عبد الرزاق الحلبي.. المقرئ الفقيه
الصفحات المتخصصة
01 يوليو 2016 , 01:32ص
عمرو الأمير
هو عبد الرزاق بن محمد حسن بن رشيد بن حسن بن أحمد الحلبي أصلاً وشهرةً، الدمشقي الحنفي، الشهير بعبدالرزاق الحلبي، عالم أهل الشام، كان حُجّة في القراءاتوفي العربية وفي الفقه الشافعي، أعطاه الله بصيرة نافذة، أستاذ قراء الشام.
ولد بدمشق في شعبان سنة 1343هـ-1925م، ونشأ بين أبوين صالحين، فوالده طالب علم جمع بين التجارة وحضور مجالس العلماء، ووالدته هي السيدة وسيلة ابنة مفتي الشام العلامة الشيخ محمد عطاء الله الكسم.
توفي والده سنة 1352هـ فنشأ يتيما في تربية وتوجيه عمه الشيخ محمد عيد الحلبي، فدخل الابتدائية في مدرسة الرشيد بدمشق سنة 1352هـ-1933م، وتخرج منها سنة 1357هـ-1938م، دخل بعدها التجهيز فمكث فيها نحو سنتين، ثم ترك الدراسة والتحق بالعمل في صنعة النسيج.
شيوخه
تعرف على العلامة الشيخ محمد صالح الفرفور، فبدأ بملازمة حلقاته منذ ناهز البلوغ سنة 1358هـ-1939م، وبقي ملازما له إلى وفاته سنة 1407هـ-1986م، وقد لازمه في حلقاته في المسجد الأموي، وفي المدرسة الفتحية، وفي منزله، وفي سائر نشاطاته التدريسية، وهو شيخ تحصيله وتخريجه، قرأ عليه جلّ العلوم الشرعية والعربية قراءة بحث وتحقيق ومدارسة وإتقان، وأسس معه ومع نخبة من تلاميذ الشيخ وتجار دمشق الأبرار جمعية الفتح الإسلامي، ثم معهد الفتح الإسلامي، ورافقه طوال مسيرته العلمية والتربوية، وكان -مع زملائه في الطلب- ساعده الأيمن في إدارة معهده وجمعيته ونهضته، وأجازه إجازة عامة بالمعقول والمنقول.
أما القرآن الكريم وعلوم القراءات، فأخذها عن الشيخ محمود فايز الدير عطاني، والشيخ الدكتور محمد سعيد الحلواني، والشيخ حسين خطاب. وذلك أنه بدأ بحفظ الشاطبية على الشيخ محمود فايز الديرعطاني، ثم توفي فأتمها على الدكتور سعيد الحلواني، وحفظ عليه الدرة أيضا، وقرأ عليه عدة ختمات بالروايات المتنوعة إفرادا، ثم بدأ عليه بالجمع الكبير، فتوفي إلى رحمة الله، فتحول بعده إلى الشيخ حسين خطاب، فقرأ عليه ختما كاملا بالقراءات العشر، وأتم عليه في شهر ربيع الثاني سنة 1391هـ، وأجازه أن يقرأ ويقرئ بشرطه المعتبر عند أهل العلم.
إجازاته
حصل الشيخ على عدد من الإجازات سوى ما ذكر، فأجازه العلامة الشيخ محمد أبواليسر عابدين مفتي الشام، والعلامة الشيخ محمد العربي العزوزي أمين الفتوى ببيروت وكتب له الإجازة بخطه على غلاف ثبته المطبوع (إتحاف ذوي العناية) وذلك في أواخر رمضان سنة 1374هـ.
وأجازه العالم الشيخ أحمد بن محمد القاسمي بإجازته من الشيخ محمد عطاء الله الكسم، كما أجازه الشيخ ملا رمضان البوطي، وتبادل الإجازة مع الشيخ محمد ديب الكلاس والشيخ محمد بن علوي المالكي.
والتقى في الحجاز بعدد من مشاهير علمائه منهم: الشيخ محمد إبراهيم الفضلي الختني، وأهداه عددا من الكتب والرسائل بطريق المناولة الحديثية، منها رسالة «نشر الغوالي من الأسانيد العوالي»، ورسالة «الإسعاد بالإسناد»، كلاهما للشيخ محمد عبد الباقي الأنصاري اللكنوي ثم المدني.
منهجه في التعليم
كان الشيخ عبد الرزاق -رحمه الله تعالى- عالما متمكنا في جميع العلوم الشرعية والعربية، واسع الاطلاع، قوي الحافظة، حاد الذاكرة، يستحضر الكثير من المتون وعبارات العلماء، ويستشهد بها عند الحاجة إليها وكأنه يقرؤها من الكتاب، فقضى الشيخ -حفظه الله- جميع عمره في التدريس وإقراء الكتب ليلا ونهارا، لا يكل ولا يمل، فأقرأ العشرات من الكتب الأمهات في مختلف العلوم.
بدأ الدرس الأول سنة 1368هـ-1949م تحت قبة النسر في الجامع الأموي، حيث ألقى درسا عاما حضره تشجيعا العلامة الشيخ محمد هاشم الخطيب.
وكان أكثر تدريسه في المسجد الأموي، أقرأ فيه بعد الفجر، وبين المغرب والعشاء، في كل يوم أكثر من ستين سنة، كما درس في مساجد أخرى كالباذرائية، ومسجد القطاط، ومسجد فتحي القلانسي في القيمرية، ومسجد الياغوشية في الشاغور، وغيرها من المساجد، بالإضافة إلى تدريسه في معهد الفتح الإسلامي منذ تأسيسه حتى الآن.
أما الكتب التي أقرأها خلال مسيرته العلمية فهي كثيرة، وكان يهتم في إقرائه للكتب بأمور هامة:
أولها: يختار الكتب الأمهات، ولا سيما المطولات منها في مختلف العلوم.
ثانيها: يقرأ هذه الكتب بطريقة السرد بحيث يقف عند المشكلات، ولا يسهب في شرح ما سواها.
ثالثها: يحرص على المواظبة وإتمام الكتاب إلى آخره ضمن برنامجه المحدد له.
رابعها: يعيد قراءة الكتب الهامة مرتين أو ثلاثا أو أكثر.
منهجه في إقراء القرآن
تصدر الشيخ للإقراء، فحفظ القرآن عليه مئات من طلبة العلم، ونالوا منه الإجازة برواية حفص عن عاصم، ولا يمكن إحصاؤهم لكثرتهم.
أما الذين جمعوا عليه القراءات العشر وأتموها فهم: إحسان السيد حسن، محمد بدر الدين الأغواني، غسان الهبا، أحمد الخجا، زياد الحوراني، رفعت علي أديب، محمد صادقة، ماهر الهندي. وبدأ غيرهم بالجمع ولم يتموا.
أما الوقت الذي يقرئ فيه الشيخ فغالب يومه، بعد صلاة الفجر، ومن فترة الضحى إلى ما بعد العشاء، لا يرد قارئا، ولا يكل ولا يمل.
وفي سنة 1427هـ اختير الشيخ –حفظه الله- مع مجموعة من كبار المقرئين في دمشق للتكريم من قبل وزارة الأوقاف ومركز زيد بن ثابت لخدمة الأنشطة القرآنية.
جمعية الفتح الإسلامي
كان الشيخ عبد الرزاق هو اليد اليمنى للشيخ محمد صالح الفرفور في تأسيس الجمعية ونشاطاتها مع زميلة الشيخ رمزي البزم، فكان لهما مع الشيخ نشاطات واسعة في جباية أموالها في الداخل والخارج، وفي رعايتها ومتابعة مسؤولياتها والإشراف عليها. وكذلك كان له اليد الطولى في تأسيس المعهد وفي إدارته، والتدريس فيه منذ تأسيسه، بل قبل ذلك حينما كانت النهضة عبارة عن حلقات في المساجد.
ولما توفي الشيخ محمد صالح فرفور تولى بعده رئاسة الجمعية، واتفقت كلمة تلاميذ الشيخ وأبنائه على أنه خليفة الشيخ وأمينه على نهضته والمرجع الأول في الشؤون الإدارية الهامة، وفي الشؤون العلمية، ولا زال حتى الآن يرعى هذا المعهد بعطفه وغيرته وتوجيهاته.
وظائفه
تولى الشيخ رحمه الله وظيفة الإمامة والخطابة في عدد من مساجد دمشق، ففي سنة 1364هـ-1945م وجهت إليه وظيفة الخطابة في المدرسة الفتحية (جامع فتحي) وكالة ثم أصالة سنة 1367هـ-1947م. وفي عام 1376هـ-1956م كلف بوظيفة الخطابة في جامع الجوزة وكآلة. وفي عام 1390هـ-1970م نقل من وظيفة إمامة جامع القطاط الموكلة إليه سابقا، إلى إمامة المحراب الحنفي في المسجد الأموي. وأخيرا تولى الخطابة في جامع بلال الحبشي. هذا بالإضافة على:
- وظيفة التدريس الديني في دار الفتوى.
- وظيفة إدارة المسجد الأموي منذ 1400هـ-1980م.
- سمي شيخ الجامع الأموي بقرار من وزير الأوقاف عام 2005م.
- عضوية جمعية الفتح الإسلامي منذ تأسيسها سنة 1375هـ-1956م. ثم نائبا للرئيس ثم رئيسا لها سنة 1986م، بالإضافة إلى إدارة معهدها منذ تأسيسه إلى سنة 1984.
- رئاسة جمعية النداء الخيري في القيمرية.
كما حضر الشيخ الكثير من المؤتمرات في العديد من البلدان الإسلامية وغيرها.
شخصيته
كان الشيخ –حفظه الله- من العلماء الكُمّل المخلصين (ولا نزكي على الله أحدا) جمع صفات الرجال الكبار من الهمة العالية في الطاعة والعبادة والعلم والتعليم، مع حسن الأخلاق وطيب العشرة، والتواضع والزهد في الدنيا، والكرم والجود، يبذل الصدقات ويقضي حوائج الناس، ملتزم بالسنة المطهرة، يحبه كل من حوله، ويهابه كل من يراه، يحفظ وقته كله بين الطاعة والعبادة والعلم والتعليم والإقراء، مواظب على برنامجه اليومي منذ نشأته، لا يخرمه لا يبدله، يحافظ على صلاة الجماعة في المسجد الأموي بلا انقطاع إلا في مرض أو سفر، مواظب على الحج في كل عام منذ سنة 1370هـ تقريبا، فزادت حجاته على خمسين حجة، كان في الكثير منها مشرفا على البعثة السورية.
وفاته
انتقل إلى رحمة الله فجر يوم السبت 12 ربيع الأول 1433 هـ الموافق 4 فبراير 2012م عن عمر ناهز 87 عاما، وصلي عليه عقب صلاة ظهر اليوم في جامع الثناء في حي العدوي بدمشق جوار بيته، ثم ووري الثرى في مقبرة الدحداح.