الصفحات المتخصصة
01 يوليو 2011 , 12:00ص
? الشيخ فريد الهنداوي
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُولَى * فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى*وَلَسَوْفَ يَرْضَى}.
بين يدي السورة
سورة «الليل» مكية، وعدد آياتها إحدى وعشرون آية. نزلت بعد سورة «الأعلى» وقبل سورة «الفجر». سميت بهذا الاسم لافتتاحها بقسم الله تعالى بالليل، وسميت في بعض كتب التفسير بسورة «والليل» بإثبات الواو. السورة كلها محكمة ليس فيها ناسخٌ ولا منسوخ.
*معاني الكلمات
(يَغْشَى): يغطي كل شيء فيواريه بظلامه.
(تَجَلَّى): انكشف، وظهر بظهوره كل شيء.
(لَشَتَّى): متفرق ومختلف، يقال: شتَّ شتاً: إذا تفرق، وقوم شتى: متفرقون.
(تَرَدَّى): سقط في الهاوية وهلك.
(تَلَظَّى): تتلهب وتستعر.
(لا يَصْلاهَا): لا يقاسي لهيبها وحرَّها.
التفسير
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى): أي: أُقسم بالليل إذا غطى الوجود بظُلمته.
(وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى): أي: وأقسم بالنهار إذا ظهر وانكشف.
(وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى): أي: وأقسم بالذي خلق الذكر والأنثى، وأوجدهما على غير مثال سابق.
(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى): أي: جواب القسم، أي: إن أعمالكم ومساعيكم لمختلفة، فمنكم الشقي ومنكم التقي، ومنكم الصالح ومنكم الطالح، وهكذا، وهيهات أن يتطابق إنسانٌ وإنسان تطابقا تاماً.
(فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى): أي: فأما من أنفق ماله في سبيل الله، وأدى ما أُمر بإخراجه واتقى الله في أموره كلها.
(وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى): أي: وصدَّق بالكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد، أو يقال: وصدق بالملة الحسنى وهي الإسلام أو يقال: صدق بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، ومعنى الآية ينتظم هذا كله.
(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى): أي: فسنوقفه لعمل أهل الجنة، ونسهِّل عليه فعل الخيرات وترك المنكرات، والإقبال على الطاعات، وهذا من أعظم المنن.
(وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى): أي: وأما من بخل بماله فلم يبذله في الخير، واستغنى وزهد فيما عند الله من الأجر والثواب.
(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى): أي: وكذب بكلمة التوحيد وملة الإسلام، وكذب بما أعده الله لأهل كرامته في الجنة.
(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى): أي: فسنهيئه لخصال الردى والعُسْر، حتى تتعسَّرَ عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار.
(وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى): استفهام إنكاري، أي: إن الذي بخل بماله وضن بالإنفاق منه في وجوه الخير، هل ينفعه هذا المال إذا هوى في دركات الجحيم، وعاين عذاب الله الذي أعده للممسكين.
(إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى): أي: إن علينا بيان طريق الهدى من طريق الردى، وبيان الحق والباطل والخير والشر والرشد والغي.
(وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُولَى): أي: لنا ما في الدنيا والآخرة، فمن أرادهما فيسلك سبيلنا، وإلا فقد أخطأ طريق الجنة.
(فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى): أي: فحذرتكم وخوفتكم يا أهل الكفر والعصيان ناراً تتوهج وتتلهب.
(لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى): أي: لا يذوق حرها ولا يقاسي لهبها إلا العاتي الشقي، ثم فسّره الحق تعالى بقوله:
(الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى): أي: الذي كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وأعرض عن الطاعة والإيمان والهدى.
(وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى): أي: وسيُباعدُ عن النار ولظاها التقي، الذي يتقي بعمله الصالح غضب ربه، ونار جهنم، ثم فسره الله بقوله:
(الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى): أي: الأتقى الذي ينفق ماله في وجوه الخير، طالباً بذلك زكاة نفسه وطهارتها من أدران الرياء والسمعة والنفاق، فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه.
(وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى): أي: لا يتصدق هذا الأتقى بماله مقابل نعمةٍ لأحدٍ عليه يكافئه عليها، بل يريد وجه الله ورضوانه.
* قال المفسرون: نزلت الآيتان في حق أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- حين اشترى بلالاً وأعتقه في سبيل الله، فقال المشركون: إنما فعل ذلك ليدٍ كانت له عنده فنزلت هذه الآية.
(إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى): أي: ليس له غاية ولا همٌّ ولا هدف إلا مرضاة ربه تعالى، لا يرجو من أحدٍ جزاء ولا شكوراً.
(وَلَسَوْفَ يَرْضَى): أي: ولسوف يعطيه الله في الدنيا والآخرة ما يرضيه، وتقرُّ عينه به، وهو وعد جواد كريم لا يخلف وعده.