كتابٌ معجز في كل زمان ومكان

alarab
باب الريان 01 أغسطس 2011 , 12:00ص
د. راسم محمد عبد الكريم
الحمد لله الذي رفع منازل العلماء المؤمنين فقال تعالى: «... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء...»، والقائل: «يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»، والقائل تبارك وتعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ».. والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا إمام الأنبياء والمرسلين وسيد العلماء العاملين الذي علمه الحق تبارك وتعالى، فقال: «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد فإن القرآن الكريم كلام رب العالمين هو كتاب معجز في كل مواضيعه وأساليبه وفي كل زمان ومكان، وهذه حقيقة قد أثبتها أجلاء العلماء الذين درسوا هذا الكتاب الكريم بإسهاب وعمق وفي مختلف الاختصاصات سواء منها اللغوية أو الاجتماعية أو التاريخية أو التشريعية أو العلمية. فأول ما نزل القرآن على قومٍ كانوا أئمة في بلاغة اللغة العربية فانبهروا بهذا الإعجاز اللغوي البلاغي المعجز؛ بل وتحداهم الباري عز وجل أن يأتوا بسورة من مثله، فقال تعالى: «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»، فعجزوا عن ذلك، وقال أحدهم، وهو الوليد بن المغيرة المشرك (في القرآن الكريم): «والله إن لقوله حلاوةً وإن أصله لنعق وإن فرعه لجنى»، وقال فيه عتبة بن ربيعة المشرك الآخر: «إني سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانات». وانقلبوا أذلاء خاسئين مندهشين من هذا الكلام الرباني الذي حوى كل معنى فصيح دقيق مجمل حق سهل ممتع. وفي عصرنا هذا -عصر العلم والتقدم العلمي السريع الهائل- ثبت أن القرآن الكريم كلام رب العالمين سبّاق في الإشارة إلى علوم لم تعرف إلا بعد أربعة عشر قرناً من نزول هذا الكتاب الكريم على إمام الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمي (صلى الله عليه وسلم). والحق أن القرآن الكريم كتاب هداية ربانية للمتقين، قال تعالى: «الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ»، وليس كتاباً يستعرض النظريات والاكتشافات العلمية، وإنما أشار الباري سبحانه وتعالى إلى حقائق علمية وكونية وطبية وتاريخية وكثيرٍ غيرها في معرض خطابة الناس لهدايتهم إلى الإيمان بالله تعالى. وقد وعد الله تعالى في هذا الكتاب الكريم بأنه تعالى سيُري الناس هذه الآيات والمعجزات العلمية ليبين لهم أنه الحق منه تعالى، فيكون واسطة لهدايتهم، فقال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ». الغرض من هذه المقالات أن تكون واسطة لدعوة الناس للإيمان بالله تعالى، واتباع سبل الرشاد وإطاعة الله تعالى في كل أوامره المبينة في كتابه الكريم. فإذا ما ثبت للناس أن هذا القول هو الحق في أمور علمية لم تكتشف إلا في عصرنا الحاضر، فأحرى بهم أن يؤمنوا بكل الأمور الغيبية التي أخبرنا الله تعالى عنها من إيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأخبار الأمم السابقة؛ لأن مصدر الكلام واحد، وهو الحق تبارك وتعالى، (... قَوْلُهُ الْحَقُّ...). لكن يجب التنبيه على أن هناك ضوابط يجب أن تراعى عند دراسة الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، ومن أهمها: أولاً: أن لا يخالف العالِم في إظهار الإعجاز العلمي القواعد اللغوية الواضحة المقررة في التفاسير والمعجمات اللغوية. ثانياً: أن يستند العالم المفسر في إبراز الإعجاز العلمي من الحقائق الثابتة إلى استنباطها إما من صريح النص أو من إشارات واضحة فيه. ثالثاً: أن يبتعد عن النظريات العلمية التي تخضع للتغيير حتى لا يترتب على هذا الإعجاز نتائج سيئة؛ لأن نصوص القرآن الكريم صحيحة ثابتة، وبعيدة عن التغيرات والتقلبات كل البعد، ولهذا ينبغي أن تكون الآيات الواردة فيه هي القياس الذي تقاس عليه صحة النظرية والعكس غير صحيح. رابعاً: ينبغي على العالم المفسر ألا يتعسف في تحميل الآيات العلمية ما لا يمكن أن تحتمله؛ إذ إن العقل المحايد يستطيع بسهولة أن يكتشف التعسف في التأويل لإبراز الإعجاز العلمي.