يوم الفزع الأكبر والانقلاب الكوني
باب الريان
01 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
من الحقائق التي نزل بها القرآن الكريم عن يوم القيامة، أو أَعلمنا بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، جملة غيبيات نسلم بها، لأنها من عطايا وبركات القرآن والسنة الصحيحة، حقائق أسوقها تقريبًا للصورة الذهنية لقارئي الكريم..
أولا:
ستبدل الأرض غير الأرض والسماوات، لقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (إبراهيم:48) وتُبدل بها أرض كالفضة البيضاء نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا، قيامًا حتى يلجمهم العرق!
وقد ورد تبديل الكون -أرضه وسمائه وجباله ومعالمه- في سور وآيات كثيرة من القرآن الكريم: يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا*فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا*لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} (طه:102-108).
ويقول تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا*وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} (الطور: 9-10).
وفي سورة التكوير (1-14): {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ*وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ*وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ*وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ*وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ*وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ*وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ*وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ*وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ*وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ*وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ*وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ*عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ}!
قال في التحرير والتنوير: وتبديل الأرض والسماوات يوم القيامة إما بتغيير الأوصاف التي كانت لها وإبطال النظم المعروفة فيها في الحياة الدنيا، وإما بإزالتها، ووجدان أرضٍ وسماوات أخرى في العالم الأخروي.
وحاصل المعنى: استبدال العالم المعهود بعالم جديد!
ثانيًا:
تبعد الشمس عن أرضنا هذه ثلاثة وتسعين مليون ميل، أو نحو مائة وخمسين مليون كيلومتر، ولا تستغرق ذروة أشعتها أكثر من ثماني ساعات يوميًّا على سطح الأرض خلال فصل الصيف. ومع هذا فإن الحرارة لو ارتفعت أكثر من 60 درجة مثلًا فإن الناس لن يطيقوا العيش، وكذا الحيوان والنبات. ولو زادت أكثر فربما انعدمت حيواتُ كائناتٍ كثيرة على ظهرها..
أما في الآخرة فالأمر أشد، إذ ستكون الشمس فوق الرؤوس مباشرة، وستدنو من رؤوسنا بمقدار ميل أرضي، وهو الذي يساوي بتقديراتنا (1600) متر! أو بمقدار ميل الكحل الذي لا يزيد عن عشرة سنتيمترات بأي حال! ويالهول الأمر!
ورد في مسلم وغيره، عنه صلى الله عليه وسلم: «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل» قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين!
ولعل سائلًا يسأل: كيف ستقترب من الرؤوس بمقدار ميل أرضي -على أبعد التفسيرات- وكيف سيتحملها الناس؟ وكيف لا تحترق جلودهم عندئذٍ، وتتبخر أجسادهم؟
والجواب المباشر أنها ستكون مؤهلة لذلك، وسيقف الإنسان هذا الموقف دون ماء، ولا طعام، ولا ظل، ولا أي شيء مما يُرتفق به، مدة خمسين ألف سنة!
قال العلامة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله:
«إن وظيفة المؤمن فيما ورد من أخبار الغيب: القبول والتسليم، وألا يسأل عنها بكيف ولم، وهذه قاعدة يجب أن تبنى عليها عقيدتنا؛ لأن هذا أمر فوق ما نتصوره نحن بني آدم، فالواجب علينا أن نقبل ونسلم ونقول: آمنا وصدقنا، آمنا بأن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل، وما زاد على ذلك من الإيرادات فهو من البدع، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن استواء الله تبارك وتعالى على العرش: كيف استوى؟ قال: السؤال عنه بدعة!
هكذا أيضًا كل أمور الغيب: السؤال عنها بدعة، وموقف الإنسان منها القبول والتسليم.
جواب الشق الثاني بالنسبة لدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة، فإننا نقول: إن الأجسام تبعث يوم القيامة، لا على الصفة التي عليها في الدنيا من النقص وعدم التحمل، بل تبعث بعثًا كاملًا تامًّا، ولهذا يقف الناس يوم القيامة يومًا مقداره خمسون ألف سنة، لا يأكلون ولا يشربون، وهذا أمر لا يحتمل في الدنيا، فتدنو الشمس منهم، وأجسامهم قد أعطيت من القوة ما يتحمل دنوها، ومن ذلك ما ذكرناه من الوقوف خمسين ألف سنة لا يحتاج البشر فيها إلى طعام ولا شراب، فالأجسام يوم القيامة لها شأن آخر غير شأنها في هذه الدنيا». من مجموع فتاوى ابن عثيمين 2/35.
ثالثًا:
ورد في السنة الصحيحة أن الناس يعرقون في الموقف، ويتخلل عرقهم الأرض، كما يعلوها، حتى يقف الخلائق فيه بمقادير متفاوتة، حسب ذنوبهم: روى أبوهريرة رضي الله عنه -كما في البخاري- عنه صلى الله عليه وسلم: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم إلى الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم».
وفي مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: «..فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق: فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا». قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه.
رابعًا:
مقاييس الزمان والمكان والأشياء لن تكون كحالها في الدنيا.. فاليوم ليس كأيامنا -أربع وعشرين ساعة- بل سيكون أطول أيام الآخرة.
وقد ورد في السنة الصحيحة أن القيام بين يدي رب العالمين سيطول في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من أيام الدنيا: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (غافر:16)!
ففي مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوَى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» الحديث.
وفي المسند بإسناد عنه صلى الله عليه وسلم صححه شاكر: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} في الرشح إلى أنصاف آذانهم!
خامسًا:
ومع طول هذا اليوم فإنه سيكون على المؤمنين المرحومين قصيرًا سهلًا، فقد روى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: «يوم القيامة كقدر ما بين الظهر والعصر».
وفي صحيح الترغيب ولوائح الأنوار السنية للسفاريني وغيرهما بإسناد صحيح: «{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب» أي نحو نصف ساعة من ساعات الدنيا!
اللهم اجعلنا من هؤلاء، وممن لا يحزنهم الفزع الأكبر، يا منان يا رحمن.. آمين.