الناس يوم القيامة صنفان: سعداء وأشقياء فالسعداء هم أهل الجنة

alarab
باب الريان 01 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. سورة الانشقاق بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)}. مقاصد السورة: السورة مكية باتفاق، وقد اشتملت السورة على ما تشتمل عليه السور المكية من الأصول العقدية والأخلاقية ومنها: التنبيه على أشراط الساعة وما يجري في الكون قبلها، وحلول يوم البعث والحساب، واختلاف أحوال الناس في ذلك بين أهل الجنة ونعيمها، وأهل النار وشقائها، كما تضمنت القسم بالليل وما وسق، وما عطف عليها بتغيير الأحوال. والتنبيه على الكفار بضرورة الإيمان والإذعان إلى القرآن، والامتناع عن تكذيبه، فإن المكذبين تنزل عليهم عقوبة الله ومقته، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون. تفسير السورة: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}: بدأت السورة بنحو ما بدأت به سورة التكوير وسورة الانفطار، بمقدمة الجملة الشرطية المبدوءة بـ (إذا)، وهي ظرف لما يستقبل من الزمان، ولكن الجملة الشرطية وما عطف عليها ختمت بالجملة الجوابية الواضحة في التكوير: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير:14]. وفي الانفطار: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار:5]. بخلاف الجملة هنا. ومعنى (انشقت): أي انصدعت وتفطرت، فانشقاق السماء هو تفطرها لهول يوم القيامة، كما قال تعالى: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة:16]. قالوا: هي تنفطر بالغمام، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25]. فحين يريد الله لهذا العالم الذي نعيشه أن ينخرب، وتتفكك أجزاؤه، ويختل نظامه، وينهد بنيانه، فلا بد أن يكون ذلك بحادثة من الحوادث الكبيرة، تحدث في سير العالم، كأن يمر نجم في مسيرته بالقرب من نجم آخر، فيتجاذبا فيتصادما، فيضطرب النظام الشمسي كله، ويقع من ذلك غمام وأي غمام! يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، ويكون هذا إيذانا من الله تعالى بانحلال نظام الكون على النحو الذي يريده، وتتكور الشمس، وتنفطر السماء، وتنكدر النجوم، وتتغير الأمور. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي: استمعت لربها، وأطاعت أمره فيما أمرها به أمرا كونيا، من الانشقاق. (وحقت) أي: وحق لها أن تطيع أمره، لأنه العظيم الذي لا يُمانع ولا يُطالب، بل قد ظهر على كل شيء، وذل له كل شيء، فأذنت: معناها استمعت واستجابت، كما في الحديث الصحيح: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» كما في البخاري عن أبي هريرة، ومنه قول قَعْنَب: صُمّ إذَا سَمِعُوا خَيراً ذُكِرْتُ بِه وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهُمْ أذِنُوا وهنا يكون المعنى: وأذنت لربها، أي: استمعت وانقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى، حين تعلقت إرادته بانشقاقها، انقياد المأمور المطواع، إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، والتعرض لعنوان الربوبية (ربها)، مع الإضافة إليها، للإشعار بعلية الحكم. وهذه الجملة ونظيرتها الآتية، بمنزلة قوله تعالى في ذكر بدء الخليقة حين قال للأرض والسماء: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت:11]. وقيل: (وحقت) أي: وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد، من قولهم: هو محقوق بكذا، وحقيق به. والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك. عن ابن عباس وابن جبير: وحُقّ لها أن تسمع وتطيع. قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد: وحق لها أن تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى. {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ}: أي: بسطت وفرشت ووسعت، بإزالة جبالها وآكامها من مقارها، وتسويتها بحيث صارت { فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا*لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 106، 107]. أو زيدت سعة وبسطة. من مَدَّه بمعنى: أمده، أي زاده. وفي الحديث الذي رواه الحاكم بسند جيد عن جابر مرفوعا: «تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم، ثم لا يكون لابن آدم فيها إلا موضع قدميه» (الأديم): الجلد. قال الإمام الرازي: «واعلم أنه لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها، لأن خلق الأولين والآخرين لمّا كانوا واقفين يوم القيامة على ظهرها، فلا بد من الزيادة في طولها وعرضها». {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت منهم، أي لم تمسك منهم بشيء، وقيل: ألقت ما استودعت، وتخلت مما استحفظت، لأن الله تعالى استودعها عباده أحياء وأمواتا، واستحفظها بلاده مزارع وأقواتا. وهو كقول الله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة:2]، وقوله: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} [الانفطار:4]، وقوله سبحانه: {إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} [العاديات:9] وكقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات:25،26]. فمعنى {وَتَخَلَّتْ}، أي: وخلتْ غاية الخلوّ، حتى لم يبق في باطنها شيء، كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو، كما يقال: تكرم الكريم، وترحم الرحيم. إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة، وتكلفا فوق ما في طبعهما. قال الرازي رحمه الله: واعلم أن التحقيق أن الله تعالى هو الذي أخرج تلك الأشياء من بطن الأرض إلى ظهرها، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} كررها تأكيدا لمعناها في الإلقاء والتخلي، وهي حقيقة بذلك. وزعم الرازي: أن الآية الأولى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، في السماء، وهذه الآية في الأرض، وإذا اختلف وجه الكلام لم يكن تكرارا. - أين جواب {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} وما عطف عليها؟ الجواب معلوم، عُرف من السور السابقة في التكوير والانفطار وغيرها. والتقدير: علمت نفس ما أحضرت، وعلمت ما قدمت وأخرت، وانكشف لها يوم القيامة من أهوال، وما يجري فيه من وقوف وانتظار، وحساب وسؤال، حيث تنشر الدواوين، وتحكم الموازين، ويسأل الناس عما كانوا يعملون، ويجزون بما قدموا، ويعفو الله عمن يشاء، ويُشَفّع من أنبيائه وملائكته والمؤمنين فيمن يشاء من عباده من غير المشركين، وينتهي الجميع إلى جنة أو نار. وقال في الكشاف: حذف جواب (إذا) ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أدخل في التهويل. {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} هذا هو النداء الثاني للإنسان بوصفه إنسانا في القرآن العزيز، كان النداء الأول في سورة الانفطار: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}[الانفطار:6-7]. وهذا هو النداء الثاني للإنسان بهذه الصيغة، أي: للجنس. أما النداء للإنسان جميعا، فيأتي في قوله تعالى {يا أيها الناس}، وقد ورد في القرآن، وهو نداء إلى بني الإنسان عامة، بحيث يشمل المؤمنين وغير المؤمنين، ولهذا جاء في القرآن المكي والمدني، فالمراد جنس الناس، كما يقال: (يا أيها الرجل)، وكأنه خطاب خُصّ به كل واحد من الناس، وهو أبلغ من العموم، لأنه قائم مقام التخصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين، بخلاف اللفظ العام، فإنه لا يكون كذلك. و(الكدح): جهد النفس في العمل والكد، بحيث يؤثر فيها، من قولهم: (كدح جلده) إذا خدشه. والمعنى: يا أيها الإنسان من أي بلد كنت، وبأي لسان تكلمت، جاهدْ واعمل بسرعة، فإنك ساع إلى ربك سعيا، وعامل له عملا، فملاقيه. قال الإمام الرازي: (إنك كادح إلى لقاء ربك وهو الموت، أي: هذا الكدح يستمر ويبقى إلى هذا الزمان، وأقول في هذا التفسير نكتة لطيفة، وذلك لأنها تقتضي أن الإنسان لا ينفك في هذه الحياة الدنيوية من أولها إلى آخرها عن الكدح والمشقة والتعب، ولما كانت كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، فهي تدل على وجوب انتهاء الكدح والمشقة بانتهاء هذه الحياة، وأن يكون الحاصل بعد هذه الدنيا محض السعادة والرحمة، وذلك معقول، فإن نسبة الآخرة إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى رحم الأم، فكما صح أن يقال: يا أيها الجنين إنك كادح إلى أن تنفصل من الرحم، فكان ما بعد الانفصال عن الرحم بالنسبة إلى ما قبله خالصا عن الكدح والظلمة، فنرجو من فضل الله أن تكون الحال فيما بعد الموت كذلك. وثانيهما: قال القفال: التقدير إنك كادح في دنياك كدحا تصير به إلى ربك. فبهذا التأويل حسن استعمال حرف (إلى) هاهنا. وثالثها: يحتمل أن يكون دخول (إلى) على معنى أن الكدح هو السعي، فكأنه قال: ساع بعملك إلى ربك). والضمير في (ملاقيه) يحتمل لقاء العمل ذاته، فكل إنسان سيلقى عمله، ويرى عمله، خيرا كان أم شرا، طاعة أو معصية، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:30]. ويقول تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7-8]. ويقول: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]. قال ابن كثير: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي، بسنده عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه». ويحتمل الضمير: أن يعود إلى قوله: {رَبِّك} أي: اعمل أيها الإنسان واكدح إلى ربك فإنك ستلقى ربك لا محالة، فيجازيك على عملك، ويكافئك على سعيك، فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا. وعلى هذا فكلا القولين متلازم. قال العوفي، عن ابن عباس في تفسير الآية؛ يقول: تعمل عملا تلقى الله به، خيراً كان أو شرًّا. وقال قتادة في تفسيرها: إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله! ثم قال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا}. الناس في يوم القيامة صنفان: سعداء وأشقياء، فالسعداء هم أهل الجنة. وأول بوادر سعادتهم: أنهم يؤتون كتابهم بأيمانهم. كل إنسان له كتاب، كما قال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:13-14]. وثاني بشائره: أن يحاسب حسابا سهلا عليه، بلا تعسير ولا تضييق. بحيث لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك يهلك لا محالة. روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب». قالت: فقلت: أليس قال الله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}؟، قال: «ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب». وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير، من حديث أيوب السختياني به. وروى أحمد بسنده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا». فلما انصرف قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك». قال ابن كثير: صحيح على شرط مسلم. وثالث بشائره: {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} أي: ويرجع إلى أهله وأسرته في الجنة، أو أهله من إخوانه المؤمنين، فرحا مغتبطا مما أعطاه الله من فضله. فالمرء حريص على أن يسر أهله بنجاحه وفوزه، وأن يرى فرحهم بذلك، فهذا مما يسره ويشرح صدره، بل يجب أن يعرف الناس بذلك. وفي سورة الحاقة: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} [الحاقة:19-22]. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)} بعد أن ذكر أهل السعادة، ثنى بأهل الشقاوة، فالأولون أخذوا كتابهم بأيمانهم، وحوسبوا حسابا يسيرا، وهؤلاء الأشقياء على عكسهم، أخذوا كتابهم من وراء ظهورهم، وقد بينت آيات أخرى أنهم أخذوا بشمائلهم، كما في سورة الحاقة، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة:25-29]. فكل واحد من هؤلاء الأشقياء يؤتى كتابه بشماله، من وراء ظهره، فاكتفى هنا بإبداء صورته من وراء الظهر، وفي سورة الحاقة أظهر أخذه بالشمال وكلاهما واقع. {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} أنه يتمنى الثبور، وهو الهلاك، بل يدعو به، يقول: يا ثبوراه، يا هلاكاه، يقال: فإنه أوانُكَ وأنَّى له ذلكَ. أول مصائبه: أن يأخذ كتابه من وراء ظهره. وثاني مصائبه: أن يدعو على نفسه بالثبور والهلاك. وثالث بلاويه: أن يصْلَى ويدخل النار المستعرة: {وَيَصْلَى سَعِيرًا}، والسعير: اسم من أسماء النار، وقرئ: (وَيُصَلَّى) كقوله تعالى: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة:94]، وقرئ: (ويُصْلَى) كما في قوله تعالى {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء:115]. {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا}: أي: كان في الدنيا بين عشيرته وأهله وأقاربه مسرورا مترفا بطرا مستبشرا، كديدن الفجار، الذين لا يهمهم ولا يخطر ببالهم أمور الآخرة، ولا يفكرون في العواقب، ولم يكن حزينا متفكرا في حاله ومآله، كسنة الصلحاء المتقين. والإسلام لا يذم السرور ولا الفرح في الدنيا، ولكنه يذم فرح البطر والغرور، كما قال قوم قارون له: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76]. ومدح الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58]، وقال: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:4-5]. قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في الدنيا فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله تعالى: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور:26-27]. قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا، والضحك فيها والتفكه. فقال: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً}. وقال الإمام الرازي معقبا على الحساب اليسير: و(سوف) من الله واجب، وهو كقول القائل: اتبعني فسوف تجد خيراً، فإنه لا يريد به الشك، وإنما يريد ترقيق الكلام. والحساب اليسير هو أن تعرض عليه أعماله، ويعرف أن الطاعة منها هذه، والمعصية هذه، ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز عن المعصية، فهذا هو الحساب اليسير؛ لأنه لا شدة على صاحبه ولا مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه ولا بالحجة عليه. فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذراً ولا حجة فيفتضح، ثم إنه عند هذا الحساب اليسير يرجع إلى أهله مسروراً، فائزاً بالثواب، آمناً من العذاب. وقال الرازي أيضا معقبا على قوله: {إِنَّه كَانَ فِي أَهْلِه مَسْرُورًا} أن القفَّال ذكر فيه وجهين: أحدهما: أنه كان في أهله مسروراً أي: منعماً مستريحاً من التعب، بأداء العبادات، واحتمال مشقة الفرائض، من الصلاة والصوم والجهاد، مقدماً على المعاصي، آمناً من الحساب والثواب والعقاب، لا يخاف الله ولا يرجوه، فأبدله الله بذلك السرور الفاني غماً باقياً لا ينقطع، وكان المؤمن الذي أوتي كتابه بيمينه متقياً من المعاصي، غير آمن من العذاب، ولم يكن في دنياه مسروراً في أهله، فجعله الله في الآخرة مسروراً، فأبدله الله تعالى بالغم الفاني سروراً دائماً لا ينفد. الثاني: أن قوله: {إِنَّه كَانَ فِي أَهْلِه مَسْرُورًا} كقوله: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين:31] أي: متنعمين في الدنيا، معجبين بما هو عليه من الكفر، فكذلك ههنا يحتمل أن يكون المعنى أنه كان في أهله مسروراً بما هم عليه من الكفر بالله والتكذيب بالبعث، يضحك ممن آمن به وصدق بالحساب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». {إِنَّه ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} يعلل الله تعالى سروره في الدنيا: إنه ظن أن لن يرجع بعد الموت، تكذيبا بالمعاد، كما قال تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق:3]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أم بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ:7-8]. ظن أن لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب، ثم يثاب أو يعاقب. كان فرحاً في دنياه لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير، الحزن الطويل. قال لبيد بن ربيعة: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه.. يحور رمادا بعد ما هو ساطع. وقال ابن عباس: ما كنت أدري: ما يحور؟ حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها: حوري، أي ارجعي إليَّ. فالحور في كلام العرب: الرجوع. ومنه قوله عليه السلام: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور» يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة. {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} بلى، أي: ليس الأمر كما تظن، بل يحور إلينا، ويرجع، معلوما لنا ومكشوفا. يعني: بل سيعيده الله تعالى كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان به بصيراً، أي: عليماً خبيراً، لا يخفى منه علينا خافية. يتبع غداً إن شاء الله...