القرآن أعظم ينابيع الإسلام الصافية ومصادره المنقَّاة

alarab
باب الريان 01 أغسطس 2011 , 12:00ص
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات، وبفضله تَتَنَزَّل الخيرات والبركات، وبتوفيقه تَتَحقَّق المقاصد والغايات، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، وأزكى صَلَواتِ الله وتسليماتِهِ على مُعلِّم النَّاس الخير، وهادي البشريَّة إلى الرُّشد، رحمة الله للعالمين، ونعمتِهِ على المؤمنين، وحُجَّته على الناس أجمعين، سيِّدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه، واتَّبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون، ورضي الله عمَّن دعى بدعوته، واهتدى بسنَّته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين. (وبعد) فكتابُ الله عزَّ وجلَّ هو النُّور الهادي، وهو البلسم الشَّافي، هو الذي يهدي للتي هي أقوم، مَنْ قال به صَدَق، ومَن علمَ علمَه سبق، ومَن عمل به أُجر، ومَن حكم به عَدَل، ومَن دَعَا إليه هُديَ إلى صراطٍ مستقيم، فيه نبأُ ما قبلنا، وخبرُ ما بعدَنا، وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، مَن تركه من جبَّار قصمه الله، ومَن ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله. هو المرجع الأول والأساسي للإسلام: تشريعاً وتوجيهاً ودعوةً وتربيةً وتعليماً، فلا عجب أن نحيا مع القرآن العظيم، نقتبس من سَنَاه، ونهتدي بهُداه، وصدق الله العظيم إذ يقول: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15، 16]. هو أفضل ما يعيش الإنسانُ في ظلِّه وفي رحابه، ليتفقَّه في دين الله، ويفهم عن الله عزَّ وجلَّ، ماذا يريده منه، وماذا يحبُّه ويرضاه؟ مَن أراد أن يعرف الإسلام، ويفهم الإسلام فليعرفه من مصادره المنقَّاة، ومن ينابيعه الصافية، وأعظم ينبوع في الإسلام: هو القرآن. السُّنة يُحتجُّ على أنها مصدرٌ بالقرآن، الإجماع احتجُّوا عليه بالقرآن، القياس احتجُّوا عليه بالقرآن، كلُّ المصادر تستمدُّ حُجِّيتها من القرآن الكريم، فلهذا كان التوجُّه إلى القرآن، نستقي منه، ونهتدي بهُداه، ونقتبسُ من سَنَاه، كان هو واجب العلماء والمعلِّمين والفقهاء والدعاة جميعاً. لقد اخترنا سورةً نعيشُ في رحابها -هي سورة (إبراهيم)- نُفسِّرها تفسيراً تحليلياً، كما يقول علماء التَّفسير. تقسيم علم التفسير إلى قسمين: قسَّم العلماءُ التفسيرَ أو (فنَّ التفسير) إلى قسمين: النوع الأول: التفسير الموضوعي: قسم سمَّوه (التفسير الموضوعي)، ومعناه: أن نبحث عن موضوع مُعيَّن في القرآن الكريم كلِّه، نبحث مثلاً عن (المال في القرآن)، في كلِّ سور القرآن مكِّيِّه ومدنيِّه، نبحث عن المال، وموقف القرآن من المال، هل يكره المال؟ أو يحبُّ المال؟ هل يحثُّ على كسبه؟ وبأيِّ طريقة يُكتسب؟ وهل يحثُّ على تنميته؟ وبأيِّ طريق يُنمَّى؟ عن توزيعه، عن إنفاقه... إلى آخره. نبحث مثلاً عن (الإنسان في القرآن)، و(المرأة في القرآن)، و(الأسرة في القرآن)، و(الأخوّة في القرآن)، و(الأبوَّة في القرآن)، و(البُنوَّة في القرآن)، مئات المواضيع، وربما آلاف المواضيع في القرآن. هذا نوعٌ من التفسير يبحث عن مفهوم مُعيَّن ويخدمه بتتبُّع آيات القرآن الكريم. وقد أصدرتُ كتابين في التفسير الموضوعي، كتاباً في القديم اسمه: (الصبر في القرآن الكريم)، وكتاباً آخر اسمه: (العقل والعلم في القرآن). وهناك علماء أصدروا كتباً منهم الشيخ محمود شلتوت رحمه الله، أصدر كتاباً مُوَجزاً سمَّاه: (القتال في القرآن الكريم)، والعلاَّمة الشيخ محمد عبد الله دراز أصدر كتاب (دستور الأخلاق في القرآن الكريم)، والأستاذ العقَّاد أصدر كتاباً سمَّاه: (الإنسان في القرآن الكريم)، و(المرأة في القرآن الكريم)، وما زال الناس يصدرون في التفسير الموضوعي كتباً، وأحياناً يقدِّمون أُطروحات للماجستير وللدكتوراه، تتناول موضوعاً من موضوعات القرآن، فهذا نوع من التفسير ربما نُعرِّج عليه فيما بعد. النوع الثاني من أقسام التفسير: التفسير التحليلي: و(التفسير التحليلي): هو الذي يَتَتبَّع السورة آيةً آيةً، والآية: كلمةً كلمةً، ويُحلِّل ألفاظها ومعانيها، وما يُستنبط منها. وهذا هو الذي نسير عليه، وقد سِرْنا عليه في (تفسير سورة الرعد) قبل هذا، ونسير عليه بعد سورة الرعد في تفسير سورة إبراهيم. ما أحوجَنا أن نلتقي دائماً على كتاب الله، خصوصاً في هذا العصر الذي يحاول فيه محاولون أن يُحرِّفوا القرآن عن مواضعه، لم يستطيعوا أن يزيدوا في القرآن ولا أن يَنْقُصوا منه، لأنَّ القرآن كتابٌ محفوظ، تولَّى الله حفظَهُ بنفسه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41]. ولذلك هو مكتوب في المصاحف، محفوظٌ في الصُّدور، مَتْلوٌّ بالألسنة، يحفظه عَشَرات الألوف، ومئات الألوف من أبناء المسلمين وبنات المسلمين، ولكن إذا لم يستطع المغرضون أن يزيدوا عليه أو ينقصوا منه؛ يستطيعون أن يُضلِّلوا الناس بقراءات سمَّوها (قراءات جديدة للقرآن)، هذه القراءات الجديدة تخرج علينا بإسلامٍ جديد، وبدينٍ جديد، لم يعرفه الصَّحابة رضي الله عنهم، ولا التابعون لهم بإحسان، ولا أتباع التابعين، ولا الأئمةُ الراسخون في القرون الأولى، جاؤوا بإسلام جديد نتيجة هذه التفسيرات أو هذه القراءات. كلٌّ منهم يقرأ القرآن وَفْق فلسفته، وَفْق فكره، وَفْق ثقافته، وَفْق هواه، أو هوى الذين يتَّبعونهم بغير علم. هناك مَنْ يفسِّر القرآن تفسيراً ماركسيّاً، هناك مَن يفسِّر القرآن تفسيراً ليبراليّاً، هناك مَن يفسِّر القرآن تفسيراً أميركانيّاً، هناك مَن يفسِّر القرآن تفسيرا روسيّاً. هناك قراءات مختلفة للقرآن الكريم لا تسير على منهج، وإنما تسير على أهواء أصحابها حتى إنَّ مؤتمراً عُقِدَ منذ أكثر من شهر في باريس للنِّسْوية الإسلامية، هؤلاء النِّسوة اللائي اجْتَمعن يُرِدْنَ تفسيراً جديداً للنصوص، خصوصاً لنصوص القرآن وهم يقولون: إنَّ التفسيراتِ الموجودة للقرآن الكريم كلُّها تفسيراتٌ ذكوريَّة، الرجال هم الذين فسَّروا القرآن، نريد تفسيرات نِسْويَّة. المرأة هي التي تُفسِّر القرآن. وهكذا أصحبنا نجد أناساً يتلاعبون بهذا القرآن، وبالتالي يتلاعبون بهذا الدين، يمكن أن يكون لكلِّ بلد تفسير، ولكلِّ بلد دين، بل لكل مجموعة دين، بل لكلِّ شخص دين، وَفْق قراءته للقرآن، ولذلك كان على أهل العلم وأهل الفكر الذين يملكون مؤهلات التفسير، أن يقوموا بتفسير القرآن، ليس تبعاً للهوى، وليس مجرَّد رأي مطلق. القواعد الحاكمة للتفسير: هناك قواعد حاكمة للتفسير: 1. تفسير القرآن بالقرآن: أول هذه القواعد: أن نُفسِّر القرآن بالقرآن، التفسير القرآني للقرآن، والقرآن يُفسِّر بعضُه بعضاً، ويُصدِّق بعضه بعضاً: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} [النساء:82]. ما أُجْمِل في مَوْضع يُفَصَّل في مَوْضع آخر، وما أُبْهِم في مكان يُفَسَّر في مكان آخر، وما عُمِّمَ في سورةٍ يُخَصَّص في أخْرى، وما أُطْلِق في ناحيةٍ يُقَيَّد في ناحية أخرى، والقرآنُ لا بدَّ أن يُؤْخَذ بمجموعه، لا تأخذ جملةً منه وتترك النصوص الأخرى، لا بدَّ أن نفسِّر القرآن بالقرآن. 2. تفسير القرآن بصحيح السنة: ثاني هذه القواعد: أن نفسِّر القرآن بما صحَّ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المُكلَّف من الله تعالى ببيان القرآن: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44]، هو المبيِّن بقوله وعمله وتقريره حقائقَ القرآن الكريم. 3. الاهتداء بتفسير السلف: ثم نهتدي بتفسير السَّلف، تفسير الصحابة، تفسير التابعين، تفسير الأئمة، خصوصاً ما أجمعوا عليه، وما لم يجمعوا عليه، لنا أن نختارَ من تفسيرهم، ولنا أن نخالفَهُم أيضاً، ولكن مُتَّبعين اللغةَ العربية، ننظر للنصِّ من خلال سياقه، مستعينين بأسباب النّزول. السلف حينما فسَّروا القرآن لم يُفَسِّروه بأهوائهم، ولذلك لا يُمكننا أن نضرب بهذا التراث التفسيريّ عُرْضَ الحائط، كما قال بعضهم، وهو مهندس: «لا الصحابة، ولا التابعون، ولا المفسِّرون بالرواية أو الدراية، لا يهمُّني هذا كلُّه، أنا أبدأ القرآن من جديد!» كأنه لم تكن هناك أمَّة إسلامية خدمت هذا القرآن طوال القرون، ويبدأ من جديد، ويزعم أنه أعلم من الصحابة، أعلم من ابن عباس، وأعلم من ابن مسعود، وأعلم من أبي بكر وعمر، وأعلم من علي بن أبي طالب، وأعلم من سائر الصحابة، وأعلم من تلاميذ الصحابة ممَّن تبعوهم بإحسان، من أمثال: قتادة، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، وغير هؤلاء جميعاً، هذا هو الخطر التي يتعرَّض له القرآن اليوم. نحن في حاجة إلى أن نَتَدبَّر القرآن، إذا فسَّرنا القرآن نحن نتدبَّره، كما أمرنا الله، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد:24]، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء:82]، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]. وقد اخترنا أن نبدأ بسورة إبراهيم، فقد فسَّرنا قبلَ ذلك في مسجد عمر بن الخطاب منذ سنوات سورة الرعد، ونبدأ بعدها بسورة إبراهيم. بين يدي السورة سورة إبراهيم سورة مكيَّة، وعدد آياتها: اثنان وخمسون آية. هل أسماء السور توقيفي؟ وتسميات السُّور بعضُها توقيفي، وبعضها غير توقيفي، بعض سور القرآن سمَّاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مثل: سورة البقرة، وسورة آل عمران، كما في الحديث: «اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمرآن، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان». ولكن هناك تسميةٌ من الصَّحابة أو من التابعين، والتَّسمية لها أسبابُها، حينما تُسمَّى هذه السورة (سورة إبراهيم)، فهي تسيرُ على النَّهج الذي سُمِّيت به السور ذوات: {الر}. السور ذوات {الر}: أول سورة في {الر}، سورة يونس، لأنها ذُكر فيها نبيُّ الله يونس: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98]. وهناك سورة هود بعدها، لأنه تكرَّر فيها اسم هود عليه السلام، وإن كان فيها عددٌ من الأنبياء، وفيها قصة نوح بتفصيل، ولكنَّ نوحاً عليه السلام ذُكرت له سورةٌ أخرى كلُّها عن نوح، سُمِّيت سورة نوح، وهناك سورة يوسُف، وهذه التسمية واضحة لأنَّ السورة كلَّها تتحدَّث عن قصة يوسف، القصة ذُكرت في موضع واحد من القرآن من أوَّلها إلى آخرها، سورة يوسف عليه السلام، ثم سورة الرعد، وجاءت هذه السورة: سورة إبراهيم، وبعدها سورة الحِجْر، حِجْر ثمود. وسُمِّيت سورة إبراهيم، لأنها ذَكَرت قصَّة إبراهيم وذُرِّيَّته الذين أسكنهم بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المُحرَّم، في مكة المكرمة. التأمُّل في أسماء سور القرآن: مَن يتأمَّل في سور القرآن وتسمياتها، يجد أنها شملت كلَّ شيء، أحياناً سور سُمِّيت بأسماء الأشخاص: الأنبياء، كيونس وهود ويوسف، وغير الأنبياء، مثل: مريم عليها السلام ولقمان. وهناك سور سُمِّيت بأسماء الأقوام، كآل عمرآن وقريش. وأسماء الأماكن، كالحجر والكهف والطور. وأسماء الحيوانات، كالبقرة والفيل. وأسماء الحشرات، كالنمل والنَّحل والعنكبوت. وأسماء الأزمنة، كالفجر والليل والضُّحي. وأسماء الظواهر الطبيعيَّة، كالرعد والنُّور، وغير ذلك من الأسماء. تفسير سورة إبراهيم {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الحروف المقطعة في بعض سور القرآن العظيم: سورة إبراهيم تبدأ بقوله تعالى: {الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }. {الر}: حروف مُقَطََّعة بُدِأت بها أعدادٌ من سُور القرآن الكريم، واختلف المفسِّرون في بيان معناها، وعَلامَ تدلُّ، وذكرنا هذا في تفسير سورة الرعد، ولا نريد أن نعيد ما قلناه هناك. وخلاصة ما رجَّحه المفسِّرون: أنَّ هذه الحروف المُقطَّعة: {المر} {كهيعص} {طسم}... هذه الحروف التي ينطق بها العرب، هي التي جاء بها القرآن، الذي أعجزكم أن تأتوا بحديثٍ مثله أو بعشر سور مثله مُفْتريات أو بسُورة مثله، والقرآنُ مُؤلَّف من هذه الحروف، فكأنَّ هذه الحروف إشارة إلى الإعجاز القرآنيِّ. ما الذي أعجزكم أيها العرب، وأنتم فرسان البلاغة، وأنتم رجال الشعر والأدب والبيان؟ ما الذي أعجزكم أن تأتُوا بمثل هذا القرآن، الذي تَحَدَّاكم محمدٌ أن تأتوا بسورةٍ من مثله؟ لا يمكن إلا أن يكون هذا القرآن من عند الله عزَّ وجلَّ. العلة في انتقاء الحروف المقطَّعة: ولكن يبقى هناك أمر؛ سلَّمنا بأنَّ هذا إشارة إلى الإعجاز القرآنيّ، ولكن لماذا اختار الله سبحانه وتعالى أن تبدأ هذه السورة بـ{الر}، وليس بـ{الم}؟ لماذا اختار لهذه: {حم} وهذه {طس}؟ ففي القرآن سور بدأت بحرف واحد، مثل: {ق}، {ن}، {ص}. وأحياناً بحرفين، مثل: {حم}، {طس}، {طه}، {يس}. وأحياناً ثلاثة حروف: {الر}، {طسم}. وأحياناً أربعة حروف: {المر}، {المص}. وأحياناً خمسة حروف: {حم عسق}، {كهيعص}. فلماذا يختار لهذه السُّورة ثلاثةَ أحرف: {الر}، ولم يَخْتَر لها مثلاً {طسم}؟ يظلُّ هنا أمر نقول فيه: الله أعلم بمراده، مهما حاولنا أن نذكر الحكمة، لا نستطيع أن نفسِّر تخصيص سورة بحرف أو حرفين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة. {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أي: هذا كتابٌ أنزلناه إليك يا رسول الله، هذا القرآن الذي تتلوه على الناس لتُُبَيِّنَه لهم: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ}، فالقرآنُ كتابٌ. للأسف هناك بعض المتعالمين الذين يعيشون في فرنسا ويَّدعون علم اللسانيات، وأبيمستولوجيا وثيولوجيا ونحو ذلك، يقولون: إنَّ القرآن نصٌّ شفهيّ، وهذه الدعوى ليست صحيحة، لأن القرآن نصٌّ مكتوب، الله سبحانه سمَّاه كتاباً كما سمَّاه قرآناً. هو قرآنٌ لأنه يُقرأ، وكتاب لأنه يُكتب. من أوَّل ما أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم هناك كُتَّاب للوحي يأمرهم أن يُسجِّلوه في الحال على ما تيسَّر لهم. لم يكن الورق متيسراً، يكتبونه على العظام وعلى سُعُف النخل، وعلى أشياء مختلفة. كُتَّاب عديدون يكتبونه، ويبدأ الصحابة بحفظه. فهو كتاب، ولذلك كثيراً ما يقول: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} في سورة يونس. سورة هود: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}. سورة الرعد: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}. سورة الحجر:{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} وفي الحواميم والطواسين: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}، {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}. فالقرآن كتاب، وهذه حقيقةٌ معروفةٌ. كُتِب منذ عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإن لم يُجمع في مصحف واحد. السِّرُّ في عدم جمعه في مصحف واحد: لماذا لم يُجمع في مصحف واحد؟ لأنه كان يَتَنزَّل، جبريل روَّاح غدَّاء بآيات الله، كيف يُكتب في مصحف وهو لم ينته بعد؟ تنزل الآية ويقول له: ضَعها في السورة كذا بعد آية كذا، وهكذا، فما دام القرآن ينزل لا يمكن أن يُوضَع في مصحف بين دفَّتين، ولذلك بعد وفاة الرسول جُمع فعلاً في صُحُف، السُّور كلُّها مُرتَّبة، وَوُضعَ في بيت أبي بكر حتى تُوفي، ثم في بيت عمر بن الخطاب حتى تُوفي، ثم في بيت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها. جَمْعُ القرآن في عهد أبي بكر: روى البخاري في صحيحه، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر: إنَّ عمر أتاني، فقال: إنَّ القتل قد اسْتَحرَّ بقرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرَّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلتُ لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال عمر: وهو والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شَرَح الله صدري لذلك، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتَّهمك، وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَََتَتَبَّع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلَّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ ممَّا أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر، فتتبَّعتُ القرآن أجمعه من العُسُب، واللِّخَاف، وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ...} [التوبة:128، 129]، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفَّاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. جَمْع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه: ثم لما اختلف الناس في القراءات، لدخول كثير من العَجَم في الإسلام، ونتيجة الأحرف التي أُنزل بها القرآن، وكذلك اختلاف لغات القبائل بعضها مع بعض، وهذا يقول: قرآني أفضل من قرآنك، وقراءتي أفضل من قراءتك. فجمع عثمان في خلافته الناس على مصحفٍ واحد باستشارة الصحابة رضي الله عنهم وبإجماعهم، وهو ما يُسمَّى بـ(مصحف الإمام)، بالرسم العثماني، وهو رسم يصلح للقراءة بالقراءات العشر. وما زال القرآن الذي كُتب في عهد عثمان، وبإقرار الصحابة جميعاً، ما زال هو الذي نقرؤه الآن، فهو كتابُ الله. هل الكتاب غير القرآن؟ نحن في أصول الفقه، وفي الفقه نقول: مصدرنا الأول: الكتاب والسنة، أو الكتاب ثم السنة، نقول: الكتاب. حتى قلَّما نقول القرآن. هنا يقول الله عزَّ وجلَّ: {كِتَابٌ}، وهل الكتاب غير القرآن؟ زعم بعضهم ذلك، مثلما فعل مهندس سوري ألَّف كتاباً قال فيه: الكتاب شيء، والقرآن شيءٌ آخر، والذكر شيء آخر، والفرقان شيء آخر. وقال: الفرقان من خصائصه كذا، والذكر كذا، والقرآن كذا!! وهذا كَذِب، الكتاب هو القرآن، والقرآنُ هو الكتاب، الله تعالى يقول: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان:1-3]. {أَنْزَلْنَاهُ}: أي الكتاب الذي هو القرآن {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}. وفي سورة يوسف: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:1،2]. { أَنْزَلْنَاهُ } أي: الكتاب {قُرْآناً عَرَبِيّاً}. وفي سورة الزخرف: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف:1-3]. وفي سورة فُصِّلت: {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت:1-3]، كتابٌ فُصِّلت آياته قرآناً عربياً، ففي نفس الآية ذُكر الكتاب والقرآن. فهؤلاء المتعالمونَ الذين جاؤونا على آخر الزمن، وجاؤوا بما لم يقُل به عالمٌ طوال أربعةَ عشرَ قرناً، ويزعمون أنَّهم الذين يفهمونَ القرآن وحدهم، جاؤوا بقرآن جديد غير القرآن الذي فهمه محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابة، هم فهموا ما لم يفهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. القرآنُ هو الكتاب، والكتابُ هو الذِّكر، يختلف المفهوم ويتَّفق الماصَدَق، كما نقول في علم المنطق، يعني: الأسماء لها مفهومات مختلفة، ولكن تصدُق على شيء واحد، فمثلاً السيف له أسماء كثيرة: السيف، الحسام، الصَّارم، البتَّار، كلُّ هذه الأسماء لها معنى، ولكن هو كله الماصدق. الموضوع واحد، فالذكر هو القرآن، والكتاب هو القرآن، والفرقان هو القرآن. ونجد ذلك في سياق واحد، فالله تعالى يقول في سورة فُصِّلت: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ} أي: الذكر {لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41، 42]. ثم قال بعدها: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ} أي: الكتاب أو الذكر {قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت:44] فالذكر هو الكتاب وهو القرآن. هؤلاء الذين يأتوننا بأشياء لا دليلَ عليها ولا برهان قطعي، يخالفون الأمة كلَّها، يخالفون عصور الأمة، المفسِّرين والفقهاء والمُحدِّثين والمتكلِّمين واللغويين وكل علماء الأمة، يأتي هؤلاء ليخالفوهم ويزعُموا أنَّهم هم الذين يملكون الصَّواب ويملكون الحقيقة وحدهم. * يتبع غداً إن شاء الله