

أمثل قطر وثقافتها في كل جدارية أرسمها
الفن يحفظ ذاكرة الشعوب وينقلها للأجيال
في مونتريال حملتُ الهوية القطرية إلى جمهور عالمي
«الكاليغرافيتي» يوازن بين أصالة الخط وروح الشارع
أسعى إلى تقديم مبادرات جديدة تعزز الحوار الثقافي
منذ سنوات، استطاعت الفنانة والخطاطة القطرية فاطمة الشرشني أن ترسم لنفسها مساراً فنياً خاصاً، مستندة إلى شغف مبكر بالحرف العربي ورغبة دائمة في استكشاف إمكاناته الجمالية في الفنون البصرية المعاصرة. وبفضل أعمالها التي تمزج بين أصالة الخط العربي وروح الكاليغرافيتي وفنون الشارع، برزت كواحدة من أبرز الأسماء القطرية في هذا المجال، من خلال مشاركاتها في تنفيذ عدد من الجداريات والمشاريع الفنية داخل قطر وخارجها بالتعاون مع مؤسسات ثقافية ووطنية مختلفة. كما حظيت أعمالها باهتمام واسع خلال بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، حيث وظفت الخط العربي لإبراز الهوية الثقافية القطرية أمام جمهور عالمي.
وفي أحدث محطاتها الدولية، شاركت الشرشني في مهرجان الجداريات العالمي بمدينة مونتريال الكندية ضمن فعاليات العام الثقافي القطري الكندي، مؤخرا، حاملة معها رؤية فنية تستلهم الذاكرة والإرث الإنساني وقيم الحوار بين الثقافات. وتؤمن الشرشني بأن الفن من أقوى وسائل التواصل بين الشعوب، وأن الخط العربي تجاوز حدود اللغة ليصبح فناً بصرياً عالمياً قادراً على مخاطبة المتلقي أينما كان.
وفي هذا الحوار مع «العرب»، تتحدث فاطمة الشرشني عن تجربتها في مونتريال، وعن مسؤولية تمثيل قطر في المحافل الدولية، ورؤيتها لدور الفن في حفظ الذاكرة الجماعية للشعوب، وتطور فن الكاليغرافيتي عالمياً، إلى جانب محطات من مسيرتها الفنية وتجربتها في تحويل الحرف العربي إلى لغة بصرية معاصرة تحمل روح الثقافة القطرية إلى جمهور عالمي.
وإلى التفاصيل:
ماذا يعني لكِ تمثيل قطر في مهرجان عالمي بحجم مهرجان الجداريات في مونتريال؟
يمثل لي هذا الأمر مسؤولية كبيرة وشرفاً عزيزاً. عندما أشارك في محفل عالمي بهذا الحجم، أشعر أنني لا أمثل نفسي فقط كفنانة، بل أمثل قطر وثقافتها وإرثها الفني. كما أرى في هذه المشاركة فرصة لإبراز جمال الخط العربي والفنون البصرية القطرية أمام جمهور دولي متنوع.
كيف جاء اختيارك للمشاركة في هذه النسخة من المهرجان؟
بدأت القصة في ديسمبر 2025 خلال مشاركتي في فعالية «وورلد وايد الدوحة»، حيث أنجزت جدارية في منطقة العزيزية. هناك التقيت بنيكولاس، أحد منظمي مهرجان الجداريات في مونتريال، وكانت بيننا حوارات حول تجربتي في الكاليغرافيتي والخط العربي وإمكانية تقديم هذا الفن لجمهور أوسع. بعد ذلك استمر التواصل، وتم اختياري للمشاركة ضمن فعاليات العام الثقافي القطري الكندي، وهو ما أعتبره امتداداً جميلاً لذلك اللقاء الأول وفرصة لتمثيل قطر في أحد أبرز مهرجانات الجداريات العالمية، من خلال تقديم رؤية فنية تحمل هويتي وهوية بلدي في الوقت نفسه.
قصص وتجارب مختلفة
كيف تنظرين إلى أهمية التبادل الثقافي بين قطر وكندا من خلال هذه المبادرات؟
أؤمن بأن الفن من أقوى وسائل التواصل بين الشعوب. فمثل هذه المبادرات تفتح المجال للحوار الثقافي وتبادل الخبرات والتعرف على قصص وتجارب مختلفة. كما أنها تتيح لنا مشاركة جانب من ثقافتنا القطرية والتعرف في المقابل على ثقافات أخرى، وهو ما يثري التجربة الإنسانية والفنية للجميع.
ما الذي أضافته لكِ هذه التجربة على المستوى الفني والإنساني؟
على المستوى الفني، أتاحت لي العمل في بيئة جديدة والتفاعل مع فنانين من خلفيات متنوعة، مما منحني رؤى وأساليب مختلفة. أما إنسانياً، فقد عززت لديّ قناعة بأن الفن لغة عالمية قادرة على تجاوز الحدود والاختلافات اللغوية والثقافية.
ما الذي يميز تجربة الرسم على الجدران في الفضاء العام مقارنة بالمعارض الفنية التقليدية؟
الرسم في الفضاء العام يمنح العمل حياة مختلفة، فهو يلتقي بالجمهور بشكل مباشر ويصبح جزءاً من المشهد اليومي للمدينة. في المعارض يذهب الجمهور إلى العمل الفني، أما في الجداريات فالفن هو من يذهب إلى الناس.
كيف كانت تفاعلات الجمهور الكندي مع عملك الفني؟
كانت التفاعلات إيجابية جداً، لفت الخط العربي انتباه الكثيرين، وكان من الجميل رؤية فضول الجمهور لمعرفة معنى الكلمات والخلفية الفكرية للعمل. شعرت باهتمام حقيقي بالحوار الذي يفتحه الفن بين الثقافات، والأجمل أن تتعرف على آراء الجمهور بشكل مباشر وفي اللحظة نفسها.
اخترتِ مقولة الكاتبة مارغريت آتوود «في نهاية المطاف نصبح جميعاً حكايات»، لماذا وجدتِها الأقرب للتعبير عن رؤيتك؟
لأنها تختصر فكرة أؤمن بها كثيراً، وهي أن الإنسان يرحل ويبقى أثره في القصص والتجارب. إنها فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، تصل إلى الجميع؛ الكبير والصغير، والمتعلم وغير المتعلم، تماماً كرسالة في جدارية في الشارع يقرأها كل من يمر.
الحروف تحمل قصصاً متراكمة
كيف ترجمتِ هذه الفكرة أدبياً وبصرياً من الكلمات إلى عمل جداري؟
حاولت تحويل النص إلى تكوين بصري ينبض بالحركة والانسيابية، بحيث تبدو الحروف وكأنها تحمل قصصاً متداخلة ومتراكمة. واستخدمت الخط كعنصر بصري ورمزي في آن واحد ليعبر عن الذاكرة والامتداد الإنساني عبر الزمن.
ما الرسالة التي أردتِ إيصالها للجمهور من خلال هذه الجدارية؟
أردت أن أدعو المتلقي إلى التأمل في أثره الشخصي وفي القصص التي يصنعها كل يوم. كما أردت التأكيد على أن التجارب الإنسانية، رغم اختلاف الثقافات، تتقاطع في الكثير من المشاعر والقيم المشتركة.
تحدثتِ عن الذاكرة والإرث الإنساني.. كيف يمكن للفن أن يحفظ الذاكرة الجماعية للشعوب؟
الفن يوثق اللحظات والأفكار والمشاعر بطريقة تتجاوز الزمن. فكثير من الحضارات نعرفها اليوم من خلال فنونها وآثارها. لذلك أرى أن الفن ليس مجرد تعبير جمالي، بل أيضاً وسيلة لحفظ الذاكرة ونقلها إلى الأجيال القادمة.
أنتِ من أبرز الأسماء القطرية في فن الكاليغرافيتي، كيف تصفين تطور هذا الفن خلال السنوات الأخيرة؟ وما التحدي الأكبر في المزج بين الخط العربي وفنون الشارع المعاصرة؟
شهد الكاليغرافيتي تطوراً كبيراً وانتشاراً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، وأصبح يحظى بتقدير متزايد على المستوى العالمي. أما التحدي الأكبر فهو تحقيق التوازن بين احترام القواعد الجمالية للخط العربي والحفاظ على روح التجريب والحرية التي تميز فنون الشارع.
هل ترين أن الخط العربي أصبح لغة عالمية قادرة على التواصل مع جمهور لا يتحدث العربية؟
بالتأكيد. فجمال الخط العربي لا يقتصر على معناه اللغوي، بل يمتد إلى قيمته البصرية. وكثير من الناس يتفاعلون مع الخط بوصفه فناً بصرياً حتى وإن لم يفهموا اللغة، وهذا ما يجعله قادراً على التواصل عالمياً.
ما المدارس الخطية التي تستلهمين منها أعمالك؟
أستلهم من عدة مدارس خطية، لكنني لا ألتزم بشكل حرفي بمدرسة معينة، بل أحاول تطوير أسلوبي الخاص الذي يجمع بين أصالة الخط العربي والطرح المعاصر.
كيف تحضر الثقافة القطرية في أعمالك الفنية خارج قطر؟ وهل تحرصين على تقديم عناصر من التراث القطري في كل مشاركة دولية؟
الثقافة القطرية حاضرة دائماً في رؤيتي الفنية، سواء من خلال القيم والقصص التي أتناولها أو من خلال العناصر البصرية المستوحاة من البيئة والتراث المحلي. وأحرص قدر الإمكان على أن تحمل مشاركاتي الدولية شيئاً من روح قطر وهويتها.
نصيحة للشباب
كيف بدأت علاقتكِ بالخط العربي، ومتى اكتشفتِ أنه سيكون مسارك المهني؟
بدأت علاقتي بالخط العربي منذ الصغر من خلال اهتمامي بالكتابة. ومع مرور الوقت اكتشفت أن الحرف العربي يمتلك طاقة تعبيرية كبيرة، ومن هنا بدأ شغفي يتطور تدريجياً حتى أصبح محور مسيرتي الفنية.
ما أبرز المحطات التي شكلت مسيرتك الفنية منذ انطلاقتها؟
كل مشروع أو جدارية أو معرض أعتبره محطة مهمة في مسيرتي، لكن المشاركات الدولية والفرص التي أتاحت لي تقديم أعمالي أمام جمهور عالمي كانت من أكثر التجارب تأثيراً في تطوري الفني.
ما النصيحة التي تقدمينها للشباب الراغبين في دخول مجال الخط والفنون البصرية؟
أن يتحلوا بالصبر والاستمرارية، وأن يوازنوا بين تعلم الأساسيات والتجريب المستمر. فالموهبة مهمة، لكن الممارسة والالتزام هما ما يصنعان الفرق على المدى الطويل.
بعد مونتريال، ما المشاريع أو المشاركات الدولية المقبلة؟
أعمل حالياً على مشاريع فنية جديدة وسيتم الإعلان عنها في الوقت المناسب. وأسعى دائماً إلى المشاركة في مبادرات دولية جديدة تتيح لي مواصلة الحوار الفني والثقافي مع جمهور أوسع وتمثيل قطر بأفضل صورة ممكنة.