

النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ابتدأ حياته بأعمال يسير عليها في بناء أمته، هذه الأعمال جاءت بعد ترسيخ المسلمات: ترسيخ العقيدة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فلما فرغ من بناء قلوب أصحابه، بدأ في وضع ملامح المجتمع الناجح الذي ستعيش فيه أمته وتعيش فيه كل أمة.
وبمجرد أن بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم على أرض المدينة بدأ في وضع قواعد نهضة أمته حتى تسود العالم.
وأول عمل له في المدينة بناء المسجد النبوي، فربط أمته بالله تبارك وتعالى: (جعلت قرة عيني في الصلاة)، وكان ينادي صلى الله عليه وسلم (أرحنا بها يا بلال)، أنت الآن إن ضاقت بك الدنيا مباشرة قلبك يتعلق بالله تعالى، تدعو الله وترجوه أن يكشف عنك، تصلي ركعتين، وتذكر الله، لذلك محمد صلى الله عليه وسلم لما كان يبني أمته ربطها بالله تبارك وتعالى لتتيقن أن نفعك وضرك بيد الله، أن دعاءك لله، (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)، فأمةٌ لا ترتبط بخالقها لا تنهض إلا نهضة زائفة، كالذي يبني على الرمل.
وأيضاً كان المسجد مدرسةً يتعلم منها الصحابة أمور دينهم ودنياهم، فمن هذه الدرسة تخرج أبو بكر وعمر، ومنها تخرج ابن عباس وابن عمر، كل ذلك تحقيقاً لأول أمر في القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق). ثم بعد أن وضع القاعدة الأولى وضع القاعدة الثانية (إن هذه أمتكم أمةً واحدة) (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) فأنهى جميع الخلافات المتعلقة بالجاهلية، حتى أن الله سمى التآلف نعمة (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم بأصبحتم بنعمته إخواناً)، لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى، بلال بن رباح كان عبداً فلما أسلم أصبح سيداً من ساداتنا، كل ذلك لما دخل في عدل الإسلام، فلا فرق بين حسب وحسب، فلو كان هذا الفرق لكان أبو طالب عم النبي من أهل الجنة وكذلك أبو لهب، ولما قام صلى الله عليه وسلم ليعلنها مدوية (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، من هنا أصبح أصل التمييز بين الناس بالعمل الصالح حتى إنه يجعل لعامله حظاً عند الناس، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا).
والقاعدة الثالثة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم لبناء الأمة الإخاء، فآخى بين المهاجرين والأنصار وفي القصة المشهورة عندما آخى النبي بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، قال سعد لعبدالرحمن: (أقسم نصف مالي، ونصف بيتي، واختر من زوجاتي من أردت فأطلقها ثم تتزوجها) فقال له عبدالرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق. والنبي يقول (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى من عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا).
أنت الآن في عملك إن غاب زميلك في المسجد إن افتقدت جارك، اسأل عنه، انظر في حاله، إن احتاجك واستطعت المساعدة فلا تعجز ولا تبخل فهذا يقوي المحبة، والأمة المتآخية المتحابة المتعاونة لا يمكن أبداً أن تؤتى إلا إذا فرقت من الداخل، فالقاعدة الثالثة هذه هي قاعدة مهمة لبناء أمة قوية متماسكة، لذلك اهتم بها النبي أشد اهتمام، فوضع مقويات وحوافز للإخاء والمحبة، في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ذكر منهم (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحب فلاناً في الله، ولأن تقوية الإخاء والمحبة بين الناس سبب رئيس في قيام أمة قال له النبي: (أأخبرته؟) فقال الرجل: لا، فقال له (اذهب فأخبره).. وأيضاً من اهتمام النبي بقاعدة الإخاء جعل له آدابا وواجبات في الحديث الذي يرويه أبو هريرة: (حق المسلم ست، إذا لقيته فسلم عليه، إذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه)، حتى حق المسلم بعد الموت حفظ له.