

أكد مواطنون وخبراء اجتماعيون الأهمية الكبرى للفوائد الناجمة عن تنظيم الغبقة الرمضانية في العديد من المجالس الأسرية، والهيئات والمؤسسات الخاصة والخيرية لما لها من مدلول اجتماعي وموروث شعبي تتداوله الأجيال ويسهم في حل الخلافات وإصلاح ذات البين، وإضفاء أجواء من المودة والإخاء والراحة النفسية.
وبينوا في حديث لـ «العرب» أن اهتمام كافة الأسر القطرية بتنظيم الغبقة داخل كل منزل ناجم عن أهميتها في جمع كافة أطراف العائلة داخل كيان واحد، وفي الوقت نفسه زيادة صلة الأرحام، وتعزيز الروابط الأسرية والمساعدة على حل الخلافات والمشاحنات الناتجة عن العديد من المشكلات الأسرية، منوهين إلى ضرورة غرس تلك العادة لدى الأطفال، والشباب حتى لا تتلاشى مع وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
وأضافوا أن هناك العديد من الأسر تنتظر هذا الشهر الكريم للاجتماع والتصافي وزيادة الروابط الأسرية بين كافة فئات وأعمار الأسر، وذلك عبر تنظيم العديد من المجالس الرمضانية التي يشارك بها الأطفال والشباب والنساء وكبار السن لخلق أجواء أسرية خاصة مع تخصيص الوقت اللازم الدائم والمحدد لذلك، مشيرين إلى أهميتها في الابتعاد عن المقاهي والمولات.
وأوضحوا أن مشاركة الفتيات والنساء في المجالس الرمضانية وإعداد وتنظيم الغبقة له مدلول أسري إذ يساعد على زيادة الأنساب، وينتج عن هذا الجمع الأسري مناسبات سعيدة من خطوبات، وتحديد مواعيد للزواج، وذلك لانشغال كافة الأسر في العام وعدم التعرف على فتياتهم وأبنائهم إلا في المناسبات التي قد يكون بعضهم خارج البلاد.
وأشاروا إلى أن الإسراف في تجهيزات وإعداد الغبقة من مأكل، ومشرب يتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف، موضحين أن تلك العادة هدفها الأول جمع الأسرة في نطاق وحيز واحد يجمعهما أكبر فرد في كل أسرة وليس التباهي، والإسراف في الإنفاق، مشيرين إلى ضرورة زيادة الإنفاق في التصدق على الفقراء والمحتاجين وتوجيه الفائض إلى الجمعيات الخيرية.
وأكدوا على ضرورة إقامتها في المنازل لجمع الأسرة في مكان واحد، وعدم إقامتها في الفنادق والخيام الرمضانية، لأن ذلك يخلق حالة قد تساعد على تقسيم وتفكيك العائلة والبعد الأسري والإسراف الكبير في إقامتها عبر تقديم العديد من الفنادق والشركات العروض الخاصة والمميزات لتنظيمها ما يعود بالسلب على أهدافها الأسرية النبيلة.
تعزيز الترابط الأسري
في البداية يقول أحمد عبدالعزيز آل إسحاق: الغبقة الرمضانية تقليد تاريخي اجتماعي ليس في دولة قطر وحدها، ولكنة يشمل جميع دول الخليج وتعارف أهله على إحيائه منذ مطلع القرن العشرين، وهي تعتبر إحدى عادات وجبات شهر رمضان التي تقع بين وجبة الإفطار والسحور.
وأضاف أن المواطنين يحرصون على إقامة الغبقات الرمضانية في ليالي الشهر الفضيل، خصوصا في العشر الأواخر من أيامه ويدعون لها الأهل والأصدقاء في بيوتهم ويعتبرونها فرصة لتعزيز التعارف والترابط الاجتماعي بينهم، وقال: إن الغبقة تقام غالبا بين الساعة الحادية عشرة ليلا والثانية صباحا بحيث يسهل على المدعوين تلبية الدعوة، ويلتزم كافة المدعين سواء من الأهل أو غيرهم عند إحيائها بارتداء اللباس التقليدي وإبراز النواحي التراثية في الجلسة العامرة بالأحبة والأقارب والأصدقاء لترسيخ معلمها على الأطفال حتى لا تندثر تلك العادة.
وقال: إن ما يميز هذه العادة هو تجمع كافة أطراف العائلة وعدم اقتصارها على أحد دون الآخر، فالشباب لهم تجمعهم، والرجال لهم أماكنهم للقاء والاحتفاء، كذلك النساء لهن تجمعهن، وهذه الوليمة التي تتسع دائرتها ويكثر عدد المدعوين لها لا يشترك فيها غريب ولا بعيد، إنما هي لأهل الحي والمنطقة، حيث يجتمعون في ما بينهم ويتفقون على أصناف الأكل والحلويات والمشروبات ولا تحكمهم قوانين ولا يحدهم بروتوكول، يقيمونها كل يوم أو يومين عند أحدهم لتجمعهم الألفة والمحبة على مائدة واحدة يعيدون حديث الذكريات.
وأشار أن تجمع كافة أطراف الأسرة والأهل والعشيرة في مكان واحد يجمعهم كبير العائلة داخل مسكنة يسهم بشكل مباشر وإيجابي على تذليل الخلافات الأسرية بين بعضهم، والتي غالبا ما تنتج عن المشاحنات ومشاكل الميراث أو النسب والزواج وما إلى ذلك، موضحا أن في نهاية المجلس تكون كل الأمور عادت إلى طبيعتها على خلاف المجالس التي تعقد في ظروف ومواعيد خارج الشهر الكريم، وأن من شأن ذلك تعظم مكانتها، وعدم التهاون مع من لا يدرك أهميتها من كافة الجوانب لذلك نجد أن الكثير من الأسر تحرص على حضورها وفي مواعيدها دون تأخير مهما كانت الأسباب ودون مبررات أو اعتذارات، كما أن إسناد تنظيمها إلى شيوخ القبائل والشخصيات البارزة في العائلة والأحق تقديرا واحتراما يسهم في إعطائها هيبة وبريقا لكون منظمها هو المسؤول الأول عن تلك العائلات وحل مشاكلهم بما يتناسب مع الأعراف المتبعة لدى المجتمع القطري.
وأكد على ضرورة توسعة دائرة المدعون لتشمل الجيران والأصدقاء سواء داخل العمل أو في الدراسة، وذلك لخلق حالة من الدفء الأسري وتعزيز الترابط بين جميع الأعمار، كما أن زيادة أعداد المدعوين يسهم في التعرف والتقرب أكثر من بعضهم، كما يحدث في الأفراح والمناسبات الاجتماعية، ولكنها تكون بشكل مختلف في الغبقة حيث يكون هناك جوانب تنظيمية حتى أثناء الحديث، وتتم بصورة منظمة وينصت الصغير إلى الكبير، ويتعلم منة ما يرويه من حكم وأقوال تكون بمثابة العظة والدافع لهم لتحقيق طموحاتهم التي يتطلعون إليها.
عادة تتوارثها الأجيال
ومن ناحيته قال خالد الرشيد: تنظيم الغبقة بشكل يومي وفي عدة منازل يسهم بشكل مباشر وإيجابي على ترسيخ وغرس تلك العادة في نفوس ووجدان الأجيال الصغيرة التي من شأنها إحياؤها على مدار التاريخ، وعدم إهمالها وتلاشيها خاصة مع التطور الكبير في أسلوب الحياة الذي أثر سلبا على العديد من أمور حياتنا وأصبح كالهشيم في النار يأكل الأخضر واليابس، ولا يقف على تراث وحضارة وتاريخ أسسه أجدادنا على مدار العديد من السنوات.
وأضاف أن من واجب كل أسرة أن تعلم أبناءها جيدا تراث وحضارة دولتهم، وكيف كانت في الماضي ومن ثم سبل الحفاظ على ذلك وعدم الانخراط في الأمور الإلكترونية التي جعلت من الإنسان آلة تبعده عن الإحساس بالمشاعر والأحاسيس، مشيراً إلى أن رمضان يعد من أنسب الأوقات في العام لأعداد، وتهيئة الأطفال نفسيا وذهنيا ودينا على حسن الخلق والحفاظ على النعمة التي أعطانا إياها، ومن ثم فهو مناسبة جيدة للتقرب منهم بعيدا عن تعاليم مربيات المنزل التي قد تعلمهم أشياء خارج عاداتنا وتقاليدنا وعدم إكسابه المعرفة الجيدة بأمور بلادة والمسؤولية تجاه حتى يكون مواطنا إيجابيا في مجتمعه.
وقال: إن الحفاظ على التراث والعادات والتقاليد من شأنه المساهمة في زيادة الإحساس بالانتماء إلى الوطن، وزيادة القدرة على العطاء مطالبا بضرورة دعوة العديد من الشخصيات البارزة في المجتمع من رجال الدين والعلماء والفنانين والأطباء والمواطنين في كافة التخصصات من الأقارب، والمعارف لتوضيح نبذة مختصرة عن حياتهم في العملية وكيفية الوصول إلى طموحاتك وأحلامك وعدم الاعتماد على الغير حتى لا تكون جلسة تقتصر فيها على الأحاديث الشخصية والسهر والسمر دون فائدة وتعلم شيء إيجابي.
وأشار إلى دور الهيئات الحكومية والخاصة في توجيه الشباب في هذا الشهر ودور وسائل الإعلام في تهيئتهم على العمل وحضور الندوات التي تنظمها الجمعيات الخيرية والمشاركة فيها، وعدم التكاسل في ذلك الشهر الكريم واعتباره إجازة للأكل واللعب، كما أن دور المجالس الرمضانية لا يقل عن دور تلك الجمعيات في حث الشباب الصغير على الاعتماد على النفس والانخراط في سوق العمل، ومن ثم بداية حياة جديدة يؤسس من خلالها أسرته الخاصة دون البعد عن أهله وعشيرته وهذا الهدف الرئيسي لتلك المجالس ودور كبير العائلة.
زيادة المعارف والأنساب
وفي السياق ذاته قال محمد بن علي: تساعد تنظيم الغبقة الرمضانية كثيرا في توسعة دائرة المعارف بين الأهل وبعضهم، وذلك لأن هناك البعض منهم ينشغل بأمور الحياة ومنهم من يقضي سنوات دراسية خارج البلاد، كما أن هناك من بين المدعوين من هم خارج النطاق الأسري فهي فرصة جيدة للتعرف عن قرب على أفراد العائلات الأخرى من الشباب صغار السن التي تتغير ملامحه في غضون فترات صغيرة.
وأضاف أن تجمع النساء في مكان ووقت واحد مع أبنائهم من الفتيات يخلق جوا أسريا ويساعدهم على التقرب أكثر ما ينتج عنه ارتباطهم بشكل خطوبات ونسب فيما بعد، وذلك يتم بعد فترة قصيرة من رمضان، مشيراً إلى الدور الذي تلعبه تنظيم الغبقة والمجالس الرمضانية في تغير وزيادة ملامح الأسر، كما أنهم يجتمعن ويسهرن ويرجعن شريط الذكريات إلى الماضي، حيث الطفولة ومراتع الصبا ثم الشباب حتى مرحلة تحمل المسؤولية في العمل والأسرة، لأنهن أهل حي واحد يشتركن في كل شيء، وبعد ذلك زواجهم وأبناؤهم وما إلى ذلك.
وأوضح أنها تعد فرصة لتأصيل الترابط بين الأسر، والاجتماع الأسري عامل مهم في ترابط الأهل بعضهم ببعض، خاصة في مواسم الطاعات، لافتا إلى أن شهر رمضان يعد فرصة كبيرة للكثير من العائلات في التزاور، وتجديد العلاقات، وصلة الرحم، وإزالة الكدر، الذي قد يؤثر على العلاقات بسبب بعض الأخطاء في التعامل.
وأكد على ضرورة تقسيم الوقت ما بين العمل في الدوام الصباحي والالتزام بالتواصل الاجتماعي عن طريق حضور المجالس الرمضانية والغبقات حتى لو تطلب الأمر التوجه إلى أقاربه في مدينة أخرى، وذلك لأن وسائل التواصل الاجتماعي أفقدت الإنسان صلة أرحامه واكتفاؤه باعتبارها وسيلة للتواصل دون مشقة ولكنها ليس بديلا عن التقرب من لقاء الأهل والعشيرة وسط أجواء روحانية.
البعد عن ارتياد المقاهي والمولات
ومن جانبه قال ياسر البلوشي أستاذ علم الاجتماع: إن تنظيم الغبقة الرمضانية ودعوة الشباب إليها يسهم بشكل مباشر وإيجابي على التقرب إلى الأهل والعشيرة والانخراط في أمورهم ومشاغلهم والتعود على الدور القيادي الذي يقوم به كبار السن والقائمين على أعمال الجلسة، كما أنه يبعده ولو لبعض الوقت عن العادات السيئة التي اعتاد عليها طوال العام من ارتياد المقاهي والمولات، وما ينتج عنها من أمور سيئة تضر بصحته وتبعده عن دينه.
وأضاف أننا نعلم المخاطر الناجمة عن ارتياد المقاهي والعادات السيئة من شرب الشيشة والدخان ما يضر بشكل مباشر على صحته، خاصة أنه في مقتبل عمره وتلك الأشياء تؤثر علية وكان من الأولى أن يستغل وقت فراغه في ممارسة الرياضة وتعلم مهارات أخرى تساعده في حياته المستقبلية فيما بعد.
وأكد أن هذا الشهر هو بمثابة تحرر الشاب أو الرجل من عادات سيئة والاتجاه إلى القرب من الله عز وجل، ومن ثم الانخراط في المجالس الرمضانية والغبقات التي تؤهله فيما بعد إلى أن يكون فردا مسؤولا وناجحا في حياته الشخصية والعملية عن طريق احتكاكه المباشر وغير المباشر بأفراد أسرته الموجودين في تلك المجالس.لكنه في الوقت ذاته نوه أن تتنوع برامج تلك المجالس والغبقات ولا تقتصر على الأحاديث الجانبية والسهر وممارسة الألعاب على الهاتف الجوال، ولكنها يجب أن تكون بناءة تشمل جلسات النساء والرجال عن طريق الاستعانة بشخصيات بارزة ومؤثرة وناجحة من داخل الأسرة أو من خارجها لتحكي للحاضرين قصة نجاحها وطرق وسبل الوصول إلى الآمال والطموحات حتى تكون قدوة للحاضرين، ومن ثم التأثر بها أو عبر الاستعانة ببرامج تبث عبر شاشات التلفاز تقتصر على برامج تثقيفية تتعدد أهدافها ومجالاتها للاستفادة من ذلك الوقت في جوانب مختلفة.
عدم الإسراف والتباهي
أما مشعل الهاجري أستاذ التاريخ والحضارة فقال: يمثل شهر رمضان للعرب عامة والخليجيين خاصة موعدا للتقارب إلى الله والبعد عن الأمور الدنيوية التي شغلتنا، ومن ثم الاتجاه إلى العبادة والتقرب إلى صلة الأرحام بما يتناسب مع ما أمرنا به تعاليم الإسلام.
وأضاف أن من أهم المعالم التي تميز هذا الشهر للتواصل الاجتماعي داخل الأسر هي المجالس الرمضانية وما يتبعها من إعداد الغبقة التي أصبحت بمرور الزمن والتقدم الكبير في السنوات الأخيرة في دول الخليج عادة أكيدة تنوعت أشكالها وأماكنها، فقد كانت في الماضي يخصص لها منزل كبير الأسرة وشيوخ القبائل، ولكن اليوم نجد من ينظمها في الفنادق الكبيرة والخيام وفي المزارع الخاصة، ومن البديهي أن يشكل الإسراف والبذخ جانبا كبيرا يطغى على أشكال وأنواع الطعام المقدم في تلك العادة التي خرجت عن طبيعة الإسلام.
وأوضح أن ما ينفق في تنظيم ليلة واحدة كفيل بإطعام العشرات بل المئات من الناس في أماكن أخرى، وأنه من الأجدى أن يكون هذا الشهر الكريم بمثابة عظة وتقرب إلى الله وليس بالإسراف الذي أصبح عادة في المجتمعات الخليجية، مؤكداً على ضرورة أن تتم في المنازل وتكون بشكل مبسط، ويتم الاستعانة بالجمعيات الخيرية في توزيع الوجبات على الجهات المخصصة لذلك.
وأشار إلى أن الفنادق والخيام الرمضانية تفاعلت مع هذا التقليد الرمضاني فانتقلت الغبقات إلى الفنادق والخيام الرمضانية، حيث وجدت الشركات والهيئات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني فيها فرصة لتعزيز علاقات منتسبيها وتجسير هوة العلاقات بين المسؤولين والعاملين في جلسات حميمية بعيدا عن أجواء العمل، وقد دفع انتقالها في رمضان إلى الفنادق والخيام القائمين عليها إلى إدخال بعض الألعاب الشعبية والمسابقات التي ترفق بجوائز للفائزين إلى جانب إحياء بعض الأغاني الشعبية وإقامة ليالي سمر تحتضن فترة السحور وتنتهي قبل أذان الفجر، وهذا من السلبيات التي نعيشها ونتأثر بها، وكان من الممكن أن يتم ذلك بطريقة بسيطة تحافظ على الألفة والجمع ولكن بعدم الإسراف.