التحكيم في مسائل السياسة الشرعية

alarab
باب الريان 01 أغسطس 2012 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
التحكيم في وقف الحرب: توصلت دول العالم إلى فض المنازعات بالطرق الودية كوسيلة لمنع الحروب فقررت عرض كل نزاع يقوم بين الدول على التحكيم أو القضاء. وحظرت الالتجاء إلى الحرب قبل استنفاد هذه الوسائل العملية وهو ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة. وقد عالج الفقه الإسلامي هذا الجانب فنص على أنه لا يقاتل المسلمون غيرهم إلا بعد أن يدعوهم إلى الله ورسوله. ويبينوا لهم أحكام الإسلام وشرائعه. وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: والقسم الثاني من أحكام هذه الإمارة في تدبير الحرب والمشركون في دار الحرب صنفان: الصنف الثاني: لم تبلغهم دعوة الإسلام. فيحرم علينا الإقدام على قتالهم غرة وبيانا أو أن نبدأهم بالقتل قبل إظهار دعوى الإسلام وإعلامهم من معجزات النبوة وإظهار الحجة بما يقودهم إلى الإجابة مستدلا بقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). وإذا عرضوا الصلح أو التحكيم أجيبوا إليه. وقال أبو يوسف: إذا حاصر المسلمون حصنا لأهل الحرب فصالحوهم على أن ينزلوا على حكم سموه فحكم فقد يكون الحكم بالقتل أو بوضع الجزية أو بغير ذلك فكل جائز. وكان أول تحكيم في الإسلام هو التحكيم الذي جرى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية بني قريظة، فقد حاصرهم إلى أن نزلوا على أن يحكم بينهم سعد بن معاذ. وكان جريحا من سهم أصابه يوم الخندق. وكان في خيمة رفيدة، فأتاه قومه فحملوه على حماره ثم قالوا: إن رسول الله قد ولاك الحكم في بني قريظة وهم حلفاؤك. فقال: لقد آن لسعد ألا يخاف في الله لومة لائم. فخرج ومن كان معه ممن سمع مقالته على دار قومه يبغي رجال بني قريظة، فلما وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالة ذلك المكان قال: عليكم العهد والميثاق: إن الحكم فيهم ما حكمت فيهم أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات). ومن المسائل التي تناولها الفقهاء في هذا الجانب لو نزل العدو على حكم رجل ثم تبين بعد الحكم أنه لم يكن مستجمعا لشروط الحكم. ينظر الإمام في حكمه فما كان صوابا أمضاه وما كان غير صواب رده وتولى الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة. وهناك رأي آخر في مثل هذه المسألة أنه لا يعمل بهذا الحكم ويبقون على ما كانوا عليه قبل الحكم فإن كانوا في حصن ونزلوا منه ردوا إليه. التحكيم في المسائل الدستورية ذكر الماوردي في معرض الاستدلال على جواز التحكيم ما قام به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قبول للتحكيم في موضوع الإمامة. وكذلك تحكيم أهل الشورى عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في اختيار الخليفة من بين أهل الشورى الذين اختارهم عمر رضي الله عنه قبل موته. والتحكيم في المسألة الأولى مشهور في كتب السير والتاريخ وتغني تلك الشهرة عن ذكرها. أما تحكيم أهل الشورى عبدالرحمن بن عوف فقد أخرجه في كنز العمال من حديث عمرو بن ميمون وغيره. وأورد الخبر بطوله ابن سعد في الطبقات عند الكلام على ترجمة عمر رضي الله عنه وخبر مقتله واستخلافه عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن وسعدا قال: فلما اجتمعوا قال عبدالرحمن: اجعلوا أمركم على ثلاثة نفر منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبدالرحمن فأتمروا أي الثلاثة- حين جعل الأمر إليه فقال: عبدالرحمن: أيكم يبرأ من الأمر ويجعل الأمر إلى علي ألا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين فسكت الشيخان علي وعثمان. فقال عبدالرحمن: تجعلانه إلي وأنا أخرج منها فوالله لا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين: قالوا نعم لآخر القصة. ومن هنا نرى أن مجال التحكيم واسع في الفقه الإسلامي فهو يتسع لكل المسائل والوقائع سواء ما كان متعلقا منها بفروع القانون الداخلي أو الدولي، وبعبارة أخرى بأحكام السياسة الشرعية أو فروع الفقه الأخرى إلا ما اتفق على عدم خضوعه للتحكيم إما بنص شرعي أو بنص قانوني يضعه ولي الأمر من باب المصلحة العامة. والراجح أن التحكيم جائز في مسائل الأحوال الشخصية والقضايا المالية والتجارية ومسائل الحدود والقصاص وغيرها. وذلك لعدة أسباب ومرجحات: 1 - أن القرآن حث على بعث الحكمين في حال الشقاق بين الزوجين وهو تحكيم في أدق المسائل وأكثرها خصوصية ورغبة في سرعة إنهائها على الوجه الذي يراه الحكمان. 2 - وإن التحكيم في الحدود إذا لم يرفع لولي الأمر أو من ينيبه فإنه جائز، لأن أطراف القضية قد لا يرغبون في نشرها وإظهارها فإذا حكموا شخصا منهم لحل الإشكال بطريقة تحفظ الحقوق وتصون الأعراض فليس هناك ما يمنع شرعا. قبل أن يرفع الأمر إلى الجهات القضائية المختصة لأنه يلزم دينا أن يرفع أفراد الناس أمر الحدود إلى ولي الأمر إلا من كان مكلفا بذلك، وما عداه المستجيب في حقه الستر وعدم نشر الفاحشة وإساءة سمعة الآخرين. 3 - والتحكيم في الأمور التجارية يلجأ إليه أصحاب الأعمال والشركات من أجل سرعة الفصل في النزاع. أو لعدم الثقة في قانون البلد الذي أجري العقد فيه، ويكون اللجوء إلى محاكمه عند النزاع أو لاعتبارات تجارية من حيث السمعة وغير ذلك. قواعد التحكيم في التشريعات الوضعية بيَّنا فيما سبق القواعد المهمة المتعلقة في التحكيم من وجهة نظر الفقه الإسلامي. وتلك القواعد أخذت بها التشريعات والنظم القانونية الحديثة. لما كانت هذه النظم لا خلاف بينها سيما في المسائل الجوهرية فاكتفي بعرض أهم هذه الأحكام العامة مستشهدا ببعض نصوص القانون القطري. وقد وردت تلك القواعد في قانون المرافعات في الباب الثالث عشر وهو في التحكيم من المادة (190-210). الاتفاق على التحكيم لا يعرض النزاع على المحكمين إلا باتفاق ذوي الشأن وهذا الاتفاق قد يكون منصوصا عليه في العقد 190 مرافعات أو في وثيقة تحكيم خاصة. شروط التحكيم وأهم هذه الشروط: أ- توفر الأهلية (190 مرافعات) وعلى هذا فإنه لا يجوز للمحجوز عليه أو القاصر أو المحروم من حقوقه المدنية أن يقوم بإبرام عقد التحكيم. ب- أن يصلح الحق المتنازع عليه كمحل للتحكيم. ويكون المحل صالحا للتحكيم إذا كان مما لا تجوز المصالحة عليه كأن يكون متعلقا بالحالة الشخصية أو بالنظام العام. فمثلا لا يجوز التحكيم على حق الزوج في الطلاق: جـ- تحديد محل النزاع ويترتب على الاتفاق على التحكيم أنه لا يجوز عرض النزاع على القضاء. فإذا رفعت أمام القضاء كان للمدعي عليه الحق في الدفع بعدم القبول. 3 - يجوز أن يكون المحكم واحداً، ويمكن أن يكونوا متعددين. وفي الحالة الأخيرة يجب أن يكون عددهم وتراً ويترتب على عدم مراعاة ذلك بطلان التحكيم. 4 - رد المحكمة وتنحيته وعزله لأنه في حكم القاضي. 5 - حكم المحكمين يصدر بأكثرية الآراء إذا كانوا متعددين. 6 - حكم المحكمين يجوز استئنافه طبقا للقواعد المقررة لاستئناف الأحكام. هذه القواعد التي تنص عليها القوانين الوضعية في التحكيم وهي تتفق في مجملها مع الأحكام الواردة في الفقه الإسلامي. أو لا تتعارض معها.