«الحلم» من أهم الصفات الإيمانية التي نتعلمها من الصيام

alarab
الصفحات المتخصصة 01 يوليو 2016 , 01:40ص
عصام الشيخ
أكد فضيلة الدكتور محمد راشد المري أن الهدف من تشريع الصيام ليس الجوع والعطش، ولكن هناك صفات كثيرة شرع الصيام من أجل أن تتعلمه النفس وتربى عليها، ومن أهم هذه الصفات التي شرع الصيام من أجل أن نتعلمها ونروض أنفسنا عليها، صفة «الحلم».
وقال في الدرس الذي ألقاه عقب صلاة التراويح بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب، إن رمضان أحب الشهور إلى الله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: «شهر رمضان شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات، من تصدّق في هذا الشهر بصدقة غفر الله له، ومن أحسن فيه إلى ما ملكت يمينه غفر الله له، ومن حسّن فيه خلقه غفر الله له، ومن كظم فيه غيظه، غفر الله له، ومن وصل فيه رحمه غفر الله له...». أو كما قال.
ثم قال (عليه السلام): «إنّ شهركم هذا ليس كالشهور، إنّه إذا أقبل إليكم، أقبل بالبركة والرحمة، وإذا أدبر عنكم أدبر بغفران الذنوب، هذا شهر الحسنات فيه مضاعفة، وأعمال الخير فيه مقبولة، من صلّى منكم في هذا الشهر لله عزّ وجلّ ركعتين يتطوع بهما غفر الله له». أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وأضاف: ومن أهم الصفات التي يجب أن نتعلمها في رمضان صفة «الحلم»، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم»، أو كما قال. فالصيام لم يشرع فقط من أجل الجوع، فقد ورد في الأثر «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، بل الصيام له حكمة ومعان وفضائل وصفات يجب علينا أن نتعلمها. وفي الحديث الشريف «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ومن أهم الصفات التي يجب أن نتعلمها من الصيام الحلم فما معنى الحلم؟
وتابع: «الحلم» هو أن يستطيع الإنسان أن يوقع عقوبة على المستحق ولكن يؤخرها، ومن شروط «الحلم» أن يكون الإنسان قادرا على توقيع العقوبة على المستحق، ولكنه يعفو، فمثلا لو أن إنسانا ضعيفا حصل خلاف بينه وبين إنسان قوي وقال الإنسان الضعيف للقوي أنا تركتك لله فهو كاذب، وهذا ليس حلما فقد تركه لضعفه ولأنه غير قادر على توقيع العقوبة عليه، فالشرط في الحلم أن يكون صاحب الحلم قويا ويستطيع أن يوقع العقوبة ولكنه يعفو عنه لله.
وأوضح أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمثلة عظيمة في «الحلم»، فقد كان جالسا مرة مع أصحابه وجاء أعرابي وجذبه جذبة شديدة من ردائه حتى أثرت في عنق النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد اتق الله واعدل، فماذا كان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال له: «ويحك من يعدل إن لم أعدل»، ثم أمر له النبي صلى الله عليه وسلم بعطية، فهل رأيتم حلما مثل ذلك؟ والأعجب من ذلك عندما ذهب النبي الكريم إلى أهل الطائف يدعوهم للإسلام فطاردوه وسلطوا عليه الغلمان يلقونه بالحجارة، فلما جاء جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال قال: يا محمد لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين وهما جبلان عظيمان في مكة، فقال له الرسول الكريم «لا لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله»، أو كما قال، فكان له ما أراد، فخرج منهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وكانوا قادة كبارا في فتوحات الإسلام، ونزل قول الله عز وجل «وإنك لعلى خلق عظيم».
ومن أروع الأمثلة في حلم الرسول الكريم، ما حدث يوم فتح مكة عندما دخل مكة وكان قائدا للجيش واستتب له الأمر وأمر بجمع أهل مكة جميعا ثم قام فيهم خطيبا وقال لهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». هل رأيتم حلما مثل هذا بعدما فعل أهل مكة ما فعلوه في النبي وأصحابه من إنكار وتعذيب وتنكيل ومحاربتهم، حتى إذا انتصر عليهم النبي الكريم عفا عنهم وكان قادرا صلى الله عليه وسلم أن يعاقبهم على ما فعلوه به ولكنها أخلاق النبوة.
فالصيام أيها الأحبة يهذب النفس فحري بكل مسلم أن يتصف بهذه الصفة في هذا الشهر الكريم، فمن أجل هذا شرع الصيام لتهذيب النفس وتعليمها وتنقيتها، فلا يصح مثلا أن يتعامل الموظف بأسلوب غليظ مع المواطنين أو المراجعين بل لا يطيق التعامل معهم، ويقول إني صائم، وكذلك قائد السيارة في الطريق لا يصح أن يتعامل مع سائقي السيارات الأخرى بخشونة بحجة أنه صائم، فالصيام ليس علامة على سرعة الغضب وعلى التهيج وفقدان الأعصاب بل لا بد أن يكون الصيام قوة دفع للصائم على تعلم الصبر وتعلم الحلم وحسن الأخلاق والرحمة وحسن المعاملة، فلهذا شرع الصيام.
فالحلم يأتي من التحلم وتعود النفس على الحلم، وقد قيل سابقا إنما العلم من التعلم وإنما الحلم من التحلم.
وأضاف: الأحنف بن قيس كان عظيما في هذا الباب وكان حليما يضرب به المثل في الحلم وكان سيدا في قومه، جاءه أعرابي وتكلم عليه كلاما شديدا قويا مهينا، فلو أن إنسانا تكلم عليك كلاما شديدا لربما عاقبته خاصة لو كنت في مكان قوي، فعندما تكلم هذا الأعرابي على الأحنف ووصفه بصفات شديدة وكان الأحنف في مجلس قومه، ماذا فعل الأحنف بن قيس؟ قال له يا هذا إن كان ما قلت في حقا فيغفر الله لي، وإن كان ما قلته فينا كذبا فيغفر الله لك. فقيل للأحنف: ممن تعلمت هذا الحلم؟ قال تعلمته من ابن عاصم، فقد كنا في بيته يوما من الأيام وأتت خادمته تحمل سفودا عليه شواء، والسفود هو الحديد الذي يكون بداخله النار للشواء فسقط الشواء منها على ابنه وكان صغيرا فمات الولد، فذهلت الخادمة وروعت ورعبت رعبا شديدا ولم يهتم ابن عاصم لابنه الذي مات، ولكنه أشفق على الخادمة وقال: لا والله لقد بلغت هذه الخادمة من الرعب مبلغا عظيما، والله ما يسكن روعها إلا العتق فعتقها لوجه الله، فدنا منها وقال لها لا عليك ولا بأس ولا تخافي فأنت حرة لوجه الله.
فالشاهد من كل هذه الأمثلة أن يقوم كل منا بمحاسبة نفسه وأن يروضها فنفسك إن لم تروضها على طاعة الله روضتك هي للمعصية.