شيطان ولا يتمكن من إيذائه بإذن الله تعالى، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره».
وقال سهل بن عبدالله لأحد طلابه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا؟ قال: واغوثاه لمؤمن لا يحفظ القرآن! فبم يترنم؟ فبم يتنعم؟ فبم يناجي ربه؟
ويقول أبوعبدالله بن بشر القطان: «ما رأيت رجلا أحسن انتزاعا لما أراد من آي القرآن من أبي سهل بن زياد، وكان جارنا، وكان يديم صلاة الليل، وتلاوة القرآن، فلكثرة درسه صار القرآن كأنه بين عينيه ينتزع منه ما شاء من غير تعب».
هذا هو المقصود من كون الحفظ أحد مفاتيح التدبر لأنه متى كانت الآية محفوظة تكن حاضرة، وتنزل على النوازل والمواقف التي تمر بالمسلم في حياته اليومية بسرعة، أما إذا كان القرآن في السطور دون الصدور فكيف لنا أن نطبقه؟